لندن ـ «القدس العربي»: في حوار أجرته معه «القدس العربي» في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في ذكرى عام على بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، يقول السفير الفلسطيني في لندن الدكتور حسام زملط إنه بعد عام فعلًا توقف نوعًا ما طرح السؤال الذي هوجم الفلسطينيون به خلال الأشهر الأولى من عمليات التطهير العرقي والجريمة الواسعة هذه على أرض غزة، وفي الضفة، هل تدين؟
لكن مشهد تسليم جثث عائلة بيباس وبينها طفل ورضيع، فضلًا عن أمهما (قبل أن يتضح انها ليست هي. في اليوم الأول)، والمسن عوديد ليفشيتس، استجر بعضًا من ردّات الفعل المثيرة للجدل في أوروبا، على الرغم من أن المقاومة الفلسطينية قالت إنهم قتلوا في قصف للاحتلال.
وليس المثير للجدل هو الحزن على مقتل أبرياء، وخصوصًا أطفال ومسنون، ولا رفض استهداف المدنيين، ولا حتى مناشدة المقاومة الفلسطينية نفسها أن تراجع علنًا هذا الفعل من أوله وحتى آخره، بما ينسجم مع تراث الثورة الفلسطينية ومع أخلاق الشعب الفلسطيني ومع دينه الحنيف وقيمه العربية والإسلامية والمسيحية السّمحاء. فكل هذا يمكن قبوله وتقبله ونقاشه، على الأقل بعيدًا عن المزايدات، وبمعزل عن الانقسام الفلسطيني والعربي أيضًا.
وإذا كان الفلسطيني يستند إلى القانون الدولي في دفاعه عن نفسه، فإنه يجب القبول وبشجاعة فكرة أن احتجاز حرية وحياة أبرياء بالفطرة، ومدنيين، وتعريضهم للخطر، هو خرق لهذا القانون.
لكن المثير للجدل فعلًا، ينبع من ألم عربي وليس فقط فلسطيني – بل هو ألم عند الشعوب الإسلامية وشعوب ما يعرف بالعالم الثالث، أو جنوب الكوكب، التي ترى شرائح واسعة منها، وفي قضايا كثيرة وليس فقط في فلسطين، أن دماءهم رخيصة مقارنة مع «العرق المتفوّق» أو «الحضارة المتقدمة»، وأن أديانهم تسع لمثل هذا التغاضي عن هذه الممارسات، بعد شيطنة الضحية.
فإذا كانت عائلة بيباس، كلها، وأخيرًا شيري وكفير وأرييل، ضحايا، وهم كذلك منذ أن احتجزوا، فإن نظام الفصل العنصري الذي يدار من القدس المحتلة وتل أبيب، ونظام الاحتلال والاستعمار المتبقي في القرن الواحد والعشرين، والنظام الذي اقتطع حتى من قطاع غزة خلافًا للقانون الدولي منذ خمسينيات القرن الماضي، وبنى حوله مستوطنات الغلاف، هو الجلّاد وهو القاتل.
ولكن سياسيي الغرب ليسوا كلهم عقلاء أو متوازنين ومنسجمين مع خطابهم. وخصوصا وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، التي منذ بداية الحرب لم تظهر سوى تعاطف قليل مع الفلسطينيين الذين فقدوا أكثر من 17 ألف طفل سُحقت أحلامهم، وقُطّعت اوصالهم، واحترق بعضهم حيّا، وذاب بعضهم الآخر، فيما كان آباؤهم وإخوانهم يُغتصبون بأدوات حادة في معتقلات «سديه تيمان» و«الدامون» وغيرهما، أو ينكل بأمهاتهم وأخواتهم وخالاتهم وعمّاتهم وجداتهم في سجون الاحتلال الذي أداره حتى فترة قصيرة المدان بالإرهاب ومريد حركة «كاخ» الإرهابية ومستلهمها إيتمار بن غفير.
وفي صلب هذا السلوك المشين لبعض السياسة «الاتحاد أوروبية»، التي تلحق بها مؤسسات الإعلام العامة (وباتت تشبه الرسمية) في بعض دول القارة العجوز، عنصرية لا يمكن إنكارها ولا التعمية عليها، لا بالليبرالية، ولا بحزب خضر ألماني عجيب، إما أنه لا يزال يعيش عقدة ذنب يستأهلها بسبب ماضي ألمانيا المشين تجاه ضحايا المحرقة من اليهود في أوروبا، أو أنه يتخذ ذلك ذريعة للتستر على مكنوناته المحتاجة إلى تفريغ عنصريتها على شعوب «أدنى وأقل قيمة»، في كل حقبة من تاريخ العالم.. للأسف.
بُحّ صوت الإعلام المؤيد للفلسطينيين والمحتوى المؤيد لفلسطين – المحارب والمحاصر – وهو يحاول أن يشرح للعالم بكل اللغات، أن ما جرى هو حرب إبادة ضد شعب كامل وعلى كل المستويات وحرب مستمرة منذ عقود طويلة.. مقابل برودة تبديها وكالات الأنباء بشكل خاص تجاه الفلسطينيين، خصوصًا بعد وقف إطلاق النار الأخير..
كان يجب الركون إلى محتوى وكالة «الأناضول» التركية، التي منذ بدء حرب الإبادة صنفتها في إطار هذا التمييز العنصري، فحرصت، في كل خبر عن فلسطين تبثّه، على تكرار دائم ووضع في سياق، إلى درجة الملل، لماهية الحدث – الإبادة كما تصفها جنوب أفريقيا وعشرات الدول التي دعمتها أمام محكمة العدل الدولية، ومنظمة العفو الدولية والمقررة الأممية فرانشيسكا البانيز وجهات مرموقة عديدة، وأفراد.
ومن هذا المحتوى، نقرأ عن هند رجب وريم روح الروح، وخدّج مستشفى نصر ويوسف «الأبيضاني الحلو» والطفلة المجهولة التي خرجت تسأل إن كانت تحلم، والأخرى التي أفاقت من الصدمة لترى أمها قتيلة وغيرها من القصص المجهولة لـ17881 طفلًا شهيدًا في غزة، يضيف الاحتلال إلى هذه الحصيلة كل فترة عددًا، أو يُنتشل عدد آخر متحلّلا من تحت الأنقاض التي دمرتها منظومة أسلحة فتاكة ومجرمة يموّلها دافعو الضرائب في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساسي، وبعض الدول الأوروبية.
وكنا في كل مرة عندما يسيل دم الطفل الفلسطيني، نتطلع إلى أنالينا بيربوك وأمثالها نحاول تلمس شيء أكثر قليلًا من الإعراب من القلق، أو من الإدانة الباردة، عبثّا.
فهل تدين؟
هل تدين قبل أن أدين؟ هل هو السؤال الذي توقف عنده جزء كبير من العقل السياسي «الليبرالي» في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا؟ ثم يُسأل ببلاهة من أين ينبع التطرف.. هذا الاصطفاف عديم القلب إلى جانب الاحتلال وجرائمه هو أحد مصادر التطرف، ليس في فلسطين، بل في شوارع أوروبا. فهل تدين؟ أم أنك توقف تصدير السلاح قبل ذلك لاحتلال غير شرعي بنظر القانون الدولي؟ أم تتحمّس لإعلان الاستعداد لتطبيق مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية التي تتعرض لهجمة شرسة من أقوى دولة في «العالم الحرّ»؟
هل تدين دعوة رئيس أقوى دولة في العالم لـ«امتلاك» بلاده غزة وتهجير سكانها وفرض هذا التهجير على الدول العربية التي «تمدّ»، فرادى أو مجتمعة، منذ مؤتمر فاس 1981 وقبل ذلك، يدها إلى إسرائيل من أجل سلام يعطي الفلسطينيين دولة على مساحة أقلّ من ربع الأرض التي كانت قبل نكبة 1948 وطنهم التاريخي وأرض آبائهم وأجدادهم، وبعضهم لا يزال حيّا وهو يُنكب ويقتل من جديد؟
الظاهر، أنه في أوروبا من يدين كل هذا.
رئيسة وزراء أيرلندا الشمالية، إحدى مكونات المملكة المتحدة، دانت بالفعل.
فميشيل أونيل، قالت إنها لن تحضر فعاليات يوم القديس باتريك في البيت الأبيض اعتراضًا على موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة.
وقالت أونيل، المنتمية إلى حزب «الشين فين»، وفي مؤتمر صحافي، «قلوبنا جميعا فطرت ونحن نشهد معاناة الشعب الفلسطيني وتصريحات الرئيس الأمريكي في الآونة الأخيرة حول الطرد الجماعي للشعب الفلسطيني من غزة، وهو أمر لا يمكنني تجاهله». وكذا فعلت زعيمة حزبها، أحد الأحزاب الممثلة في مجلس العموم البريطاني، ماري لو ماكدونالد.
يوجد في غزة أكثر من مليوني فلسطيني، دمرت حياتهم كلها في سياسة عقاب جماعي يتقصّد أصدقاء إسرائيل نزعها من كل سياق الاحتلال الاستيطاني، وقتل وأصيب أكثر من عُشر السكان في أقل تقدير.. واليوم يهددون بتهجيرهم لبناء «ريفييرا الشرق الأوسط»، وتُهدد الدول العربية – مصر والأردن – بابتزاز مالي من جانب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
فكأن الأمر كان يستحق من الألمان، أكثر من غيرهم، إدانة تشبه إدانة المقتلة المحزنة لعائلة بيباس، الذين لم ترأف حالهم وحال أمثالهم بحكومة المتعصّبين والمفاخرين بفاشيتهم (كمثل الفخور بفاشيته بتسلئيل سموتريتش) في القدس المحتلة في إعطاء المفاوضات والحوار فرصة في المراحل الأولى من الحرب، ولا تجاوبوا مع الوسطاء، وحتى اليوم، لا يرتوي إله الانتقام الذي جاهر فيه نتنياهو، وصفق له المؤيدون.
فهل تدين بعض هذه الدول الأوروبية، مأساة إدامة الاحتلال، الذي نددت به محكمة العدل الدولية، وتشرع في خطاب عقلاني تجاه الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، وهي التي سلّحت إسرائيل، وسهّلت لها في خمسينيات القرن الماضي إنتاج السلاح النووي (فرنسا)، قبل أن يوقف شارل ديغول تصدير مقاتلات الميراج على أثر حرب 1967، ولا تزال بعض هذه الدول منذها تسلحها وتمدها بكل وسائل القتل العسكرية والتكنولوجية والأمنية والسياسية، التي تفتك بالأطفال في فلسطين؟ (ألمانيا ثاني أكبر مصدّر سلاح لإسرائيل بعد الولايات المتحدة تليها إيطاليا وبريطانيا).
لم تفعل هذه الدول هذا الشيء في حقبة مضت كانت موازين القوى أكثر توازنًا في العالم، وهي لن تفعله اليوم في ظل صعود اليمين الذي يفتك بفلسطين، وتطاول سهامه كل العالم، وصولًا إلى «تأديب» جنوب أفريقيا.
فإن كان من «محاسبة للذات» على سياسات خاطئة تُطلب من الفلسطيني، فمن البلاهة أن تكون على شكل جلد للذات أو تقديم شهادة حسن سير وسلوك، لمن لديه أصلًا مشكلة مع مكوّانته الداخلية ولا يقبلها.. بتدرج.. من يمين تومي روبنسون على وضاعته، إلى يسار أنالينا بيربوك على خبثه.