دمشق ـ «القدس العربي»: شكلت إدلب وحلب واللاذقية وطرطوس شمال وشمال غربي سوريا، يومي السبت والأحد، محطات لجولات سريعة للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، الذي وصل الأحد، إلى اللاذقية وطرطوس في أول زيارة إلى مدن الساحل منذ توليه الرئاسة، حيث التقى بوجهاء وأعيان المنطقة ومدراء ومسؤولين في مؤسسات الدولة، بعد زيارتين مماثلتين إلى محافظتي حلب وإدلب. وقد أبدت المناطق التي زارها الشرع قدرا عاليا من الحفاوة به، وحسن الاستقبال بعيدا عن الهتافات التي اعتاد السوريون على سماعها أيام الحكم البائد وتقديم الروح والدماء فداء للقائد.
لقاء النازحين
وبدأ الشرع جولته السبت، بزيارة إلى محافظة إدلب شمال غربي البلاد، إذ تعد الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد المخلوع قبل أكثر من شهرين، حيث ذكرت وكالة «سانا» أن الرئيس المؤقت تفقد مخيمات النازحين في إدلب، حيث التقى عددا من الأهالي هناك.
ونشرت الوكالة الرسمية «سانا» صورا للشرع خلال لقاء جمعه مع نازحين في مخيمات إدلب المكتظة بمئات آلاف النازحين داخليا، حيث تبادل معهم أطراف الحديث حول الأوضاع الإنسانية الصعبة في المخيمات. وفي مقطع مرئي مصور، وعد الشرع سكان المخيمات بعودة كريمة والعمل حتى هدم آخر خيمة على الأرض السورية، كما التقى أعيان ووجهاء محافظة إدلب.
زيارة عفرين
كما زار الشرع مدينة عفرين في ريف حلب ذات الغالبية الكردية، والتي تعرضت لجملة من التجاوزات من قبل الفصائل المحلية المسلحة، حيث عقد اجتماعا مع الوجهاء والأهالي.
وخلال الاجتماع طالب رئيس المجلس المحلي في عفرين التابع للمجلس الوطني الكردي أحمد حسن، في كلمة له بإنهاء التجاوزات وبسط سلطة الدولة، كما شرح معاناة الأهالي وما يواجهونه من تحديات، رغم التغيير السياسي الذي شهدته البلاد بسقوط نظام الأسد.
وتحدث الحسن عن معاناة أهالي عفرين من القمع والانتهاكات خلال سنوات حكم النظام واستمرار هذه الانتهاكات بعد تحرير البلاد، كما تطرق إلى تعرض الغابات في كل من جنديرس، وشيخ الحديد، وميدان أكبس وميدانيات لعمليات قطع جائر، وتخريب مساحات زراعية وحراجية واسعة، ما أدى إلى تدهور البيئة وتغير المناخ في المنطقة، فضلاعن أزمة شح المياه التي تفاقمت مؤخرا نتيجة هذه الممارسات.
كما أشار إلى أن السجون في مدينة عفرين لا تزال مليئة بالمعتقلين، رغم قرارات الإفراج التي شملت معظم أنحاء البلاد بعد سقوط الأسد، مما أثار تساؤلات حول استمرار هذه الممارسات وعدم امتثال الفصائل المسلحة للقرارات الصادرة عن الحكومة الانتقالية، مشيرا إلى سلسلة من العراقيل التي تواجه العائدين إلى ديارهم، وتعرض الأهالي القادمين من المحافظات المجاورة سواء من حلب ودمشق أو دول الجوار كلبنان وتركيا للاعتقال والابتزاز المالي فور وصولهم، كما أن بعضهم اختفى قسرًا أثناء توجههم إلى عفرين، حيث تبين لاحقا أنهم قد اعتقلوا في سجون الراعي، مارع، اعزاز، وحوار كلس.
وتحدث الحسن عن تعرض العديد من المنازل للسرقة والنهب، في ظل غياب القانون وسلطة تمنع هذه التجاوزات، مشددا على ضرورة إنهاء حكم المجموعات المسلحة وترسيخ دولة القانون التي تحقق العدالة والحرية، وتضمن كرامة جميع المواطنين دون تمييز، بما يفتح المجال للنازحين من العودة إلى منازلهم دون خوف أو تهديد.
شملت إدلب وحلب واللاذقية وطرطوس… وحظي باستقبالات شعبية حاشدة
وأجرى الشرع زيارة إلى حلب ثاني أكبر المدن السورية، حيث عقد جلسة حوارية جمعت عددا من وجهاء وأعيان حلب وريفها من مختلف شرائح المجتمع، للحديث عن واقع المدينة وبحث سبل النهوض بمحافظة حلب كعاصمة اقتصادية على وجه الخصوص.
زيارة اللاذقية وطرطوس
وأمس، زار الشرع مدينة اللاذقية. وقال مسؤول العلاقات الإعلامية في محافظة اللاذقية نور الدين بريمو لـ «القدس العربي» إن الشرع اجتمع مع «ممثلين من مختلف الطوائف في اللاذقية إضافة إلى وجهاء وأعيان من كل بلدات وقرى المحافظة، وذلك في اجتماع موسع ضم أيضا مسؤولين في أجهزة الدولة».
وأشار المتحدث إلى خصوصية اللاذقية التي «عانت من فساد عائلة الأسد، ودفعت الثمن الأكبر خلال أكثر من 50 عاما، من آل الأسد ومخلوف وشاليش وباقي الطغمة الحاكمة».
لينتقل بعدها الرئيس السوري المؤقت إلى طرطوس حيث قالت مصادر «القدس العربي» إن الشرع اجتمع مع وجهاء ومشايخ من مختلف الطوائف في المحافظة، كما عقد اجتماعا مع مدراء المديريات الخدمية ومسؤولين بارزين في مؤسسات الدولة.
لا نفاق لا هتافات
وتحمل جولات الشرع إلى المحافظات السورية، ومن بينها اللاذقية وطرطوس كوجهة مباشرة بعد زيارته إلى مدينتي إدلب وحلب، دلالات واضحة تحدث عنها الباحث لدى مركز «عمران للدراسات الاستراتيجية» منير الفقير، حيث وصفها بأنها خطوة على الطريق الصحيح.
وقال الفقير لـ «القدس العربي»: زيارة رئيس الجمهورية لمحافظتي حلب وإدلب خطوة مهمة وهي مقدمة للاهتمام بالعلاقات العامة مع الجمهور السوري بعد التركيز المستمر على تحسين الصورة أمام الخارج، في المقابل أبدت الحواضن المزارة قدرا عاليا من الترحيب وحسن الاستقبال ممزوجين بقدر كبير من الشمم وعزة النفس، إذ لم نر نفاقا ولا هتافات.
وبرأي المتحدث، فإن هذه الجولة هي «خطوة لا بد منها، في افتتاح المرحلة الانتقالية للرئيس أحمد الشرع، وهي مهمة لتحقيق نوع من التوازن بين الانفتاح الدولي على الدول مقابل الانفتاح على الشارع والمجتمع السوري وأبناء المحافظات بعد ملاحظة التقصير والتراجع إذ كان لا بد من أن تترافق كلمة الرئيس المؤقت أحمد الشرع للشعب السوري مع زيارات ميدانية يكون فيها الشرع أقرب للناس ليستمع إليهم ويقف عند مطالبهم من أجل كسر النمطية التي تظهر الرئيس بمظهر المتعالي من برج عاجي، ومحيط منافق وشعب مستجدٍ».
ولاحظ الفقير خلال اللقاءات «الكثير من التواضع والبساطة من قبل الرئيس والكثير من الجدية وعزة النفس عند المواطنين في صراحتهم وجرأتهم ونقاشهم للقضايا والمطالب دون مجاملة وبعيدا عن التطبيل، يقابل ذلك على مستوى الخارجية، وجود وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في جولة خارج سوريا، لتوجيه رسائل إيجابية حول العهد الجديد، بينما يبني الرئيس شرعيته الداخلية على الأرض».
وقال: كان اللافت اهتمام الشرع بتفاصيل المشكلات وتدوينها، بمقابل اهتمام وزير الخارجية بجميع الملاحظات في زيارته إلى ألمانيا وكتابتها وهذا يظهر المشهد السوري الجديد أنه منفتح على التطوير، كما أن الحكومة لا تحتكر حقيقة الإصلاح ورؤية الإصلاح سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي.
وعبّر المتحدث عن اعتقاده بأن هذه الزيارات تدعم شرعية السلطة الجديدة أمام العالم، وتمكنها سياسيا ودوليا، وتدل على ترحيب شعبي بهذا العهد الجديد.
وزاد: في كل محافظة من المحافظات التي زارها الشرع هناك دلالة مهمة، مثلا الساحل السوري ومن المعروف حساسية وضعه وأهمية تطمين الأهالي هناك والاقتراب منهم ومساعدتهم ليكونوا مرتاحين في التعاون مع الدولة الجديدة، والتعاون في مجال المحاسبة والانخراط من جديد في الدولة والثقة بها، كما أن زيارة مدن الساحل هي لقطع الطريق على محاولات المتربصين من جميع الأطراف سيما من طرف إيران الذين يلعبون على الوتر الطائفي فهي خطوة لقطع الطريق وإعادة لم الشمل الوطني.
أما زيارة إدلب، فهي جزء من الوفاء لهذه المحافظة ودورها العظيم في التحرير بعد احتضانها مهجري سوريا جميعا من إجرام نظام الأسد، وكونها منطلقا لعملية التحرير.
أما زيارة حلب، فهي لدور هذه المحافظة ومحوريتها وأهميتها بالاقتصاد وكثقل اجتماعي كبير في سوريا، وكونها العاصمة الثانية، كان لا بد من هذه الزيارة لتوجيه رسائل لأهالي حلب والتأكيد أنهم أساس ومحور في عملية بناء سوريا الجديدة، بانتظار زيارة درعا والسويداء بعد تحرير المنطقة الشرقية.
تهيئة الشعب للحوار
في حين اعتبر الباحث لدى مركز «مشارق ومغارب للأبحاث» عباس شريفة أن هذه الجولات هامة بخصوص قضية الحوار الوطني، إذ أنها «تأتي بعد سلسلة من اللقاءات الخارجية التي قام بها الرئيس أحمد الشرع، وأيضا بعد الاتفاق بين فصائل إدارة العمليات العسكرية على تسمية الشرع رئيسا للجمهورية في المرحلة المؤقتة».
وبناء على ذلك أبدى شريفة اعتقاده في حديث مع «القدس العربي» بأن هذه الزيارات تأتي لعدة أهداف أولها إشراك الشعب السوري بقضية الحوار الوطني، وسماع مشاكلهم بشكل أساسي، وتهيئة الشعب السوري إلى هذا الحوار، وتشكيل رافعة سياسية لإقناع الشعب السوري بكل المحافظات للدخول بهذا الحوار إضافة لسماع مشاكل المحافظات السورية بشكل مباشر والوقوف على احتياجات الشعب السوري، وبناء جسور الثقة بين الدولة وبين الشعب في إدارة المرحلة الانتقالية، فكل هذه الأهداف على أجندة الزيارة التي يقوم بها الشرع.
وقال: أهمية هذه الزيارات تأتي من حيث التوقيت في ظل التوتر الأمني والخطورة الأمنية حيث يضحي اليوم الرئيس أحمد الشرع بأمنه الخاص ويدخل المحافظات السورية بزيارات معلنة وبشكل مباشر، من أجل بناء الوحدة الوطنية بين الشعب السوري وبين القيادة.
وتعطي هذه الزيارة من وجهة نظر المتحدث، تأكيداً بأن القيادة تنظر للشعب السوري ككل بكل طوائفه وبكل أديانه وبكل قومياته على أنه شعب واحد، والقيادة تقف على مسافة من الجميع، من كل مكونات الشعب، وأن كل مكونات الشعب شركاء في عملية بناء المرحلة الانتقالية ومؤسسات الدولة وترسيخ الأمن في سوريا.
وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بسطت إدارة العمليات العسكرية بقيادة «هيئة تحرير الشام» سيطرتها على دمشق بعد مدن أخرى، منهية 61 عاما من نظام حزب البعث الدموي، و53 سنة من حكم عائلة الأسد. وفي 29 يناير/ كانون الثاني 2025، أعلنت الإدارة السورية الجديدة تعيين الشرع رئيسا للبلاد خلال المرحلة الانتقالية.