تبدو أوروبا الآن مشتتة سياسيا وغير مستقرة على رأي واحد بشأن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وضعيفة عسكريا إلى حد كبير خارج إطار المظلة الأمريكية.
باريس ـ «القدس العربي»: خلال عام 2024 بدأ التململ يظهر لدى الرأي العام في دول الاتحاد الأوروبي تجاه أفق المساندة المالية والعسكرية التي تقدمها هذه الدول إلى أوكرانيا بعد أن تبين أن الرئيس الأوكراني يلح كلما حصل على دعم مالي أو عسكري من الغرب ولاسيما من دول الاتحاد الأوروبي على ضرورة مضاعفة هذا الدعم لأنه غير كاف ولأن أوكرانيا تحارب من أجل أوروبا الحرة والديمقراطية. وبالتالي كان تعهد دونالد ترامب بالتدخل لإيجاد مخرج للحرب الروسية الأوكرانية بمثابة أمل لدى كثير من الروس والأوكرانيين وشعوب دول الاتحاد الأوروبي. لكن هذا الأمل سُرعان ما تحول إلى كابوس في الأيام الأخيرة بالنسبة إلى الرئيس الأوكراني وقادة دول الاتحاد الأوروبي.
بعد المحادثة الهاتفية بداية الأسبوع المنصرم بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين والتي دشّنت بداية مساعي ساكن البيت الأبيض الجديد لإنهاء هذا الصراع كما تعهد بذلك خلال حملته الانتخابية، شكّل الاجتماع الذي احتضنته العاصمة السعودية الرياض يوم الثلاثاء 18 شباط/فبراير بين مسؤولين روس وأمريكيين صدمة كبيرة بالنسبة لقادة أوكرانيا وداعميها الرئيسيين في أوروبا.
اجتماع الرياض، الذي ترأسه وزيرا الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأمريكي ماركو روبيو، يعد الأول من نوعه على هذا المستوى بين الروس والأمريكيين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا قبل ثلاث سنوات. وغاب عنه الطرفان الأوكراني والأوروبي. في ختامه، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أنه مقتنع بأن روسيا تريد الانخراط في عملية جادة لإنهاء الحرب. وشدد الوزير الأمريكي على ضرورة أن تكون هذه نهاية دائمة للحرب، وليس نهاية مؤقتة، وعلى أنه يجب أن يكون هناك نقاش حول الأراضي وحول الضمانات الأمنية. كما فتح ماركو روبيو الباب أمام مشاركة الأوروبيين في المناقشات، والذين، مثل كييف، تم استبعادهم من هذه المحادثات، ولكن بدونهم فإن رفع العقوبات الاقتصادية ضد روسيا من جانب واحد من قبل واشنطن يكاد يكون مستحيلا. من جانبه، قال وزير الخارجية الروسي إنه يعتقد أن الاجتماع مع نظيره الأمريكي كان مفيدا للغاية، مشدداً على أن وقف القتال غير ممكن من دون البحث في قضايا أمنية أوسع نطاقا على مستوى أوروبا. وقرّر وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الروسي تعيين فرق للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا. كما قرر البلدان استئناف التمثيل الدبلوماسي المتبادل، وإنشاء «آلية تشاور» لتجاوز خلافاتهما، وتعيين مفاوضين بشأن أوكرانيا.
إلى جانب ذلك، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ضرورة تعزيز «الثقة» بين موسكو وواشنطن من أجل إيجاد حلّ للنزاع في أوكرانيا، وذلك في تصريحات الأربعاء غداة لقاء بين وفدين روسي وأمريكي في الرياض، قائلاً إن اللقاء مع الأمريكيين كان وديا للغاية، معتبرا أن الفريق الذي أرسله دونالد ترامب «منفتح على عملية التفاوض». وأوضح الرئيس الروسي أيضا أن بلاده لم ترفض أبدا التفاوض مع أوكرانيا. من جانبه، عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ثقته بإمكان التوصل إلى اتفاق مع روسيا، واصفا المحادثات التي جرت في الرياض بأنها «كانت جيدة»، ومعتبراً أن روسيا تريد إنهاء الحرب الوحشية في أوكرانيا، وأنها لم ترد تدمير كييف، ولو أرادت ذلك لكانت قد فعلته، ولكانت مدن في أوكرانيا مُسحت تماماً كما جرى في غزة، على حد قوله. كما أكد الرئيس الأمريكي أنه يؤيّد بالكامل نشر قوات حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا بعد إبرام صفقة مع روسيا تنهي الحرب في هذا البلد.
ترامب يهاجم زيلينسكي
وذهب الرئيسُ الأمريكي إلى أبعد من ذلك مصعداً من نبرة انتقاداته لنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، واصفاً إياه بأنه «غير كفء وتصدر عنه أقوال سخيفة». كما اعتبر ترامب أنه لم تجر انتخابات في أوكرانيا، بل فرضت أحكام عرفية، وأن شعبية زيلينسكي تراجعت والقيادة الأوكرانية الحالية سمحت باستمرار الحرب، معبراً عن خيبة أمله من اعتراض الرئيس الأوكراني على عدم دعوة بلاده للمحادثات الروسية الامريكية في السعودية. وبعد أن وصف زيلينسكي بأنه «ديكتاتور»، واصل ترامب خطابه المنحاز لموسكو قائلا مساء الأربعاء إن الروس في هذا النزاع «سيطروا على كثير من الأراضي» وبالتالي فإنهم «في موقع قوة». وأيضا، اعتبر الرئيسُ الأمريكي أن أوكرانيا ما كان ينبغي لها أبدا أن تبدأ هذه الحرب، وأن المسؤولية عن الصراع تقع على عاتق أوكرانيا بسبب محاولتها الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، على الرغم من أن ترشيحها كان مجمدا منذ عام 2008، متناسياً على ما يبدو حقيقة أن روسيا هي التي غزت أوكرانيا. وبالإضافة إلى ذلك، اتهم دونالد ترامب أوكرانيا باختلاس نحو نصف المساعدات العسكرية الأمريكية، والتي قدرها بأكثر من 350 مليار دولار.
فولوديمير زيلينسكي، ردّ على هجوم نظيره الأمريكي بالقول إن دونالد ترامب يعيش في «فضاء التضليل الروسي» وبأنه يساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على «الخروج من سنوات من العزلة». وقوبلت تصريحات الرئيس الأوكراني هذه بانتقادات جديدة من ترامب وبعض مؤيديه، بمن فيهم الملياردير إيلون ماسك، الذي اعتبر أن الرئيس الأوكراني «يحتقره شعب بلاده»، وكذلك مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز اعتبر انتقادات كييف للرئيس الأمريكي «غير مقبولة» وحضّ زيلينسكي على توقيع اتفاق يمنح الولايات المتحدة امتيازات للاستفادة من الموارد المعدنية والطبيعية لبلاده. بدوره، أعلن نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أنّ أوروبا «توشك على التوصل إلى السلام»، مشيدا بعمل الرئيس دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا، في التجمع الكبير للمحافظين في ناشونال هاربور قرب واشنطن..
وعلى وقع ارتفاع منسوب التوتر بين زيلينسكي وترامب على خلفية انفتاح الأخير على موسكو، زار المبعوث الأمريكي الخاص كيث كيلوغ كييف يوم الخميس في محاولة لرأب الصدع بين بلديهما. وقد دعا الرئيس الأوكراني عقب اللقاء، في تغريدة له، إلى «علاقات متينة» بين بلاده والولايات المتحدة، قائلاً إنه أجرى مناقشة جيّدة مع كيث كيلوغ، تناولت الوضع في ميدان المعركة، وسبل إعادة الجنود الأوكرانيين أسرى الحرب، وتوفير ضمانات أمنية فعّالة. إلا أن اللقاء وعلى عكس ما يجري عادة لدى زيارة موفد أجنبي، لم يعقبه أي مؤتمر صحافي مشترك كما لم يصدر أي بيان مشترك بعده. غير أن ترامب واصل انتقاداته للرئيس الأوكراني، حيث جدد، يوم الجمعة، انتقاداته لنظيره الأوكراني، معتبرا أنه من «غير الضروري» حضور الأخير مفاوضات مع روسيا لا يمتلك فيها «أي أوراق»، معتبراً أن زيلينسكي «يعقد اجتماعات منذ ثلاث سنوات ولم يتم إنجاز أي شيء». ولم يسلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من سهام انتقاد الرئيس الأمريكي، معتبراً أنهما لم يفعلا شيئا لإنهاء الحرب، وذلك قبل استقبالهما توالياً غدا الإثنين ويوم الخميس في واشنطن. كما شدّد ترامب على وجوب أن يحصل تواصل بين الرئيسين الروسي والأوكراني من أجل وقف الحرب في أوكرانيا.
وسط الضغوط الأمريكية المتزايد، أعلن البيت الأبيض يوم الجمعة، على لسان مستشار الأمن القومي الأمريكي مايكل، أن أوكرانيا ستوقع قريباً اتفاقاً مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن معادنها النادرة، حيث تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة إلى تغيير شروط المساعدات الأمريكية، مع إصرار الرئيس دونالد ترامب على حاجة دافعي الضرائب الأمريكيين إلى مقابل لأموالهم التي تُصرف على أوكرانيا. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعلن في وقت سابق عن رفضه مسودة أولى لأنها لا تتضمن ضمانات أمنية لبلاده. وقد عبّر يوم الجمعة عن أمله في التوصل إلى اتفاق على ما وصفه بالاتفاق العادل مع الولايات المتحدة.
تهميش الأوروبيين
وأمام التهميش الأمريكي لبلاده وحلفائه الأوروبيين، قال زيلينسكي في كلمة مساء الجمعة إن أوروبا يمكنها ويجب أن تبذل مزيدا من الجهود لضمان السلام، معتبراً أن لدى كييف مقترحات واضحة مع شركائها الأوروبيين. فمساعي الرئيس الأمريكي لوضع حد للحرب في أوكرانيا، تحولت إلى كابوس أيضا بالنسبة لقادة الدول الأوروبية الرئيسية، كما هو الحال بالنسبة للرئيس الأوكراني. فقد وجدت دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا نفسها ضعيفة إلى حدود كبيرة أمام الولايات المتحدة التي كانت أهم حليف لها ولأوكرانيا ضد فلاديمير بوتين. ودفع ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى عقد اجتماعين أوروبيين طارئين هذا الأسبوع، لمناقشة الحرب في أوكرانيا والأمن الأوروبي، في محاولة للرد بشكل ملموس على النهج أحادي الجانب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الصراع. وعلى الرغم من الاتفاق على تعزيز جهود القارة دفاعيا، اختلف الأوروبيون حول مسألة إرسال جنود إلى أوكرانيا لضمان أمنها في حال وقف إطلاق النار، وهو أمر في صلب «الضمانات الأمنية» التي يُطلب منهم تقديمها إلى كييف خلال مفاوضات مع موسكو. ففي الوقت الذي يؤكد فيه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استعداد بلاده لإرسال قوات إلى أوكرانيا إذا لزم الأمر لضمان أمن بريطانيا وأوروبا، اعتبر المستشار الألماني أولاف شولتس أن النقاش بشأن إمكان إرسال قوات إلى أوكرانيا «غير مناسب» و«سابق لأوانه»، فيما أوضح الرئيس الفرنسي أنّ بلاده لا تعتزم إرسال قوات إلى أوكرانيا قبل إبرام اتفاق سلام بين كييف وموسكو.
وأثبت تحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمحاولة بلورة موقف أوروبي موحد تجاه هذه المستجدات أن أوروبا لا تزن كثيرا في خريطة التحالفات الجيوستراتيجية الكبرى بدون الولايات المتحدة. بل إن كثيرا من الإجراءات التي اتخذها ترامب لإعادة النظر في كثير من المؤسسات الأمريكية أثبتت أن عصب الغرب تمثله الولايات المتحدة بما في ذلك المساعدات الإنسانية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى العالم. وبدت أوروبا حتى الآن مشتتة سياسيا وغير مستقرة على رأي واحد بشأن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وضعيفة عسكريا إلى حد كبير خارج إطار المظلة الأمريكية. وإذا كان ثمة توجه واحد بدأ يظهر اليوم إزاء الوهن الأوروبي فهو السعي إلى زيادة موازنات التسلح لدى كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي.
بعد الاجتماعين على مستوى القادة الأوربيين، أجرى الرئيس الفرنسي يوم الخميس حوارا طويلا مع القوى السياسية الفرنسية وأتبعه بنقاش عبر الإنترنت مع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، قال فيه إن أوروبا تدخل حقبة جديدة بعد مرور ثلاثة أعوام على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، داعيا إلى حشد الدعم في مواجهة التهديد الذي تمثّله روسيا لأوروبا وفرنسا، على حد تعبيره. وشدّد الرئيس الفرنسي على أنّه سيحذّر نظيره الأمريكي دونالد ترامب عندما يلتقيه في البيت الأبيض غداً الإثنين من إظهار أي علامة ضعف أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في خضم ذلك، تلتئم الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الإثنين بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لبدء الغزو الروسي لأوكرانيا. وهي مناسبة أعدّت أوكرانيا والأوروبيون لها مشروع قرار يشدّد على ضرورة مضاعفة الجهود الدبلوماسية من أجل وضع حد للحرب في هذا العام، ويشير إلى مبادرات دول أعضاء عدة طرحت رؤيتها لاتفاق سلام شامل ومستدام. ويكرّر النص أيضا المطالب السابقة للجمعية العامة فيما يتّصل بالانسحاب الفوري وغير المشروط للقوات الروسية من أوكرانيا ووقف الهجمات الروسية ضد أوكرانيا. في حين، اقترحت الولايات المتحدة يوم الجمعة على الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار يدعو إلى نهاية سريعة للحرب في أوكرانيا من دون أي إشارة إلى وحدة أراضي البلاد. وقد وصف السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا مشروع القرار الأمريكي بأنه «فكرة سديدة»، لافتا في الوقت نفسه إلى افتقار النص لما يشير إلى «جذور» النزاع.