يتجدد سؤال النقد كلما قرأنا كتابا نقديا، سواء تناول النظرية أو التطبيق أو كليهما، وتساورنا الآمال في إمكانية ظهور نظرية نقدية عربية، ثم يغلق الباب حول هذا السؤال إلى حين ظهور رأي نقدي آخر، ولكن ضمن ذلك قد يرى بعض المهتمّين بالنقد أنّ التراكم هو الذي يحدث الفرق، وضمن هذا التراكم قد تختفي معالم ما نبحث عنه.
ضمن هذه الأطروحة وبطريقة بسيطة كانت قراءتي للكتاب النقدي «وقفات.. من النص إلى الأداة/ نماذج من النقد التطبيقي للرّواية» الصّادر عام 2024 لمحمد تحريشي، الذي يشتغل على النصوص بطريقة يراعي فيها إيصال المعنى في الرّواية إلى أكبر قطاع ممكن من القرّاء. من كتبه «أدوات النص»، «قراءات في الخطاب الروائي». تناول في المقدّمة رؤيته لـ»مؤسّسة النقد الأدبي والفني»، مؤكدا أنّه علينا «أن نتفق حول مفهوم مؤسسة»، ويحصر محور فهمها في «نظامها وطريقة عملها، والسلطة التي يجب أن تتمتع بها وتمارسها بكل حرية وديمقراطية». ما دام القصد يتناول مؤسسة النقد، فالتفكير في تداولية النقد يتحقق حسب رؤية الكاتب للمؤسسة، أي الفريق الذي يتشكل في إطاره المذهب والتيار والاتجاه، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالتفكير جدّيا في الجهد المعرفي المبني على التعاون، فالفكرة النقدية التي تبقى حبيسة أدراج مفكِّرِها لا تنتج أكلها، إلا إذا تداولها العقل الجمعي الذي يطرح منها ويضيف وفق عقل نقدي ينبذ العزلة الفكرية المتشبّثة بالفردية، أي اعتقاد شخص الناقد المدرسية في نفسه.
يشير الكاتب إلى عملية تطور عجلة النقد في الجزائر، ويعزو ذلك إلى «البعثات العلمية لوزارة التعليم العالي الجزائرية إلى الجامعات الأوروبية والأمريكية والعربية»، وبالفعل نجد مثلا من المتقدّمين محمد مصايف (1923-1987) الذي تتلمذ في الدكتوراه على يد سهير القلماوي، و»اهتم مصايف بالتنظير النقدي، مؤكدا أهمية النقد في تقويم الأدب، فضلا عن تفسيره وفق منهجية وقواعد صارمة لا تخضع للانطباعية» كما يرى إبراهيم مشارة. ومن المتأخّرين السعيد بوطاجين (1958) الذي درس السّيميائية في فرنسا وتحصّل من السوربون على دبلوم الدّراسات المعمّقة في 1982، وهنا يُطرح السؤال الذي لا بد منه: لماذا مثلا على مستوى الجزائر تغيب المدرسة النقدية الوطنية؟ التفكير القطري في النقد يبدو لي هو القاطرة التي سوف تجمع عربات النقد المختلفة لتشكل المركبة الواحدة التي تمثل بوادر «المدرسة النقدية العربية»، والتي حتما ستقود إلى «النظرية النقدية العربية». إنّ انحسار التّفكير في النّظرية النّقدية أو الاتجاه النّقدي العام ليس مردّه عدم توفّر الرّؤى، بل ربّما يعود ذلك إلى عدم الاهتمام بالتراكم الكمي للكتابات النّقدية، وهذا يعود في أحد أسبابه إلى التفكير الفردي (الأنانية المعرفية) في إنجاز المفارقة.
يشير الكاتب إلى جانب مهم في قراءة النص وهو الانطلاق من النص ذاته: «اخترت أن أنطلق من النص لاستخرج منه الأداة أو الأدوات الإجرائية المناسبة والقادرة – ربّما- على الكشف عن خصائصه الفنية وقيمه الجمالية». يبدو أنّ أهم ما يواجه النقد من صعوبات هو التفكير في المنهج، قبل اختبار النص قراءة وتفكيكا، وإعادة بنائه، لأنّ النص منجم يحتوي على المواد كافة التي سوف تدخل في صناعة استمراريته إذا توفّر لها الانبثاق من طبقاته ومضمراته، أي إذا استطاع الناقد أن يستنطق صمته ويحرّك سكونه. عند مستوى خصوصية النص تظهر إشكالية ليّ عنق النص، ليكون على مقاس منهج معين، أي أنّ التفكير في المنهج مسبقا يقتل النص ويؤدي به إلى الإفلاس الرّؤيوي والأفق المغلق، وتغلق أفقه قراءة لا تستطيع الحركة خلال مستوياته الدلالية، إلا إذا مسكت أداة نقدية حتى لو لم تتوافق وطبيعة النص، وبذلك سوف يُقوَّل النص ما لم يقله ويخسر الرّؤية المُستبطنة، وهنا كان على الكاتب أن يشير إلى ما تناوله بعض الباحثين من خلال المقابلة بين «النقد الأكاديمي» و»النقد الصحافي»، أو «الهامشي» الذي يُنتج خارج أسوار الجامعة، لأنّه أصبح يشكل رافدا أساسا للباحثين بتجاوزه اللغة المعقّدة «النظرية»، ليواجه النص في مستوياته البوحية، التي لا تتحقق إلا عن طريق حوار النص من حيث هو مُنتَج تاريخاني، أي أنتج، خلال سياق اجتماعي تاريخي.
يطرح الكاتب مفهوم الهندسة الثقافية التي «جاءت نتيجة التطور التكنولوجي الذي أسهم في ترقية وسائل التواصل الاجتماعي المرتبط بنظام الحكم»، ولعل هذه الرّؤية باعتبارها مبنية على الجانب الثّقافي، تجعل من العملية النقدية ثقافية في أساسها، والرّبط بين الهندسة الثقافية والحكم الراشد، أي الجانب السياسي يحرّك التفاعل بين ما هو مجتمعي وما هو ثقافي، لكن في الحدود التي لا يصبح فيها السياسي متغوّلا على الثقافي، فتضيع الرّؤية النقدية للنص، باعتباره مُنتَج سياق اجتماعي.
من مقولات الكاتب التي جعلها بعد إشارته إلى «المؤسسة» ثم «الهندسة الثقافية»، «الاختلاف»، وعَنْوَنَ لذلك بـ»ثقافة الاختلاف جسر محبة»، واعتبر «الحديث عن الاختلاف في هذا الزمان أضحى أكثر من ضرورة»، والتأكيد على الاختلاف في سياق الحديث عن النقد الأدبي، يحيل إلى العلاقة بين النص وقارئه، أو بين الرؤية النقدية للنص التي تفكك أوصاله وتحاول رؤيته من الداخل وفق «الغربال» بتعبير نعيمة، مؤسّسة لقراءة تتعلق بالنص متجاوزة صاحب النص، فكل قراءة ترتبط بالمعنى، وليست بالضّرورة إذا قالت رأيها في النص، أنّها تعني كاتب النص.
يتناول الكاتب قضية إلحاق الأدب بجغرافية معيّنة: «إنّ توصيف هذا الأدب بالجزائري، هو توصيف فنّي وجمالي، وفي الوقت ذاته توطين مكاني وزماني لنصوص إبداعية..»، والقضية هنا تتعلق بمستويين من الفهم لظاهرة توطين النص، فمن جهة، لا بد من أن يكون القارئ على دراية بالمكان الذي أنتج النص، الجهة التي أثرت في دواخل الكاتب متفاعلا مع معطياتها ومناخاتها وسياقات إنتاج المعنى فيها، حتى يستطيع القارئ أن يبني علاقة مع الكيفيات التي أنتج خلالها النص والمؤثرات التي جعلته بهذه الكيفية أو تلك، ومن جهة أخرى يتيح التوصيف المكاني للقارئ التعرّف على جغرافيات كان يظنّها لا علاقة لها بالفن والأدب والجمال، لكن الحلقة المفقودة في هذا التحليل هو الكيفية التي تساهم فيها عملية التوصيف في إنتاج العمل النقدي، الذي يصل درجة المدرسة أو الاتجاه أو التيار، أي النظرية، ما العلاقة بين التأكيد على الإنتاجية المكانية الخاصة، والانخراط في المد النقدي العام للامة، حيث تنكشف خصوصياته المعرفية تحت سقف قومي كما هو الحال عندما نقول النقد الأوروبي أو الأمريكي أو الغربي على العموم؟
يبدو لي أنّ مسار النقد أو الإنتاج المعرفي عامة في انتقالاته التوالدية من المحلية إلى الإقليمية واكتسابه بذلك الصّفة القومية الشاملة كقولنا الأوروبي أو الأمريكي أو العربي، إنّما يحدث ذلك وفق وعي شمولي بما تحقّقه النّظرة التكاملية البعيدة عن الفردية، وهنا تظهر نجاعة التفكير داخل «الفريق»، فمهما بلغت الفكرة منطقيتها وقوّتها المعرفية تظل غامضة وناقصة، إلا إذا وُضِعت تحت ضوء «الآخرية النقدية»، التي كلما أعملت مبضع رؤيتها في الفكرة، تبدّت ملامح فكرة جديدة لا تلغي السابق، بل تجعله أساس اللاحق، وبذلك تمتلك «الفكرة النقدية» جدواها المنطقية والعلمية.
يتعرّض الكاتب في الجانب التطبيقي لعدّة نصوص عربية وفرنكوفونية، حسب رؤيته وما يؤمن به من طرق للتعامل مع النص، وهو لا يتشابك مع النظرية في إظهار ما خفي من النص، بل يعتمد المواجهة المباشرة التي تؤدي إلى نوع من التحليل النصي وفق منهجية تعتمد الذائقة، وهي طريقة يُستشف منها البعد الثقافي التحليلي للنصوص، الذي تؤطّره ثقافة القارئ وتجربته، إلى أي مدى تعتبر هذه الطريقة ناجحة في الكشف عن مضمرات النصوص؟ ذلك ما تعتني به قراءات في المتن النقدي قادرة على تصنيف التجربة في مجال المقارنة.
كاتب جزائري