عشية الذكرى السنوية الثالثة للحرب على أوكرانيا تنادى عدد من الأوكران المتقاعدين وكبار السن والنشطاء المتفرغين عبر تطبيق فيسبوك للتّظاهر أمام مقر السفارة الأمريكيّة في كييف، احتجاجاً في ما يبدو على ما يراه كثيرون من الليبراليين الأوكران تخليا من الحليف الأساسي لبلادهم عنهم.
لم يُطلق المتظاهرون هتافات حادّة ضد (الشيطان الأكبر) كما مألوف الاحتجاجات الشعبية ضد الولايات المتحدة في أماكن أخرى من العالم، وهم تفرقوا لاحقاً بهدوء بعد أن اكتفوا بعشرات من الصور ومقاطع الفيديو التي التقطت لهم ولليافطات المكتوبة باليد التي رفعوها وبعضها يكيل المديح للولايات المتحدة، لكنّها تستهجن التحوّل الحاد في السياسة تجاه الحرب في أوكرانيا بعد انتقال البيت الأبيض إلى عهدة الرئيس دونالد ترامب.
لقد عكس هذا التحرك النادر – الذي كانت أعداد رجال الشرطة وطواقم الصحافة ومراسلي التلفزيونات فيه أكبر من أعداد المتظاهرين القليلة – شعوراً ما لبث يستحكم في قلوب وعقول الأوكران من أن التحالف الغربيّ الذي شكلته وقادته الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق جو بايدن سيتفكك بعد رحيله، لكن أكثر المتشائمين بينهم لم يكن ليتوقع تلك التطورات الدراماتيكيّة بعد الصدمة التي جلبتها مكالمة الرئيس الأمريكي مع نظيره الروسي وتوافقهما خلالها على إطلاق مفاوضات ثنائيّة لوقف الحرب دون إشراك أوكرانيا بها، ومن ثم مطالبة الحكومة الأوكرانيّة بمنح الولايات المتحدة الحق في جمع 500 مليار دولار من عوائد الثروات المعدنية (الهائلة) للبلاد تعويضاً على ما يقول الرئيس الأمريكي أنها الأموال التي أنفقها دافعو الضرائب في بلاده لدعم المجهود الحربي الأوكراني، ومن ثم النعوت القاسية التي ألقاها على الرئيس الأوكراني فلاديمور زيلينسكي، بصفته ديكتاتوراً لا يحظى بالشعبية، وفشل في وقف الحرب المكلفة في الأرواح!
نظام عالمي جديد
على الأغلب أنّه لم يدر في أذهان المحتجين أمام مقر السفارة الأمريكية لدى كييف أن حراكهم سيكون بمثابة تمثيل رمزي عالي الكثافة للحظة تحول نوعيّ وكمي هائل في بنية النظام العالمي ستتحقق في وقت قياسي مقارنة بالوقت الذي استغرقته تحولات سابقة – الحرب العالميّة الثانية، وانتهاء الحرب الباردة مثلا -.
ومن الجليّ أن هذا التحوّل، أقله فيما يستشف منه إلى الآن، سيتخذ سياقات مغايرة ما زالت فيه الولايات المتحدة في موقع الهيمنة الرئيسي، ولكنّه هذه المرّة سيتطلب العمل في إطار تفاهمات ثنائيّة وثلاثية مع اللاعبين الأكبر بعد الولايات المتحدة: الصين – الدولة العملاقة لناحية أعداد السكان والتصنيع والتكنولوجيا والنمو المستدام والتي من المرجح أن حجم اقتصادها سيتجاوز اقتصاد الولايات المتحدة خلال سنوات قليلة – وروسيا، الدولة مترامية الأطراف والغنية بالموارد الطبيعية الهائلة وتمتلك في ذات الوقت أكبر ترسانة نووية في العالم وأكثر تكنولوجيات القتل تقدماً بعد تلك الأمريكيّة.
في هذا النظام العالمي الجديد، يتفق الثلاثة الكبار – بشكل أو آخر – وخلف الكواليس دائماً، على إدارة ثروات وموارد هذا العالم بما يكفل استمرار تمركز القوى الثلاث في مواقعها الرياديّة، وهذا دائماً سيكون حفلاً صاخباً لتوظيف مطلق موازين القوة العارية دون أي اعتبار لأشياء أكل الدهر عليها وشرب، مثل القانون الدّولي، والدبلوماسيّة، وحقوق الإنسان، والسيادة الوطنيّة، وفي كل حال على حساب بقيّة العالم: تلك التشكيلات المتفاوتة الحجم من الدّول خلقت في ظل النظام الدّولي الذي تكونت بذوره الأولى قبل مئة عام تقريباً وتكرّس بانتصار الولايات المتحدة على القوى الأوروبيّة المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، والتي استمرت بالبقاء رغم انعدام القدرة على الاستقلال بفضل انخراطها كطرف للمركز الرأسمالي الذي نواته وقلبه الولايات المتحدة.
لقد أطلق وصول ترامب إلى السلطة محاولة ثورية جادة لوقف التّرهل الذي أصاب الولايات المتحدة التي أصبحت بشكل أو آخر رهينة أدوات الهيمنة ذاتها التي وضعتها في موقع دولة العالم الأعظم وسيدته خلال 75 عاماً: النظام النقدي العالمي القائم على الدولار (النظري)، والتكنولوجيات الفائقة، والمنظومة العسكريّة التي تمتد عبر أرجاء المعمورة الأربع، والسيطرة المحكمة على ثقافة وإعلام العالم. إذ فرضت الصراعات مع الصين وروسيا صعوداً لتبادلات تجارية خارج مركز النقد العالمي الأمريكي، وتضاءلت الفروقات في التقدم التكنولوجي، لا سيما في السباق مع الصين، ولم تعد الموارد البشرية الأمريكيّة بقادرة على منافسة الصين في بناء الجيوش الضخمة، مع تفلت نسبيّ للسيطرة على الثقافة والإعلام بفضل الإنترنت. لقد حسم الجمهوريّون مسارهم لوقف هذا الوهن ووضعوا صانع الصفقات الأشهر في العالم لتولي التنفيذ: التفاهم بدل الصراع مع القوى الكبرى في الصين وروسيا، وصفاقة القوة مع كل الآخرين.
لا قضاء ليلجأ إليه المتضررون ولا عزاء لزيلينسكي
ربما كان التفاهم الأمريكي – الروسي حول سوريا – والذي أدى إلى إسقاط نظام بشار الأسد بسرعة صادمة – أولى إرهاصات ولادة هذا النظام العالمي الجديد، على أن معالمه الأخرى بدأت بالظهور سراعاً سواء في فرض تعرفات جمركية باهظة على الواردات من شركاء الولايات المتحدة التجاريين الكبار، ومن ثم بسلسلة من التصريحات الصادمة حول قضم غرينلاند، وكندا، وقناة بنما، وقطاع غزة، قبل أن تبدأ حكاية إنهاء الحرب في أوكرانيا.
وبينما يستعيد فلاديمير بوتين أنفاسه من الحرب والحصار طوال السنوات الثلاث السابقة، وتشعر الصين بالثقة في قدرتها على التعايش مع أسوأ ما في جعبة ترامب، فإن قائمة المتضررين الذين لن يجدوا قضاء يلجأون إليه يستمع لمظلمتهم – اللهم سوى الرئيس ترامب ذاته – طويلة طويلة، وعلى رأسها حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين في أوروبا، الذين وجدوا أنفسهم في ما يشبه يوماً وليلة مجرد كومبارس هامشي في مسرح غرائبي، تبرم فيه أمورهم دون استشارتهم، ويبلغون بما يراد منهم القيام به، ويؤنبون بقسوة إن هم تصرفوا خارج التوقعات، فكأنهم حصلوا على قرار بتنزيل رتبتهم مما كان يعد عالماً أول للالتحاق بنا في مدرجات الدول (النامية) العالم الثالث.
أحد أكبر الخاسرين سيكون حتماً زيلينسكي، الممثل الكوميدي الذي أعاد الديمقراطيون في الإدارة الأمريكية السابقة صياغته كرئيس منتخب لدولة تخوض حرباً طاحنة ضد جارها الروسي العملاق. إذ بعد ثلاث سنوات من لعب دور نجم الغرب المفضل الذي يتسابق القادة الأوروبيّون لالتقاط الصور معه كبطل للديمقراطية، احترقت ورقته في أقل من شهر على تولي ترامب مقاليد السلطة، فلا هو طرف في ترتيبات إنهاء الحرب مع روسيا، وقد أجبر للتو على التنازل صاغراً عن موارد البلاد الثمينة للأبد، وتعمدت الولايات المتحدة تجنب منحه أي ضمانات أمنية أو تأكيدات بحماية نظامه بعد فرض التسوية عليه.
وهكذا، سيجد ديكتاتور أوكرانيا الفاشل – كما سماه الرئيس الأمريكي – نفسه هدفاً لتظاهرات أوسع من الهمروجة الشكليّة أمام السفارة الأمريكية في كييف، يشارك فيها عشرات الآلاف من الشبان الغاضبين وأمهات قتلى وجرحى الحرب، الذين غرر بهم وألقى بهم إلى مطحنة لحم بشري كان يمكن تجنبها بربع التكلفة التي يتعيّن الآن على أوكرانيا البائسة دفعها سواء للروس أو للأمريكيين. وسيكون فراره من البلاد – غالباً إلى بريطانيا أو إسرائيل – رمزاً لنهاية مرحلة كاملة في تاريخ العالم دون أن يفتقده أحد، ولا حتى زوجته.
تمسكوا جيداً، إنه نظام عالمي جديد لا عزاء فيه للصغار.
* إعلامية وكاتبة – لندن