الجزائر ـ «القدس العربي»: طرحت الحكومة الجزائرية مشروع قانون جديد ينظم عمل الأحزاب السياسية، في إطار الإصلاحات التي تسعى لتكييف النصوص القانونية الكبرى مع الدستور الجديد لسنة 2020. ويهدف النص المعروض على نواب البرلمان، إلى فرض قواعد واضحة لتنظيم العمل الحزبي وفق معايير قانونية محددة، تشمل إنشاء الأحزاب، تمويلها، نشاطها، والتحالفات التي يمكن أن تعقدها، إضافة إلى تحديد شروط حلّها والعقوبات المرتبطة بالمخالفات.
لكن هذا المشروع أثار انتقادات واسعة لدى العديد من الأحزاب السياسية، خاصة المعارضة منها، التي اعتبرت أن نص القانون الجديد يمنح الإدارة، ممثلة بوزارة الداخلية، صلاحيات واسعة تجعلها تتحكم في المشهد السياسي وتضعف استقلالية الأحزاب. كما رأت بعض التشكيلات السياسية أن المشروع يمثل تراجعًا عن المكتسبات الديمقراطية التي تحققت منذ إقرار التعددية الحزبية عام 1989.
إنشاء الأحزاب بين التنظيم والقيود
ينص مشروع القانون على أن تأسيس حزب سياسي يتطلب تقديم طلب اعتماد إلى وزارة الداخلية، بدلًا من الاكتفاء بنظام التصريح المعمول به في بعض الديمقراطيات. كما يشترط أن يكون الأعضاء المؤسسون جزائريين، لا تقل أعمارهم عن 25 سنة، وغير محكوم عليهم في قضايا جنائية، مع ضرورة تمثيل النساء والشباب في الهيئات القيادية للحزب. كما ينص على تقييد العهود التنظيمية إلى اثنتين، بما في ذلك المسؤول الأول على الحزب الذي لا يجوز له الاستمرار لأكثر من فترتين.
وتعترض بعض الأحزاب على هذه الشروط، فقد اعتبر التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ذو التوجه الحداثي العلماني، أن العودة إلى نظام الترخيص بدلًا من التصريح يعد انتهاكًا لحرية الممارسة السياسية، ويجعل الأحزاب رهينة لقرارات الإدارة بدلًا من أن تكون مستقلة في تأسيسها وعملها. كما يرى حزب العمال أن اشتراط حضور عدد كبير من المؤسسين موزعين على جميع الولايات يشكل عائقًا أمام تأسيس أحزاب جديدة، ويكرس احتكار المشهد السياسي من قبل الأحزاب القائمة.
أما حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي، فقد أكدت أن المشروع يعمّق الأزمة السياسية بدلًا من حلّها، من خلال فرض مزيد من العراقيل البيروقراطية على تأسيس الأحزاب، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى انفتاح سياسي حقيقي يسمح بتجديد النخب وضخ دماء جديدة في الحياة السياسية. وترى الحركة أن المشروع يمثل تراجعًا عن مبدأ حرية التأسيس، حيث يتم استبدال التصريح بتأسيس الحزب بإجراء يتطلب موافقة مسبقة، ما يعكس نية السلطة في التحكم في نشأة الأحزاب، على حد وصفها.
وكحل وسط لتخفيف الإجراءات البيروقراطية، اقترحت اللجنة البرلمانية التي عكفت على دراسة المشروع والمكونة في أغلبها من أحزاب الموالاة، أن يكون طلب اعتماد الحزب السياسي إلكترونيًا عبر منصة مخصصة لدى وزارة الداخلية، على أن يتم تسليم وصل إلكتروني بالمقابل، مع تحديد أجل إصدار قرار الاعتماد ونشره في الجريدة الرسمية في مدة لا تتجاوز 30 يومًا.
أما عن تقييد العهود داخل الحزب، فقد عبرت جل الأحزاب بما فيها المحسوبة على السلطة ذلك. وقال حزب العمال الذي ينتمي إلى أقصى اليسار في هذه النقطة، إن مسألة تجديد الثقة في القيادات هي شأن داخلي للأحزاب يخص مناضليها وحدهم. وأضاف أن فرض مثل هذه القيود يتعارض مع مبادئ الديمقراطية الداخلية، إذ يجب أن يكون القرار بيد القواعد النضالية التي تملك الحق في اختيار قياداتها بحرية تامة.
واقترحت اللجنة البرلمانية من جهتها، تحديد عهدة مسؤول الحزب بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مع استثناء أعضاء الجهاز التداولي والتنفيذي من هذا التقييد. وفي إطار تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية، وطلبت تخفيض سن المؤسسين إلى 23 سنة بدلًا من 25 سنة، وسن المنخرطين إلى 18 سنة بدلًا من 19 سنة، بهدف إشراك فئة الشباب في العملية السياسية وتمكينهم من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، وفق ما جاء في اقتراحاتها.
كما أوصت اللجنة البرلمانية بتوسيع موجبات منع تأسيس حزب سياسي، ليشمل كل شخص استغل الدين أو الهوية أو العرق أو الانتماء إلى منظمة مصنفة كإرهابية، سواء لتأسيس حزب أو المشاركة في تأسيسه أو الانخراط فيه.
حلّ الأحزاب: أداة تنظيمية أم آلية إقصائية؟
وفي علاقة الإدارة بالأحزاب، يمنح المشروع الجديد وزارة الداخلية صلاحية توجيه إعذار لأي حزب يخالف قانونه الأساسي أو يعاني من نزاعات داخلية تعطل نشاطه. وفي حال عدم الامتثال خلال 30 يومًا، يمكن للوزارة تعليق نشاط الحزب أو طلب حله قضائيًا. كما يمكن حل الأحزاب التي لا تشارك في استحقاقين انتخابيين متتاليين.
وحسب حركة مجتمع السلم، فإن هذه الإجراءات تعكس إرادة سياسية لتقليص عدد الأحزاب، بدلًا من تمكينها من العمل بحرية. أما التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، فقد وصف هذه الصلاحيات بأنها تعسفية، لأنها تمنح وزارة الداخلية سلطة واسعة يمكن استغلالها لتصفية الأحزاب المعارضة، مما يتناقض مع مبدأ الفصل بين السلطات. كما رفض حزب العمال اشتراط المشاركة الانتخابية كمعيار لبقاء الحزب، معتبرًا أن المقاطعة تعد حقًا سياسيًا مشروعًا، لا يجوز أن يكون سببًا لحل حزب سياسي، خاصة في ظل غياب ضمانات نزاهة العملية الانتخابية.
وفي المشهد السياسي الجزائري، تعتبر مقاطعة الانتخابات سلوكا دارجا منذ نشأة التعددية الحزبية. لكن هذه الظاهرة توسعت في السنوات الأخيرة، كتوجه احتجاجي ضد المسار الانتخابي الذي أطلق خلال فترة الحراك الشعبي، في وقت كان المتظاهرون والأحزاب المتبنية لمطالبهم يطالبون برحيل رموز السلطة قبل الحديث عن أي انتخابات.
وفي السنوات الأخيرة، تم تعليق نشاط حزبين في الساحة، هما حزب العمال الاشتراكي والحركة الديمقراطية الاجتماعية، وهما حزبان محسوبان على أقصى اليسار، بسبب اتهام وزارة الداخلية لهما بممارسة نشاط يخالف قانون الأحزاب. كما تمت ملاحقة حزب الاتحاد من أجل الرقي والتغيير من دون توقيف نشاطه، وهو الحزب الذي تقوده المحامية زبيدة عسول. وكانت الاتهامات التي وجهتها وزارة الداخلية، تتعلق باستغلال مقرات الأحزاب لأغراض خارجة عن العمل الحزبي بالإضافة إلى المآخذ التنظيمية بعدم عقد هذه الأحزاب لمؤتمراتها في الآجال القانونية.
التمويل والعلاقة بالخارج
من جانب آخر، يشدد مشروع القانون الجديد على العقوبات المرتبطة بتمويل الأحزاب، حيث يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات كل مسؤول حزبي يتلقى تمويلًا أجنبيًا، مع فرض غرامات مالية وحل الحزب المعني. كما يعاقب كل من يستمر في تسيير حزب غير معتمد أو حزب تم حله بغرامات مالية.
ورغم رفض الأحزاب المنتقدة للتمويل الأجنبي من حيث المبدأ، يرى التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أن هناك صعوبات تواجهها الأحزاب في الحصول على تمويل داخلي، بينما تستفيد الأحزاب القريبة من السلطة من دعم غير معلن. أما حزب العمال، فقد شدد على ضرورة اعتماد آليات شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين الأحزاب، بدلًا من فرض قيود قد تستخدم بشكل انتقائي.
وفي باب آخر مثير للجدل، ينص المشروع على أنه لا يجوز للحزب السياسي أن يكون له ارتباط عضوي أو رقابي مع نقابات أو جمعيات أو تنظيمات غير سياسية، كما يشترط الحصول على موافقة وزارة الداخلية ووزارة الخارجية قبل إقامة علاقات مع أحزاب أجنبية.
وانتقدت حركة مجتمع السلم هذه القيود، معتبرة أنها تحد من قدرة الأحزاب على تطوير علاقاتها الخارجية والاستفادة من التجارب الدولية في العمل السياسي. ورأت الحركة أن المشروع يعزل الأحزاب عن محيطها الطبيعي عبر منع أي تفاعل بينها وبين الجمعيات والمنظمات المجتمعية، وهو ما يتنافى مع أسس العمل السياسي والديمقراطي في مختلف دول العالم. كما عبرت عن رفضها للإجراءات التقييدية المفروضة على العلاقات الدبلوماسية للأحزاب، والتي تتطلب موافقة وزارات عدة قبل المشاركة في أي نشاط دولي، مما يحد من قدرة الأحزاب على التفاعل مع نظرائها في الخارج.
كما أشار حزب العمال إلى أن منع الأحزاب من التنسيق مع النقابات والجمعيات يقيد قدرتها على التواصل مع المجتمع المدني، ما يضعف دورها في الدفاع عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وانتقد منح وزارة الخارجية دورا رقابيا على الأحزاب من خلال التدخل في تواصلها مع نظرائها من أحزاب العالم التي تتوافق معها أيديولوجيا وسياسيا.
إضافة إلى ذلك، يثير مشروع القانون تحفظات أخرى لدى المعارضة، من بينها اشتراط إبلاغ وزارة الداخلية بالتعديلات التي تطرأ على أجهزة الحزب خلال أجل محدد، وهو ما يعتبره التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية تدخلًا غير مبرر في الشؤون الداخلية للأحزاب.
كما يفرض المشروع رقابة على التحالفات السياسية، بينما تشدد حركة مجتمع السلم على أن الأحزاب يجب أن تكون حرة في بناء تحالفاتها بدون الحاجة إلى موافقة إدارية مسبقة، تماما مثلما يغيب عن النص، وفق حزب العمال، آليات لضمان تمثيل عادل للأحزاب في وسائل الإعلام، وهو ما يعتبره سببًا رئيسيًا في عدم تكافؤ الفرص داخل الساحة السياسية.
جدل حول صيغة طرح المشروع
ورغم الوقت الطويل نسبيا الذي أخذه إعداد مشروع قانون الأحزاب، لاقت الطريقة التي تم طرحه بها انتقادات واسعة. فقد استنكر حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ما وصفه بتغييب الأحزاب عن المشاورات المتعلقة بصياغة المشروع، مشيرًا إلى أن ذلك يتناقض مع مبادئ الديمقراطية التشاركية، التي تقتضي إشراك كافة الفاعلين السياسيين في القرارات الكبرى التي تؤثر على الساحة السياسية.
من جهته، ندد حزب العمال بالمنهجية التي اتبعتها الحكومة في إعداد مشروع القانون، معتبرًا أن إقصاء الأحزاب من هذا النقاش يعكس نية مبيتة لفرض رؤية أحادية لا تخدم سوى الجهات التي تريد إحكام قبضتها على المشهد الحزبي. وأكد الحزب أن هذه الممارسات تتعارض مع أسس الديمقراطية، حيث يجب أن تكون الأحزاب طرفًا رئيسيًا في مناقشة القوانين التي تنظم نشاطها، وليس مجرد متلقٍ لقرارات فوقية.
أما حركة مجتمع السلم، فقد أعربت عن رفضها للطريقة التي تم بها إعداد مشروع القانون، معتبرة أن عدم استشارة الأحزاب في صياغته يجعل منه نصًا غير توافقي يهدف إلى تقييد النشاط السياسي بدلًا من تنظيمه. وأضافت أن الإصلاحات السياسية الحقيقية يجب أن تتم عبر الحوار والتوافق، وليس من خلال فرض قوانين دون تشاور مسبق مع المعنيين بها.
ويرى حزب جبهة القوى الاشتراكية وفق ما ورد في تقييم مسؤوله الأول يوسف أوشيش، أن هذه القوانين تتعارض مع التعددية الحزبية واستقلالية العمل السياسي، حيث تسعى إلى فرض نموذج موحد للأحزاب يخضع لرقابة مشددة. وانتقد الحزب، وهو أقدم تشكيلة معارضة في البلاد، كذلك البيروقراطية والتدخل المفرط في شؤون الأحزاب، محذرًا من أن هذا النهج سيؤدي إلى توترات سياسية ويعمق أزمة الثقة بين السلطة والمجتمع.
وعلى نفس المنوال، عبّر حزب «جيل جديد» عن استغرابه من تغييب الأحزاب عن النقاشات المتعلقة بهذا المشروع، مشددًا على أن أي إصلاح سياسي يجب أن يتم بشفافية، وبمشاركة جميع القوى السياسية بدون استثناء. وأكد الحزب أن الحكومة لم تفتح أي قناة حوار رسمية مع الأحزاب بشأن مشروع القانون، وهو ما يعد مؤشرًا واضحًا على نواياها في فرض واقع سياسي جديد من دون توافق وطني. وأضاف «جيل جديد» أن أي قانون ينظم الأحزاب يجب أن ينبع من رؤية توافقية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الآراء، وليس مجرد انعكاس لإرادة السلطة التنفيذية.
وفي تحليل يتناول فلسفة المشروع، قال رئيس حزب جيل جديد، جيلالي سفيان، إن النص المتعلق بالأحزاب السياسية لم يسعَ إلى تحديد نموذج عمل الدولة في بُعدها السياسي والمدني، بل ركّز فقط على البُعد الأمني، ما يعزز التوجه نحو الاستبداد. وأضاف أن اعتماد هذا القانون بصيغته الحالية أو مع تعديلات شكلية سيؤدي إلى تعقيم الساحة السياسية، وهيمنة الإدارة، وانتشار المحسوبية والفساد، مما قد يقود إلى انفجار اجتماعي جديد على غرار أحداث أكتوبر 1988.
وأكد جيلالي أن الأحزاب السياسية يجب أن تُعتبر مشاتل لإنتاج الكوادر المستقبلية للدولة، حيث تتشكل النخب ويتطور الوعي السياسي، مشددًا على أهمية فتح نقاش وطني شامل حول إصلاح الدولة، بما يضمن بناء جمهورية جديدة قائمة على الحوار والتشاركية، بعيدًا عن الأشكال التقليدية التي فقدت معناها في المجتمع.
وتتراوح المطالب حاليا لدى أحزاب المعارضة بين المطالبة بسحب المشروع نهائيا أو مراجعته بشكل عميق، حيث يجمع مختلف الفاعلين الذين طرحوا آراءهم في وثائق مفصلة، على أن تجاهل إشراك الأحزاب في مناقشة هذا المشروع من شأنه أن يفقده الشرعية السياسية. عكس ذلك، ترى أحزاب الموالاة أن المشروع قابل للتحسين في بعض تفاصيله، ما يجعل من المستبعد سحبه نهائيا. وفي حال طرحه للمصادقة، تحظى الحكومة بأغلبية مريحة في البرلمان تسمح لها بتمريره بسهولة.