اعتاد الرعيل الأول من النقاد والأدباء العرب تشخيص السلبيات وإشهارها والمخاصمة الأدبية والمساجلة فيها وحولها بقصد كشفها ومعالجتها. وكان لهذا كله دور مهم في تحريك الحياة الأدبية وتنشيطها. وتدريجيا أخذ هذا الحال يتضاءل، فتراجع النزوع نحو المكاشفة إلى أن غاب أمره تقريبا أواخر القرن العشرين. وعلى الرغم من كثرة سلبيات واقعنا الثقافي المعاصر، فإن الجدل يكاد يكون معدوما، بل هو غير محبذ أصلا. وفي هذا الدليل على حالة اللااكتراث بالسلبيات أيا كان شكلها ومهما استشرى أمرها. وما دام الذين عليهم تقع المسؤولية غير آبهين بضرورة التصدي والانتقاد، بل هم مجاملون في الأغلب، فإن نصيب من يشخِّص أية سلبية أو يحدد فواعلها هو المؤاخذة والتجريح.
وواحدة من السلبيات الشائعة في ساحتنا الثقافية هو تناسي الأمانة العلمية بين أوساط الدارسين والمتعلمين ومتكلفي الأدب والنقد. وليس هذا بالجديد، فصور الاعتياش متعددة وهي مشخَّصة ولها علاقة مباشرة بما حذر منه وشدّد عليه كبار الأدباء والنقاد العرب. وفي مقدمتهم عميد الأدب العربي طه حسين إذ تناول بعضا من الظواهر وفيها الدليل على انتهاك الأمانة العلمية؛ ومن ذلك أنَّ أحد الكتّاب أراد نشر مقال طويل عن أحد الموسيقيين في القرن الثامن عشر، فإذن له العميد لكنه اكتشف فيما بعد أن الكاتب (تعمد غشنا ولم يتحرج) ولأن أمثاله ليسوا قليلين وأنهم يرون في هذا الصنيع (لذة بريئة ولكنها آثمة في وقت واحد) انتقد العميد هذا الفعل، واعتبره نقيصة من نقائص التربية والتأدب. وليس قصده أن يتعرض لشخص الكاتب، إنما قصده إسداء النصح والموعظة الحسنة «هناك شبان يُدخِلون فصولا نُشرت على أنها لم تنشر وفصولا يضيفونها لأنفسهم مع أنهم ليسوا منها في شيء، يقصدون إلى ذلك عمدا حتى إذا تمّ لهم ما أرادوا، تندروا لا يعرفون رحمة».
ولم يتوان العميد من عدِّ هذا الفعل فساداً، بل ذكر فساداً آخر، أشد خطراً من الأول وهو أن يتجاوز هذا النوع من الأفعال المجال الفردي ليكون اجتماعياً جماعياً. ورأى في مثل هذه الأحوال شرورا هي السبب وراء قلة الإنتاج العلمي في بلادنا العربية. وتساءل: إلى من تُرفع هذه القضية أو الخصومة؟ هل ترفع إلى النقاد (إن كان النقاد قضاة) أو إلى الفن (إن مكان الفن قاضيا) أو إلى الجمهور؟ وأجاب العميد: (أرتابُ في صلاح الجمهور للقضاء، وقدرته عليه).
ولو امتد العمر بالعميد طه حسين إلى عصرنا وعايش وسائل التواصل الاجتماعي، لأضاف أن القضية لا ترفع إلى الفيسبوك وأخواته؛ فهذه كلها مجال موبوء، يأنف الضمير الأدبي أن يحتكم إليه. ولكن العميد تخيَّل شيئا آخر هو أن تصنعَ كائنا غريباً «يأتلف من المثقفين الذين خلقهم الله فيما مضى وفيما هو كائن وفيما سيكون من الزمان. واجلسْه في غرفة من الغرفات أو حجرة من الحجرات على كرسي من الكراسي ثم ارفعْ إليه هذه الخصومة.. لا تضحك ولا تدهش إن قلت لك: إني ألقي هذه القضية إلقاءً ولا أنتظر فيها قضاء من النقاد ولا من الفن ولا من الجمهور» (كتابه «حديث الأربعاء»، ص 226). ونقول: نعمتَ وسعدتَ أيُّها الكبير؛ فما تخيّلته ينطبق بالتمام والكمال على عصرنا الحالي.
أمّا الشجاعة التي تحليتَ بها والجرأة المشهودة في كتاباتك، فأمر نفتقده أكاديمياً وثقافياً كما نفتقد إدراكك الواعي لأهمية النزاهة وثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الناقد في كشف السلبيات وضرورة أن يكون له دوره في توجيه أنظار القراء إليها. وهذا هو ما دفعك ويدفع معك الأحرار إلى المكاشفة وليتقول من يتقول وليستعد من يستعدي، ممن يظنون أن السكوت على القصور وتغطية السلبيات أمر محمود، أما الكشف عنه أو حتى التأشير على مظاهره فمنقصة وسُبّة.
ومثلما احتكم طه حسين إلى الضمير قاضياً، يحتكم إليه أيضاً الناقد الذي يعظم أمر النزاهة الأدبية ويتحرى علميتها. وبسبب ذلك يدخل في السجال والجدال، ويواجه اللوم والعتاب وهو يعلم علم اليقين أن (من الناس من يحتاج إلى السوط والعصا ولكن منهم الأحرار الذين تكفيهم مقالة) وليس غير الضمير حاكما وإلا هل يفترض أن نجد في زماننا هذا حكماً عادلاً كذاك النائب العام (محمد نور) الذي حكم لطه حسين في قضية الشعر الجاهلي حكماً علمياً، وأظهر ثقافة عالية أو كما يقول عنه الكاتب خيري شلبي «رجل قانون لكنه ملمّ بثقافة العصر الفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية وله وجهات نظر عميقة». أين نجد مثل محمد نور في عصر تراجع فيه مستوى البحث العلمي وصارت النزاهة آخر ما يكترث به؟
ولا يخفى ما وصل إليه حال التعليم العالي في البلدان العربية من وضع مزر، هو جزء من المشهد الثقافي العربي بالعموم والمتمثل في انحسار القيم العلمية وغياب الأصالة والنزاهة مع تزايد أعداد الطارئين من مدعي العلم والمعرفة. الأمر الذي يقتضي تصدياً، هذا إن كان هناك حرص فعلي على تشخيص الداء ومعالجة أسبابه لاسيما بعد أن تنوعت وسائل البحث الإلكترونية. وعصرنا موار بالأساليب والوسائل التي يمكن أن تسخَّر بطريقة غير مشروعة في مجال البحث والدراسة.
وما من شك في أن أية قضية لها علاقة بخرق الأعراف الأكاديمية لاسيما التغاضي عن النزاهة الأدبية والعلمية والتعدي على حقوق الملكية الفكرية، لا يمكن أن تكون قضية اعتيادية تنتهي والسلام، بل هي نموذج يُضرب به المثل على عيوب البحث العلمي العربي مثلما أنَّ هناك نماذج يضرب بها المثل على الرصانة والأمانة والعلمية مما يمثله باحثون يحترمون القواعد الأكاديمية سواء وهم يطلبون الاستشارة والعون أو وهم مقبلون على الدراسة ونيل الدرجات أو وهم يهمون بالكتابة البحثية. فتجدهم يحصدون ثمرة جدهم وتفانيهم باقتدار وكفاءة لا يعترض عليها أي أحد. أما أولئك الذين لا يملكون عدة البحث العلمي أو يفهمونه على طريقتهم الخاصة، فإنهم يتبعون أساليب غير مشروعة تجعلهم هدفاً سهلاً لأصحاب العدة الذين لا يترددون ولا يهابون من كشف تلك الأساليب سيراً على هدي العميد طه حسين وأمثاله من الأساتذة النجباء.
وهذا التصرف هو في عُرف أصحاب البحث العلمي درس أخلاقي ينبغي على من يُسدى إليه أن يعترف بالفضل لا أن يضمر الشر. والفساد يأتي من القفز على شروط النقد والناقدية، ومنها النزاهة الأدبية والعلمية. وليس من دون ذلك سوى الغش والدجل وتبعات أُخر خطيرة.
وإذ يشخِّص الناقد الحريص والأصيل مثل هذه السلبيات، يعلم أنها ستجلب له متاعب وخصومات غير أنه في الوقت نفسه يراها لا مناص منها لأنها جزء من مسؤوليته النقدية. وليس مهماً بعد ذلك أن يجد من يؤازره أو يدعمه كما ليس ضرورياً أن يجد تقديراً أو ينتظر تقريظاً. إذ المهم كل الأهمية بالنسبة إليه هو تأكيد الحقيقة سواء في مجال توظيف المعلومة أو نقلها وإثبات الفضل لأهله. وليس الناقد العربي أقل شأناً من نظيره الغربي في ما يروم بحثه واختباره. ومثلما استطاع الغربي تطوير أدواته وأثبتنا له ذلك في أبحاثنا، كذلك يقدر العربي على التطوير. وهذا ما يُوجب علينا أن نعترف له بذلك في أبحاثنا أيضا، فنقدره حق قدره لا أن نكون ضنينين، نتقول ونتندر معتبرين إياه مجرد ناقل لا غير. بعبارة أخرى نقول إن تطوير الأدوات أمر ممكن لكنه غير يسير، ومن الخير العمل عليه من أجل بلوغ إنتاج حقيقي. وأكثر ما يضير ويغيظ هو تناسي النزاهة العلمية لتكون في مهب الريح، تتقاذفها الادعاءات والتبجحات، وما من أحد يتقبل الحديث عن نزاهة الحكم. وليس بعد ذلك أي خير نرتجيه.
إن عدم محاربة مثل هذا الحال يعني انتصار العاطفة وخسارة العقل، ولقد كان النقاد القدماء قبل قرون كثيرة فطنين إلى ذلك، فشخصوا سلبيات البحث الأدبي ووضعوا الحلول له، ولكن ما بال هذا الموضوع اليوم والمد الرقمي آخذ بالتطور بشكل مذهل؟
إن كثرة وسائل هذا المدِّ وتنوعها هو الذي يجعل المظاهر السلبية تزداد يوماً بعد يوم، ما دام هناك من يريد بلوغ المراد بأقصر الطرق وأسهل الأدوات. تساعده في ذلك منافذ الشبكة العنكبوتية المتشعبة فضلاً عن المساندة النفسية العاطفية من لدن من يُفترض فيهم محاربة تلك المظاهر أصلاً، من الذين يزكون هذا النوع من الكتّاب بطرق عدة ولغايات لا تخفى على أحد.
*كاتبة من العراق