بيروت – «القدس العربي»: «وادي التيم» فيلم وثائقي يفوح الحب والانتماء من ثناياه. ويتمتع بمستوى عال من القراءة الجيوسياسية للمنطقة. قراءة تناوب عليها مختصون، إلى جانب مواطنين يدركون أهمية جغرافيا واقتصاد المكان. تلاقى الجميع على الأثر السلبي التي خلّفته «سايكس بيكو» عليهم كبشر. جميعهم يدرك عمق الرابط العضوي والتاريخي والعاطفي بسوريا وفلسطين قبل احتلالها.
وثائقي «وادي التيم» تفوح منه النخوة والحمية، والأخوة والتقاليد الإنسانية، والمبادئ والقيم التي ما تزال سارية المفعول، بين تلك القرى على مختلف مشاربها.
ويفوح من المشاهد المتلاحقة للفيلم عشق الأرض. أرض يعود إليها في كل صيف مهاجرون مسنّون، لإعادة شحن عواطفهم ومشاعرهم، كذخيرة تعينهم على مواصلة الغربة. حب اهل وادي التيم لبلداتهم فاض من الشاشة، وتحدّانا بالسؤال هل نكنّ هذا القدر من الغرام والانتماء لأمكنتنا الأولى؟
«وادي التيم: التنوّع والتضامن» وثائقي من 60 دقيقة، إخراج رمزي عبد الله الراسي، وإنتاج «مؤسسة التراث الدرزي». عُرض لأول مرّة في دار النمر للثقافة والفنون في بيروت بحضور مُخرجه، وجذب جمهوراً كبيراً توزّع على صالتين. وحظي في ختامه بتصفيق حاد جداً، وبثناء على كافة مفاصله التي توزّعت إلى محطات أربع.
تزامن عرض فيلم «وادي التيم» مع مرحلة مفصلية سياسياً وعسكرياً وعاطفياً. مفصلية لبنانياً وعاطفية، كون العرض تلى معارك قاسية خاضها المقاومون اللبنانيون دفاعاً عن بلداتهم. ومفصلية سورياً كون الصهاينة يتمددون باحتلالهم لمزيد من الأرض، ويعلنون مسؤوليتهم عن الجنوب السوري وناسه. ويتمتعون ببسط سلطتهم على جبل حرمون.
عندما صدحت فيروز «يا قمر مشغرة يا بدر وادي التيم» جمعت بين شجو الغناء وأبعاد النص في التاريخ والجغرافيا. وعندما صوّر فريق فيلم «وادي التيم» الكثير من الحوارات أضاء على وادي الحرير، ووادي الذهب في حولا وسهل الخيام ومرجعيون، وعرّج إلى الشام وغوطتها، وعاد إلى حاصبيا، ووادي التيم مشكى الضيم، وتحسّر على القدس.
في «وادي التيم» يفتخر مشايخ البياضة بتاريخ قراهم وتلالهم التي عبرها الأنبياء والرسل، وخاصة السيد المسيح مع والدته السيدة مريم من الجليل إلى كوكبا. أمكنة ذات جمال أخاذ يتبارك فيها ومنها المؤمنون. إلى خلوات البيّاضة ذائعة الصيت في العلم والدين والحكمة. مقامات دينية كثيرة منتشرة على التلال وفي الوديان، تسكنها كافة الطوائف، إلى جانب القلاع والآثار الرومانية المزروعة في أكثر من قرية وتلّة.
مختصون بالسياسة والاقتصاد والزراعة حددوا بدقة أهمية وادي التيم بقراه المنتشرة كلآلئ على التل والمنحدر والسهل. وخان حاصبيا المحطة الحتمية لكل عابر من سوريا إلى فلسطين والعكس. خان بخمسة نجوم ومضافة. رقصات الشعبية ومنها «الجوفية» التي يؤديها الشباب بحماس، ولماذا يدّقون الأرض بأقدامهم، ويرتفعون كأنهم يطيرون.
في السياسة والتاريخ يكنّ المشايخ احتراما لكبيرهم البطل الثائر سلطان باشا الأطرش. ويسترشدون إلى يومنا بوصيته: «أحبوا بعضكم». ويذكر أهل حاصبيا بحب أن الموسيقار فريد الأطرش ولد في بلدتهم، وأن والده كان قائمقام القضاء، وأنّ راشيا شكلت في يوم مضى سوقاً للدول العربية.
المتحدّثون في السياسية والاقتصاد يؤكدون وبإصرار على انتماء وادي التيم إلى مشرقه. لكنّ شرايينه قطّعها مقص «سايكس بيكو» اللئيم. فصله عن الشام، ومن ثمّ عن القدس، وإذ بوادي التيم يصاب بالتهميش، بحسب اهله.
يذكرون أنّ فارس الخوري ابن وادي التيم تبوأ مركز رئيس وزراء سوريا. ومن الوادي سلام الراسي بمآثره وحكمه وحكاياته وإصدارات كتبه الكثيرة. وإليه تنتمي قلباً وقالباً اميلي نصر الله، التي لوّنت رواياتها بطيور مهاجرة من الوادي لضيق ذات اليد إلى بلدان الجذب خاصة كندا. هؤلاء المهاجرون يعرفون أن اوتاوا عاصمة بلد اختاروه للهجرة. ويصرّون بأن كفرمشكي عاصمة اوتاوا، وإن كره الكارهون. مهاجر عتيق بالكاد يحتفظ ببعض من العربية يقول للكاميرا «مرجعيون كانت جزءاً من فلسطين والجليل. ونحن لبنانيون إضافة لكوننا سوريون».
في هذا الوثائقي حضرت الحياة بأعراسها ومآتمها. وحضرت الأعياد والحقول وشجر الزيتون والأرز، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم بشوق العاشق في نهاية كل اسبوع. إلى تداخلهم وتبادلهم للمناسبات الحلوة والمرة.
يُذكر أن فريق وثائقي «وادي التيم» زار 35 قرية وبلدة في جنوب لبنان. وصوّر مع 70 شخصاً ركزوا جميعهم على الوادي الذي يصل لبنان بسوريا وفلسطين. وأنه أحد المصادر الرئيسية للمياه في البلدان الثلاث المتجاورة. وهو الممر المفضل للطيور المهاجرة بين اوروبا وأفريقيا. والممر الإجباري للحملات العسكرية عبر التاريخ وحتى اللحظة. وهو المنطقة الوحيدة في الشرق التي تسكنها كافة الطوائف والأديان. حسب المخرج رمزي الراسي يهدف الفيلم للتعريف بالأهمية الاستثنائية لـ»وادي التيم» وبهموم أهله وآمالهم كما روها. وماذا تعني لهم كهوية وثقافة وموقعاً جغرافياً فائق الحساسية عبر التاريخ.