دمشق ـ «القدس العربي»: انتهت المفاوضات بين وجهاء ورجال دين الطائفة الدرزية من جهة، والسلطات السورية من جهة ثانية، في مدينة جرمانا ذات الغالبية الدرزية، في ريف دمشق، بدخول وانتشار قوات الأمن العام في المدينة، وذلك بالتوافق مع وجهاء المنطقة وتسيير من الأهالي والأعيان.
فقد شهدت المدينة أمس الأحد حالة من الهدوء وسط مفاوضات يقودها وجهاء ومشايخ من السويداء وجرمانا، بشأن تسليم السلاح والمطلوبين في جريمة قتل عنصرين من قوات الأمن، حيث أكد وجهاء المدينة رفع الغطاء عن المسيئين والخارجين عن القانون، وتسليم كل من يثبت تورطه في قضية القتل.
مصدر مطلع قال في تصريح لـ «القدس العربي» إن معاون محافظ دمشق أحمد دالاتي وصل إلى مدينة جرمانا بعد ظهر أمس الأحد، والتقى مع المرجعية الأولى في المدينة الشيخ أبو عهد هيثم كاتبة. الدالاتي طالب بتسليم 5 أشخاص متورطين في ارتكاب جريمة قتل بحق عنصرين من وزارة الدفاع، وذلك وسط استنفار للفصائل المسلحة المحلية داخل مدينة جرمانا، وما يقابله من استنفار لقوات الأمن العام في محيط المدينة وطريق دمشق ـ السويداء.
وأكد المصدر توصل الطرفين إلى «بوادر حل للتوتر» حيث أمهلت السلطات الأمنية خمسة أيام لتسليم المسلحين لسلاحهم ورفع الحواجز، وإنهاء المظاهر المسلحة على مداخل المدينة.
ولكن حسب المصدر فإن «المطلوبين قد تواروا عن الأنظار، بينما انتشرت قوات الأمن العام بحثا عنهم».
إنهاء الفوضى
مدير أمن محافظة ريف دمشق المقدم حسام طحان قال مساء الأحد: رفض المسلحون الخارجون عن سلطة الدولة جميع الوساطات والاتفاقات، ونحن بدورنا أكدنا أنه لن تبقى بقعة جغرافية سوريّة خارج سيطرة مؤسسات الدولة، وقد لمسنا من أهالي مدينة جرمانا تعاوناً كبيراً في هذا الشأن، وستعمل قواتنا على إنهاء حالة الفوضى والحواجز غير الشرعية التي تقوم بها مجموعات خارجة عن القانون امتهنت عمليات الخطف والقتل والسطو بقوة السلاح.
وزاد: بدأت قواتنا الانتشار داخل مدينة جرمانا، وذلك بعد رفض المتورطين في اغتيال أحمد الخطيب، العامل في وزارة الدفاع تسليم أنفسهم، حيث سنعمل على إلقاء القبض عليهم لتقديمهم للقضاء العادل.
وشرح الطحان في بيان صحافي أسباب التوتر، مؤكدا تعرض عناصر تابعة لوزارة الدفاع السورية للاستهداف المباشر والضرب والشتائم، عند دخولهم إلى مدينة جرمانا، حيث تم إيقافهم عند حاجز يتبع لما يُعرف بدرع جرمانا ومنعهم من الدخول بسلاحهم وبعد تسليم أسلحتهم لعناصر الحاجز تم استهداف سيارتهم بإطلاق نار مباشر.
وقال: على خلفية حادثة إطلاق النار من حاجز بجرمانا استشهد أحد العناصر على الفور، فيما أصيب آخر وتم أسره من قبل عناصر الحاجز، أعقب ذلك هجوم على قسم الشرطة في المدينة حيث تم طرد عناصر القسم وسط إطلاق الشتائم بحقهم وسلب أسلحتهم، ورغم إنكار درع جرمانا في البداية احتجاز العنصر الأسير إلا أنه تم تسليمه لاحقاً بعد التواصل مع الوجهاء.
وبيّن مواصلة الجهود «بالتعاون مع الوجهاء في مدينة جرمانا لملاحقة جميع المتورطين في حادثة إطلاق النار، كما نعمل على إعادة العناصر الشرطية إلى القسم المعني».
وأوضح: مشكلتنا الوحيدة تقتصر على من ارتكبوا الهجوم والاعتداء، فيما ندعو أصحاب العقول إلى إدراك أن هذا الطريق يهدد أمن واستقرار ووحدة سوريا».
وحدة سوريا
وردا على المشاريع الانفصالية في سوريا، والتصريحات الإسرائيلية التي تزعم حماية الدروز، أكد مدير الأمن في ريف دمشق أن السلطات السورية «لن نسمح لأي جهة كانت بالتعدي على وحدة سوريا».
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أصدر ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، تعليماتهما لقوات الجيش الإسرائيلي بالاستعداد، زاعمين «الدفاع» عن جرمانا.
وقال مكتب نتنياهو، السبت، إن إسرائيل ملتزمة بأمن الدروز، وسترد على أي محاولة للمساس بهم، وستتخذ كل الخطوات اللازمة للحفاظ على أمنهم، وفق زعمه.
كما أوضح أن السكرتير العسكري لنتنياهو، قد أجرى سلسلة لقاءات مع مسؤولين روس في الكرملين، ركزت على الموضوع السوري ورغبة إسرائيل في بقاء روسيا في الساحل.
بعد ليلة من التوتر… وإصرار من السلطات على تسليم المطلوبين
وقد جدد نتنياهو في مؤتمر لرؤساء المجالس الإقليمية (البلدية) الخميس، تهديدات بشأن «نزع السلاح في الجنوب السوري» التي أطلقها الأسبوع الماضي. وقال: «لدينا التزام كبير تجاه أصدقائنا الدروز في سوريا ونسعى للحفاظ على التواصل معهم».
وتابع أن السطات السورية الجديدة «حاولت قبل يومين نشر قواتها في مواقع عسكرية في المنطقة، مما دفع قواتنا الجوية إلى تنفيذ ضربات جوية لتدمير هذه المواقع» مشددا على أن إسرائيل لن تسمح بانتهاك نزع السلاح في جنوبي سوريا، ولن تسمح بتشكيل أي تهديد هناك، على حد زعمه.
تسليم من تثبت مسؤوليته
رجال الدين ووجهاء وأعيان الدروز في جرمانا أصدروا، بعد ساعات من الحادثة بيانا أكدوا فيه «رفع الغطاء عن جميع المسيئين والخارجين عن القانون، على خلفية مقتل شاب على يد «مجموعة غوغائية غير منضبطة لا تنتمي الى عرفنا ولا الى عاداتنا أو تقاليدنا المعروفية» وتسليم كل من تثبت مسؤوليته عن هذا الحادث الأليم للجهة المختصة حتى ينال جزاءه العادل».
وخاطب البيان الصادر عن مشايخ جرمانا تحت عنوان «جوارنا الدمشقي وعموم أهلنا في سوريا الحبيبة» جاء فيه: نتشارك وإياكم المصاب الجلل الذي وقع ليلة أمس في مدينة جرمانا والذي أودى بحياة أحمد ديب الخطيب وإصابة شخصين آخرين على يد مجموعة غوغائية غير منضبطة، ونؤكد أننا لن نتساهل في كشف ملابسات وفاته وتسليم الفاعلين كائنا من كانوا الى العدالة لينالوا جزاءهم العادل، حيث أن هذا الحادث الأليِم قد آلمنا مثلما آلم أهل الفقيد وذويه، ولن نسمح للتصرفات الفردية في أن تسيء لانتمائنا وعلاقاتنا مع جوارنا في الغوطة ودمشق وعموم أهل وطننا السوري.
وقرر رجال الدين ووجهاء المدينة في نهاية الاجتماع «رفع الغطاء عن جميع المسيئين والخارجين عن القانون وأن يتم تسليم كل ما تثبت مسؤوليته عن هذا الحادث الأليم للجهة المختصة حتى ينال جزاءه العادل، والعمل على إعادة تفعيل مركز ناحية جرمانا وبأسرع وقت وبكفاءات قادرة على إدارة الواقع بحكمة واقتدار وتهيئة كافة الظروف المناسبة لضمان حسن سير عملها».
وأكد المجتمعون على أن جرمانا «وعبر تاريخها لم تكن يوما إلا جزءا من غوطة دمشق ولن يكون لها يوما عمق آخر غير العمق الدمشقي والسوري، وأن الحرص الدائم على هذه العلاقة التاريخية المتجذرة في صون وحسن الجوار هو ثابت من الثوابت التي لا يمكن التنازل أو التخلي عنها، وأننا كنا ولم نزل جزءا أصيلا من هذه البلاد لم نهن أو ننهزم ولذا نرى أنه من الضرورة محاسبة جميع الأفراد والجهات التي تسعى الى بث الفتنة والتفرقة وتأجيج الخلافات أو الارتهان إلى أجندات معادية وعدم السماح لأي كان ببث الشقاق بين مكونات الوطن الواحد».
وطالب المجتمعون « الجهات المعنية بأن تفتح تحقيقا رسميا بملابسات الحادث الذي وقع في قسم شرطة الصالحية وما تضمنه من إساءة تعامل وإطلاق النار على عدد من الأشخاص المكلفين بالتواصل مع ضباط القسم لحل مشكلة وقعت سابقا في المدينة وأدى إلى إصابة شخصين من الموجودين مع الوفد».
وأضاف البيان: أن مدينة جرمانا التي طالما تغنت بأنها سوريا الصغرى ومدينة السلم الأهلي والعيش المشترك لن تدخر فعالياتها الاجتماعية والروحية وعقلاؤها جهدا في الحفاظ على هذه الصورة بجميع الوسائل المتاحة.
قال المتحدث باسم شبكة أخبار «السويداء 24» ريان معروف لـ «القدس العربي» بدأ التوتر، مساء الجمعة إثر شجار وقع بين مجموعة من أبناء عائلة قبلان من جرمانا، وآخرين من خارج المدينة، في ساحة السيوف، ما أدى إلى إصابة أحد أفراد المجموعة الأولى، حيث تم نقله إلى مشفى المجتهد في دمشق.
وفي المستشفى «وقعت مشادات كلامية بين مرافقي المصاب وعناصر من الأمن العام، تطورت إلى عراك بالأيدي، انتهى بتوقيف الأمن للمرافقين ونقلهم إلى قسم الصالحية. تزامناً مع ذلك، انتشرت أخبار متضاربة وشائعات حول الحادثة، ما أدى إلى تصعيد التوتر في جرمانا، حيث استنفرت المجموعات الأهلية داخل المدينة، وأعادت تفعيل الحواجز على مداخلها».
وتزايد التوتر بعد ورود أنباء إلى جرمانا عن تعرض وفد من المدينة لإطلاق نار في منطقة المهاجرين، أثناء توجهه لمعالجة قضية توقيف مرافقي المصاب. وفي ظل الأجواء المشحونة، وقع خلاف عند حاجز القوس، أحد مداخل جرمانا، الذي تتولى مسؤوليته إحدى المجموعات الأهلية، بين عناصر الحاجز وشخصين يستقلان سيارة عسكرية.
ووفقاً لبيان وزارة الداخلية، فإن الشخصين يتبعان لوزارة الدفاع.
سرعان ما تطور الخلاف إلى تبادل إطلاق نار، ما أسفر عن مقتل أحد الشخصين واحتجاز الآخر.
كما قامت مجموعة أهلية أخرى بمحاصرة مخفر المدينة، الذي تم تفعيله حديثاً من قِبل وزارة الداخلية، بموافقة الفعاليات الاجتماعية والدينية في المدينة. وقد أقدمت المجموعة على طرد عناصر المخفر بعد تجريدهم من أسلحتهم.
وقال معروف: لعب بعض المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي دوراً خطيراً في إثارة النزعات الطائفية، عبر حملات تحريضية تستغل أي حادثة تتعلق بالسويداء أو جرمانا. وفي المقابل، قوبلت هذه الحملات بردود فعل مشابهة، ما زاد من تعقيد المشهد.
جزء لا يتجزأ من سوريا
وصل لواء الجبل قادما من السويداء إلى جرمانا ظهر السبت، حيث التقى وفده بالشيخ الدكتور أبو عهد هيثم كاتبة، شيخ مدينة جرمانا، وأعلن وضع نفسه تحت تصرف أهالي المدينة للمساعدة في حل الأزمة، وفقاً لرغبتهم. وأكد الشيخ كاتبة خلال اللقاء أن «جرمانا جزء لا يتجزأ من سوريا الأم، ودمشق ستبقى قبلتنا» مشدداً على أن أهالي جرمانا متفقون على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الحوادث الأخيرة، سواء من تسببوا بإطلاق النار يوم الجمعة، أو من ارتكبوا تجاوزات أخرى.
كما وصل نجل الشيخ وحيد البلعوس، مؤسس فصيل «حركة رجال الكرامة» ليث البلعوس ليل الأحد، على رأس وفد عسكري إلى مدينة جرمانا في ريف دمشق، للوساطة وتهدئة التوتر.
تجدد التوتر
على الرغم من الجهود المبذولة لتهدئة الأوضاع، عادت التوترات إلى الواجهة مع استمرار التحريض الإعلامي، حيث شهدت المدينة إطلاق نار كثيفا من محيطها، إضافة إلى استهدافها برشقات من أسلحة متوسطة وثقيلة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين مسلحين على أطراف جرمانا والمجموعات الأهلية في داخلها.
وأدى إطلاق النار على جرمانا إلى مقتل المدني أحمد أبو الندى، وهو من سكان المدينة وأحد أبناء حي الشاغور، وقيل إنه من ذوي الاحتياجات الخاصة ولم يكن طرفاً في النزاع. كما أُصيب أربعة شبان من جرمانا بجروح طفيفة.
وساطات مستمرة
أعادت هذه الحوادث التوتر إلى ذروته، حسب المصدر «حيث شهدت جرمانا استنفاراً كبيراً للمجموعات الأهلية، كما وصلت وفود من السويداء إلى المدينة، كان أبرزها وفد بقيادة الشيخ ليث البلعوس. في المقابل، لم تتوقف الجهود التفاوضية بين وجهاء جرمانا ومسؤولي الإدارة الانتقالية، بهدف التوصل إلى تفاهم يضع حداً للتصعيد».
وتشير مصادر مطلعة على سير المفاوضات إلى وجود رغبة جدية لدى الطرفين لإنهاء حالة التوتر، مع التأكيد على ضرورة عدم تعميم مثل هذه الحوادث، التي بدأت بإشكالات فردية لكنها تطورت بسبب الاحتقان العام والتجييش الإعلامي. ويقول معروف: تظل الأوضاع في جرمانا مرهونة بمدى نجاح جهود التهدئة، والحدّ من الخطاب التحريضي، وإيجاد حلول مستدامة تمنع تكرار مثل هذه التوترات، التي تهدد أمن واستقرار المدينة وأهلها.