لندن ـ «القدس العربي»: كما شاهدنا في نهاية الأسبوع الماضي، تمكن ريال مدريد من وضع قدم في الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا، وذلك بعد الانتصار المظفر الذي تحقق على حساب غريم المدينة أتلتيكو مدريد بنتيجة 2-1، في قمة «سانتياغو بيرنابيو» لذهاب دور الـ16 للكأس ذات الأذنين، كأول فوز للريال في مباريات دربي العاصمة الإسبانية منذ 14 شهرا، وتحديدا منذ الفوز بخماسية مقابل ثلاثة أهداف في نصف نهائي الكأس السوبر الإسبانية (النسخة السعودية الرباعية) في يناير/كانون الثاني العام الماضي، بعدها تقابلا أربع مرات، بدأت بنجاح المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني ورجاله في رد اعتبارهم في المباراة التالية، التي انتهت بنتيجة 4-2 في دور الـ16 لكأس ملك إسبانيا، ثم بالتعادل الإيجابي وبنفس النتيجة 1-1 في آخر ثلاث مواجهات مباشرة على مستوى الدوري الإسباني، لكن هذه المرة، كانت أغلب الترشيحات تصب في مصلحة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي وعصابته البيضاء، وذلك كما يعرف القاصي والداني، لما يملك النادي الميرينغي من «DNA» وشخصية وتاريخ وهيبة، وقل من معجم اللغة ما شئت من هكذا مصطلحات، في بطولته القارية المفضلة في كل العصور، والشيء المثير، أن ترشيحات النقاد والمتابعين، جاءت في أتعس أوقات اللوس بلانكوس في حملة الدفاع عن لقب الدوري الإسباني للمرة السادسة على التوالي والسابع والثلاثين في تاريخ الكيان، بسلسلة من العثرات والنتائج المخيبة لآمال المشجعين، كانت آخرها السقوط أمام ريال بيتيس الأندلسي بهدف مقابل اثنين في ختام مواجهات سبت الجولة السادسة والعشرين، ليتخلى الفريق الأبيض طوعا عن صدارة الدوري لصالح العدو الأزلي، بالتواجد في المرتبة الثالثة خلف المتصدر برشلونة والوصيف أتلتيكو مدريد (وقت كتابة هذه الكلمات قبل انتهاء مواجهات هذا الأسبوع)، والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تدهورت أوضاع الريال بهذه السرعة والسهولة على مستوى الليغا؟ أو بصيغة أخرى: هل سيندم الميستر كارليتو ورجاله على المبالغة في السخاء وتقديم الهدايا للبارسا في الأسابيع القليلة الماضية؟ هذا ما سنسلط عليه الضوء في موضوعنا الأسبوعي.
ضريبة التصحيح
لا يُخفى على أحد، أن الريال كان قد استهل رحلة البحث عن كأس دوري أبطال أوروبا السادسة عشرة في تاريخه، بطريقة أقل ما يُقال عنها «سيئة للغاية»، وصلت لحد الاكتفاء بجمع ست نقاط فقط في أول خمس جولات، من فوزه على الثنائي الألماني شتوتغارت في اللقاء الافتتاحي لنظام الدوري الجديد وبوروسيا دورتموند في المرحلة الثالثة، في المقابل تجرع من مرارة الهزيمة 3 مرات، والحديث عن الهزيمة المفاجئة أمام ليل الفرنسي، ثم الانحناء أمام ليفربول في قلب «الآنفيلد» بهدفين نظيفين، واكتملت بالخسارة المذلة أمام ميلان بنتيجة 1-3 على مرأى ومسمع جماهير «سانتياغو بيرنابيو»، الأمر الذي تسبب في وضع الريال في موقف لا يُحسد عليه أمام عشاقه، في ما كان أول تهديد حقيقي للخروج المبكر من الصراع على «الأميرة البيضاء»، قبل أن ينجح أنشيلوتي ورجاله المخلصين في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بجمع العلامة الكاملة في آخر 3 مباريات، بدأت بتجاوز مضيفه الإيطالي العنيد أتالانتا بنتيجة 3-2 هناك في بيرغامو، ثم بالاستعراض على ريد بول سالزبورغ النمساوي وستاد بريست، بالفوز على الأول بخماسية مقابل هدف، والاكتفاء بثلاثية نظيفة في ممثل الدوري الفرنسي، لكن هذه الانتصارات لم تكن كافية لمرافقة الثمانية الأوائل المتأهلون مباشرة إلى دور الـ16، الأمر الذي تسبب في خلط أوراق المدرب المخضرم، وذلك بعد التورط في مباراتين من الوزن الثقيل في وقت غير مناسب في الموسم، والإشارة إلى مباراتيه أمام مانشستر سيتي في الملحق المؤهل للدور ثمن النهائي للكأس ذات الأذنين، صحيح حامل لقب البريميرليغ في آخر أربعة مواسم، لا يعيش أفضل أوقاته تحت قيادة مدربه الكتالوني بيب غوارديولا، وبالنسبة للبعض، وصل إلى قاع الحضيض الكروي، لكن هذا لا يعني بالتبعية، أن الريال كان في نزهة أو على موعد مع مهمة سهلة، بل كما تابعنا، خصوصا في مباراة ذهاب ملعب «الاتحاد»، بمشاهدة شبه متكافئة مع أفضلية نسبية للفريق الإنكليزي، إلى أن مارس الميرينغي هوايته المفضلة في هذه البطولة على وجه التحديد، بقلب تأخره إلى ريمونتادا تاريخية جديدة بنتيجة 3-2، ثم في مباراة الإياب، بذل لاعبو الريال مجهودا كبيرا من أجل إحكام سيطرته على المواجهة وحسمها بثلاثية نظيفة مع الرأفة، والشاهد عزيزي القارئ، أن عملاق الليغا وأوروبا، لم يسبق له أن خاض كل هذا العدد من المباريات في أعرق كؤوس القارة العجوز، بمعدل 10 مباريات كاملة قبل التفكير في دور الـ16، مقارنة بالرفاهية والراحة في الأمس القريب، بالاكتفاء بخوض 6 مباريات فقط، نصفهم مباريات تندرج تحت مسمى «تحصيل حاصل» لتأمين تأشيرة اللعب في مراحل خروج المغلوب في النظام القديم، وهذا بالكاد كان آخر وأسوأ سيناريو ينتظره أو يتوقعه أنشيلوتي للفريق في بداية الموسم، أن يجد نفسه مجبرا على لعب هذا الكم الهائل من المواجهات الصعبة والمعقدة في فترة قصيرة، أو بلغة الأرقام، مباراة لا تقبل القسمة على اثنين كل ثلاثة أيام، وأمام خصوم من نوعية ملحمة أتلتيكو مدريد، التي جرت على ملعب «سانتياغو بيرنابيو» في الثامن من فبراير/شباط الماضي، وتبعها بثلاثة أيام رحلة شمال إنكلترا لمقارعة السكاي بلوز، ثم برحلة أخرى إلى منطقة نبرة شمال إسبانيا، لمواجهة أوساسونا في الأسبوع الرابع والعشرين لليغا، وما تبعها من روزنامة مزدحمة بالمباريات في مختلف المسابقات في نفس شهر عيد الحب، مثل استضافة السيتي في الإياب، ومواجهة جيرونا في الأسبوع الـ25، وفي منتصف نفس الأسبوع، زار ملعب «أنويتا» لمواجهة صاحب الأرض ريال سوسييداد الباسكي في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا، وذلك قبل زيارة ملعب «بينتو فيامارين»، الذي كان شاهدا على الهزيمة المؤلمة أمام ريال بيتيس بنتيجة 1-2، كرابع خسارة للفريق في الدوري هذا الموسم، وهذا تسبب في تراجع النتائج على مستوى الليغا، لدرجة التخلي عن فارق التسع نقاط مع البلوغرانا في بداية الشهر الماضي إلى التراجع بفارق ثلاث نقاط عن المتصدر في هذه الأثناء.
بالنظر إلى المباريات الأخيرة التي خرج منها الريال بنتائج سلبية على مستوى الدوري، سنجد أن أغلبها كانت البروفات الأخيرة قبل ليالي الثلاثاء والأربعاء الأوروبية، مثل التعادل مع الأتلتي بهدف لمثله قبل ثلاثة أيام فقط من رحلة عاصمة إنكلترا الثانية، وأيضا التعادل أمام أوساسونا في ملعب «آل سادار» بنفس النتيجة في آخر استعداد قبل ملحمة السيتي الفارقة، ومؤخرا شاهدنا العرض الأسوأ على الإطلاق أمام ريال بيتيس في آخر تحضير قبل دربي مدريد في ذهاب دور الـ16 للكأس ذات الأذنين، وهذا لا يعكس سوى انشغال اللاعبين بدوري الأبطال، وتأثرهم ذهنيا من كثرة التفكير في البطولة القارية على حساب الدوري المحلي، وهنا مربط الفرس أو كما تخبرنا المقولة المأثورة «هنا تكمن كلمة السر» وراء مشاكل النادي الملكي في الدوري الإسباني، إذ أننا نتحدث عن فريق يعتمد في المقام الأول على اللحظات الإبداعية لنجومه «الغالاكتيكوس»، تارة بفاصل من العزف المنفرد من قبل فينييوس جونيور، وتارة أخرى بقرار عنتري من الميغا ستار الفرنسي وهداف الفريق الأول هذا الموسم كيليان مبابي، بخلاف نفحات الموهبة البرازيلية النقية رودريغو غوس، ولحظات الفتى الإنكليزي جود بيلينغهام الخاصة، وبدرجة أقل تصويبات فيد فالفيردي وهدايا مودريتش وحلوله العبقرية عندما يكون في حالة جيدة، لذا، أحيانا ما تتعطل هذه الأسلحة، خاصة عندما يطغى التفكير والتركيز على مباريات الأبطال أكثر من مواجهات السبت والأحد في الليغا، والجديد ما حذر منه المدرب أنشيلوتي بعد انتكاسة بيتيس، بأنه مع تكرار نفس السيناريو في قادم المواعيد، ستكون العواقب وخيمة في نهاية الموسم، فيما كانت أول مرة، يكشر خلالها المدرب الإيطالي عن أنيابه للفريق بأكمله، بانتقاد تراخي الجميع في أبجديات كرة القدم، بما في ذلك الركض وتغطية كل المساحات في الملعب، وتجلى ذلك، في حالة الخمول التي أصابت بطل أوروبا وإسبانيا بعد هدف براهيم دياز، والتي وصلت لحد الاكتفاء بمحاولة واحدة على حامي عرين أصحاب الأرض، مقارنة بالاختبارات الصعبة التي تعرض لها الحارس البلجيكي تيبو كورتوا طيلة الشوط الثاني على وجه التحديد، بخلاف الهدف الذي استقبله من جوني كاروسو في الشوط الأول، ورصاصة زميل الأمس إيسكو في بداية الشوط الثاني، هذا ولم نتحدث عن صداع العودة إلى البدايات أو ما يُعرف بالمربع الصفر، وبالأحرى الضربات الأخيرة التي هدمت التوليفة السحرية التي ساهمت في التغطية على أخطاء الربع الأول في الموسم، متمثلة في الانتكاسة التي ألمت برمانة ميزان الوسط داني سيبايوس، أثناء مشاركته أمام المان سيتي، ومعها اختفى ذاك التوازن والانضباط الذي أعطى الريال ما شاهدناه من تفوق كاسح على وسط المان سيتي في مباراتي الذهاب والعودة، وذلك بالتزامن مع إصابة فالفيردي، استكمالا لمسلسل الانتكاسات التي تسببت في خلط أوراق أنشيلوتي أكثر من أي وقت مضى في ولايته الثانية، منها خسارة اثنين من الركائز الأساسية لنهاية الموسم بداعي الإصابة بقطع في الرباط الصليبي، وهما المدافع البرازيلي إيدير ميليتاو والقائد داني كاربخال، حتى مبابي عانى من مشاكل على مستوى الأسنان، وعلى إثرها اضطر للغياب عن مواجهة سوسييداد في ذهاب نصف نهائي كأس الملك، وسبقه فيني ورودريغو ودياز بمشاكل عضلية في أوقات مختلفة، ومؤخرا جاءت الضربة القاضية، بإيقاف بيلينغهام مباراتين في الدوري الإسباني، بعد إدانته بالإساءة للحكم في ليلة التعادل أمام أوساسونا.
خذلان جماعي
واحد من أكثر أسباب تراجع نتائج وأداء الريال في الدوري الإسباني، مقارنة بالنسخة المهيبة التي يبدو عليها في دوري أبطال أوروبا، ذاك التراجع الجماعي الملموس في تأثير أصحاب الحلول الفردية ومن يعول عليهم المدرب لإحداث الفارق في الأوقات المعقدة، في مقدمتهم كبير الهدافين كيليان مبابي، الذي يمكن القول إنه اختفى تماما منذ ظهوره الاستثنائي في ليلة أهدافه الثلاثة (هاتريك) في شباك مانشستر سيتي في إياب الملحق المؤهل للدور ثمن النهائي للأبطال، ما بين مشاكله مع ضروسه وبين حالته الباهتة وغياب مساهمته منذ ذلك الحين، وبالمثل لا يقدم فينيسيوس جونيور أفضل ما لديه، ربما لشعوره بالإرهاق الذهني شأنه شأن باقي رفاقه، وربما لما يتردد عن إمكانية ذهابه إلى أحد عمالقة دوري روشن السعودي بأرقام فلكية في سوق الانتقالات الصيفية المقبلة، حتى رودريغو غوس، بالكاد ظهرت إبداعاته ولحظاته الساحرة عندما احتاجه الفريق في المباريات المحلية الأخيرة، قبل أن يستفيق من سباته في سهراته الأوروبية المفضلة أمام الهنود الحمر. وكل ما سبق في كفة، والتأثير التكتيكي لإصابة سيبايوس وفالفيردي في كفة أخرى، وانعكس ذلك التأثير، في منطقة العمق بين قلبي الدفاع ودائرة المنتصف، بفقدان ذاك الفنان الذي كان يمثل حائط الصد الأول بمجرد مرور الكرة إلى وسط الملعب المدريدي، والأهم قدرته على البناء والتحضير ونقل الكرة من لمسة واحدة إلى الثلث الأخير من الملعب، بالطريقة التي يبحث عنها السيد أنشيلوتي منذ اعتزال مهندس جيل الأساطير توني كروس مع انتهاء الموسم الماضي، وهذا تسبب في إحداث ما شاهدناه من خلل في منظومة وسط الريال، حتى بعد محاولات إعادة الاتزان من خلال الدفع بإدواردو كامافينغا برفقة مواطنه تشواميني ومودريتش في وسط الملعب، وبالتبعة عادت المشاكل الدفاعية، خصوصا أمام الفرق التي تعتمد على الهجمات المرتدة، لاستغلال الفجوة الكبيرة بين ثنائي محور قلب الدفاع وثلاثي الوسط، وكأن سلاح ريال مدريد المفضل، باستهداف الخصوم من الهجمات المرتدة، تحول إلى نقطة الضعف الأكثر وضوحا في الفريق بالنسبة لخصومه في الدوري الإسباني، وكل ما سبق، على عكس الثقافة أو الانطباع المحفور في الأذهان عن النادي الميرينغي، كفريق عادة ما يكشر عن أنيابه مع بدء العد التنازلي لأشهر الحسم في الموسم، آخرها عودته القوية الموسم الماضي، التي أسفرت عن تتويجه بثنائية الدوري ودوري الأبطال، وذلك عكس أغلب التوقعات في بداية الموسم، بأن الريال، سيكون على موعد مع فترة انتقالية بعد انتقال القائد التاريخي كريم بنزيمة إلى الاتحاد السعودي، بينما الآن، أو بعبارة أخرى أكثر دقة، في الآونة الأخيرة في حملة الدفاع عن لقب الليغا، أظهر الفريق عكس ذلك تماما، من فريق شبه مهيمن على صدارة الدوري الإسباني بفارق وصل في بعض الأوقات لنحو تسع نقاط مع برشلونة، في أوج لحظات ترنحه محليا في أواخر العام الماضي وبداية العام الجديد، إلى ما هو عليه الآن، باحتلال المرتبة الثالثة في جدول الترتيب العام، بفارق نقطتين عن الوصيف أتلتيكو مدريد، وثلاث نقاط عن المتصدر برشلونة في هذه الأثناء.
جبروت برشلونة
على النقيض من وضع ليفربول في الدوري الإنكليزي الممتاز، بإصرار منافسه الناعم آرسنال، على البقاء في مكانه في المركز الثاني في جدول ترتيب أندية البريميرليغ، من خلال التفريط في نقاط تندرج تحت مسمى «في المتناول» في عالم كرة القدم، واجه الريال منافسة حامية الوطيس مع العائد من الموت برشلونة وبدرجة أقل الأتلتي، ويظهر ذلك من لغة الأرقام التي تظهر تفوق البارسا الواضح عودة المدرب الألماني هانزي فليك ورجاله من عطلة عيد الميلاد في بداية العام الجديد، منها عدم التوقف عن الانتصارات في آخر 14 مباراة في مختلف المسابقات، باستثناء التعادل المفاجئ أمام خيتافي في الجولة الـ20 لليغا، وما حدث أمام أتلتيكو مدريد في الليلة المثيرة التي انتهت بالتعادل الإيجابي بأربعة أهداف في كل شبكة في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا، والأهم من لغة الأرقام والإحصائيات، تبقى تلك المؤشرات التي تعكس استمرار الاتجاه الصعودي لمشروع فليك الطموح مع أصحاب «كامب نو»، بذاك التحول السريع والمفاجئ ربما لأكثر جماهير النادي تفاؤلا مع بداية الموسم، من توقعات بأن يستغرق المدرب الألماني بعض الوقت حتى يعيد الفريق إلى الواجهة مرة أخرى، في ظل معاناة النادي ماليا، بتلك الطريقة التي أثرت على تركيز الوافد الجديد داني أولمو، بوضعه تحت تهديد الرحيل من النادي، بعد إخفاق الإدارة في تسوية العجز بين أجور اللاعبين وعوائد الخزينة حتى بداية العام الميلادي الحالي، إلى ذاك الفريق الجماعي المخيف الذي لا يتمنى أحد مواجهته في أي مكان على وجه الأرض، متسلحا بالحالة الفنية والبدنية الرائعة التي وصل إليها أغلب عناصره الأساسية، في القلب منهم صانع السعادة لامين يامال، الذي بالرغم من ابتعاده عن التسجيل أو الصناعة بشكل مباشر، إلا أنه كان وما زال العملة النادرة التي ترسم أهم اللقطات والمشاهد الحاسمة، كما فعل أمام لاس بالماس وريال سوسييداد، راسما لنفسه صورة اللاعب الزئبقي الذي يفعل كل شيء في دفاعات الخصوم، لتسهيل المهمة على باقي الرفاق في الثلث الأخير من الملعب، شاملة مساحات التسديدة والاختراقات التي يجدها المرشح البارز للمنافسة على جائزة «الكرة الذهبية» كأفضل لاعب في العالم من قبل مجلة «فرانس فوتبول» هذا العام، والحديث كما تعرف عزيزي القارئ عن البرازيلي رافينيا، الذي يفاجئ المؤيدين قبل الخصوم والأعداء، بتلك «الريمونتادا» التاريخية في مستواه، من شبه منبوذ لدى الجماهير، وواحد من أكثر الأسماء المرشحة للرحيل في سوق الانتقالات الصيفية الأخيرة، إلى نسخة جديدة من مواطنه الأسطوري ريفالدو في أوج سنواته مع البلوغرانا، متقمصا دور البطولة المطلقة كلما احتاج الفريق. ومؤخرا بدأ يظهر دور داني أولمو والبديل الذهبي فيران توران، جنبا إلى جنب مع زميلهم روبرت ليفاندوسكي، الذي يمثل بمفرده نقطة أو بصمة مضيئة بالنسبة لمدربه السابق في بايرن ميونيخ، من خلال الاستفادة من عصارة خبرته في الثلث الأخير من الملعب، ليصبح الآن على رأس قائمة هدافي الدوري الإسباني، وذلك بالرغم من افتقاده الكثير من الحدة والشراسة المعروفة عنه، وهذا بحكم تقدمه في السن وتأثره بأعراض الشيخوخة الكروية، التي تظهر عليه من وقت لآخر، مثل غرائبه في ليلة الهزيمة أمام أتلتيكو مدريد في آخر مباراة قبل عطلة عيد الميلاد، وقبل هذا وذاك، لا ننسى دور لاعب الوسط الشامل بيدري، الذي يثبت من مباراة لأخرى، أنه مشروع أسطورة تجمع بين خيال تشافي العلمي وبين حلول الرسام إنييستا في المساحات الضيقة، كلاعب جوهرة بالمعنى الحرفي للكلمة، يتمتع بالانضباط التكتيكي الذي يحلم به أي مدرب في العالم، وبين الحمض النووي أو الجينات الأنيقة المتوارثة هناك في «كامب نو»، بما في ذلك المتعة البصرية في نقل الكرة بشكل عمودي في الثلث الأخير من الملعب، وضرب المدافعين بتمريراته السحرية عندما يتسلل بين الخطوط، محميا في ظهره باكتشاف الموسم المراهق كاسادو، الذي أضاف وبامتياز العمق الذي كان يحتاجه البارسا أمام ثنائي خط الدفاع، وغيرها من التفاصيل التي حولت برشلونة في الآونة الأخيرة إلى واحد من أقوى وأشرس 3 فرق في أوروبا، وبالنسبة لفئة لا يستهان بها، الفريق الأقوى والأكثر تنوعا على الإطلاق، بفضل الوفرة المتاحة في الأسماء والمواهب التي تملك من الحلول والابتكار ما يكفي لخلخلة أي خط دفاع في العالم، على الأقل منذ بداية عام 2025، وهذا ما أثر بشكل سلبي على ريال مدريد في الدوري الإسباني، أو بالأحرى السبب الرئيسي وراء تراجع الملكي عن الصدارة، ولنا أن نتخيل لو كان البارسا في وضعية مشابهة لآرسنال في الدوري الإنكليزي الممتاز، كمنافس يبدو وكأنه يتعمد عدم الاستفادة من هدايا أو عثرات المتصدر، في الغالب كانت الصدارة ستبقى في «السانتياغو» ولو بفارق نقاط أقل، لكن ما حدث، هو عكس ما كان يتمناه الميستر كارليتو، بما نشاهده من عنفوان وجبروت كتالوني في الوقت الذي كان يتفنن فيه اللوس بلانكوس في إهدار النقطة السهلة تلو الأخرى، لتنتقل الصدارة إلى برشلونة بوصوله إلى النقطة الـ57 قبل ضربة بداية الأسبوع السابع والعشرين، متقدما بنقطة عن الأتلتي وثلاثة عن حامل اللقب، فهل يا ترى سيستمر ترنح الريال على مستوى الدوري والعكس في ليالي الأبطال؟ أم سيجد أنشيلوتي حلا لمسك العصا من المنتصف قبل أن يتسع الفارق مع منافسيه الأقوياء على الصدارة؟ هذا ما ستكشف عنه نتائج الفريق في الأسابيع القادمة.