دمشق ـ «القدس العربي»: منذ سقوط نظام بشار الأسد، مطلع شهر ديسمبر الماضي، تواجه محافظة السويداء، والمدن والقرى الدرزية انقساما بين مكوناتها، حسب عضو التجمع الديمقراطي العلماني، والناشط السياسي مهند شهاب الدين.
وقال لـ«القدس العربي»: «المكون الدرزي في سوريا يعيش حالة صراع ما بين مطرقة حكومة دمشق وسندان اللامركزية، معتبرا أن السويداء باتت اليوم مقسمة بين قسم يؤمن بأن بوصلة الحل من دمشق، وقسم يؤمن باللامركزية.
وأضاف: هناك قسم يصر على اللامركزية كنقطة انطلاق، ويطالب بضرورة وجود ضامن دولي وهو ما أكد عليه سماحة الشيخ حكمت الهجري.
بينما ثمة قسم حسب المتحدث «هم القوى الوطنية وثوار 2011، لكن لا توجد قيادة مشتركة لهم، بسبب أمراض السياسة التي أصابتنا جميعا».
الفرص والتحديات
وحول التحديات القائمة، وسبل الخروج من حالة التوتر في السويداء إلى مشروع وطني يضمن وحدة الأراضي السورية، يرى المتحدث أنه «من الضروري التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة، والسماح للأمن العام بدخول السويداء، وتعيين قيادات مشتركة» مشددا على «عودة رجال الدين الى دور العبادة والاهتمام بشؤون الطائفة، وعدم تصدر أي مشهد سياسي».
ويضيف: أن الخروج من هذه الحالة يتطلب أمرين، الأول والأهم ينطلق من خطاب السلطة، وأفعالها، وهو الأمر الذي من شأنه أن يقوي حجة الأحرار ضد أية مشاريع أخرى، ويقطع دابر التدخلات من الخارج، ووقف عمليات الثأر وتشكيل محاكم مؤقتة مختصة بقضايا المحاسبة لكل مرتزقة النظام منعا لمزيد من العنف.
الأمر الثاني وفق رؤية المتحدث «الابتعاد عن أسلمة القرار، وخطاب الأقليات كأقليات، الأمر الذي من شأنه تكريس ما بدأه النظام البائد».
كما تطرق الباحث السياسي إلى ضرورة إصدار عفو عام عن معتقلي ادلب السياسيين، وتقديم المعتقلين من الطائفة العلوية الى المحاكم المؤقتة، وإصدار مرسوم فوق دستوري، بمثابة قانون طوارئ لكل من يرتكب جرما فيه تحقير للأديان، والخطاب الطائفي.
كما أكد على ضرورة سحب الجنسية السورية من الأجانب، والاستعانة بالضباط السوريين المنشقين، ودعوة السياسيين والأحرار ليكونوا في الصفوف الاولى لصناعة القرار، والابتعاد عن اللون الواحد.
كما اعتبر أن الحل الأجدى هو الاعتماد على الكوادر الحرة من الشخصيات صاحبة التاريخ الثوري والسياسي المشرف ليكونوا واجهة القرار السياسي، وشركاء للدولة السورية في صناعة القرار.
وللبحث عن أسباب الأزمة الراهنة، وإيجاد حلول لها، رأى الباحث لدى مركز «حرمون للدراسات» طلال عبدالله جاسم في تصريح لـ«القدس العربي» أن بقاء السويداء وجرمانا بهذا الشكل وخارج نطاق الدولة، سينعكس سلبا على أهلها من كل النواحي، وسيكون سببا باستبعاد مثقفي ومثقفات السويداء من المشاركة في المرحلة الانتقالية، ويحصر المشاركة بفئات معينه أي العسكر ورجال الدين».
وبعد التدخل الإسرائيلي العلني بمشكلة السويداء بات حسب رؤية المتحدث «من الواجب على أهل السويداء مطالبة دمشق بالقيام بواجباتها في حفظ الأمن وتفعيل مؤسسات الدولة، لأن هناك جهات مسلحة مستعدة لتقبل العروض من دول منها عربية ومنها إسرائيل».
وأضاف: الوضع الحالي يمكن وصفه بأنه «حرب بين أهل السويداء أنفسهم وبينهم وبين قوى الأمن الرسمية. وكان الأجدر بقيادات السويداء دعوة جمهورها إلى العمل على أساس الهوية السورية الوطنية، مع الفخر بهويتهم الفرعية، على أساس الهوية السورية الوطنية الجامعة يمكنهم فقط الانخراط في بناء سورية المستقبل. ولا بد أن نذكر ان سلطان باشا الأطرش رفع عاليا الهوية السورية الوطنية الجامعة قبل هويته الفرعية، وهذا ما جعله رمزا من رموز سوريا.
رفض الحسم العسكري
في السويداء «هناك عدة مجاميع مسلحة لكن يمكن اختصارها بثلاث مجموعات كبيرة، مع وجود مجموعة من مؤيدي النظام الساقط، ولو أن البعض يقول إنهم قلة، عدا عن السلاح الفردي الموجود عند الناس العاديين. فقد ترك النظام المنهار الكثير من الأسلحة والذخائر نظرا لوجود عسكري كبير للنظام المخلوع في المحافظة. وهذا الأمر انسحب لاحقا على حي جرمانا في دمشق».
وزاد: الإدارة الجديدة كما تقول لا تريد حسم الأمر عسكريا. ولكن هذا الأمر كلما طال ستظهر مناطق أخرى تقوم بالعمل نفسه وقد تتراجع جهات سلمت سلاحها فعلا وأنضمت للدولة، وتأخر حسم موضوع السلاح في الجنوب جعله اليوم أكثر صعوبة وباتت له أبعاد دولية. الإدارة الجديدة أمامها تحد كبير وتهديد بفشل كامل مشروعها إذا لم يتم تتدارك الأمر.
سخط شعبي
هذه الطريقة أنتجت نوعا من السخط الشعبي على تعاطي الإدارة الجديدة مع الجنوب عموما و«قسد» خصوصا، حسب رؤية الباحث عبد الله جاسم، و«بات الرأي العام يتوجه إلى إقرار عجز الحكومة الجديدة ولم يعد يقتنع السوريون أن الإدارة الجديدة تتصرف بحكمة لا بضعف».
وبما يخص السويداء، اعتبر الباحث السياسي أن التفاوض مع وجهاء السويداء تحت تهديد السلاح الذي بأيديهم والاستقواء بالدول الداعمة لهم، هو مساس ببنيان الدولة ويحدث شرخا كبيرا بين السوريين والسوريات.
ولذلك أوضح أن «بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة سيهدم الدولة قبل البدء بإعادة بنائها، وخارج إطار الاستقواء بالدول والسلاح يجب أن تعرف الإدارة الجديدة أنه لدى هذه الفئات السورية مخاوف ومطالب، ولفحصها وتمحيصها بعين الخبير، لا بد أن نرى مخاوفهم بعيونهم، ونرى المطالب التي تحقق الصالح العام. فما المانع من الاستجابة للمطالب التي تريحهم ولا تؤثر سلبا على عموم المجتمع السوري».
لامركزية اقتصادية
وحول المطالب بتقسيم سوريا قال المتحدث إن ثمة «شعبوية في طرح بعض المطالب والمخاوف، ورغم ذلك يجب النظر إليها ليس بعين السخرية أو ردود الأفعال، وإنما مناقشتها وإثبات خطأ بعضها والإقرار بأحقية بعضها مثل اللامركزية الاقتصادية».
وفي رأيه فإنه ثمة طروحات «مثل لامركزية اقتصادية بأن تكون المحافظات تدير نفسها وهي مصلحة للكل» يجب التمسك بها وهي مصلحة عامة حتى لو بدت غير ذلك.
فهناك أمور حقا يجب أن نناضل لتحقيقها كسوريين، نحن هنا مطالبون بالنظر إلى المضمون وليس إلى الجهات التي تطرح ذلك».
وقال: المطالب الدولية «إسرائيل وفرنسا وألمانيا وأمريكا» بما يخص حماية الأقليات ليست بريئة تماما، وبالتأكيد الدول تهتم لمصالحها وتهدف لتحقيق مكاسب سياسية عبر هذه الطروحات، يجب أيضا النظر إليها بعمق وسحب الذرائع التي يمكن أن تستخدمها الدول، بشكل حرفي وبمسؤولية، ولا يمكن للدول التدخل لولا وجود شرخ عميق، لنعمل اولاً على معالجة الشرخ، ثم نسحب الذرائع والعكس غير ممكن. ويجب أن يكون الأمر واضحا بأن تقديم تنازلات للدول لسد هذه الثغرة سيكون أكبر بكثير من تقديم تنازلات للشركاء السوريين لردم الهوة.
مباحثات شفافة
كما أكد على ضرورة وجود نقاشات جادة وعميقة بين الاطراف يمكن أن تجنب البلد مشاكل غير ضرورية، وتحقق مكاسب عامة، وتدوير الزوايا، والحكمة في معالجة المخاوف، ونظرة إيجابيه للمطالب تضعنا جميعا على طريق حل مقبول للجميع.
وختم الباحث السياسي كلامه بالتأكيد أنه على السوريين التعلم كيف ندير خلافنا واختلافنا، والبحث عن حلول مكسب للجميع، وجدولة نقاشات حول مناطق خلافات عميقة لوضعها في المستقبل على طريق الحل. هذا لا يكون عبر مبدأ إما معي أو ضدي وإنما عبر عملية تراكمية لحل القضايا التي يمكن التوافق عليها، لتكون أساسا لتقريب وجهات النظر، وتصبح منطلقا لحل الخلافات الأكثر عمقا، وهذا النهج يزرع الثقة ويعززها ويشجع على تقديم التنازلات اللازمة للسير قدما، ولا داعي لاستخدام منطق الغلبة ما دام التوافق ممكنا وأيا كان ثمن التوافقات يبقى أفضل وأقل تكلفة من الصراع.
وقال: ليست هناك مطالب شريرة بالمطلق ولا خيرة بالمطلق، بغض النظر عن أصحابها، المنطقة الرمادية فيها ألوان رائعة.