التشكيلي المصري محمد الناصر في معرضه «ذاكرة المكان»… التوثيق الفني وجمالياته

القاهرة ـ «القدس العربي» : يواصل الفنان المصري محمد الناصر ـ مواليد قنا 1957 ـ نهجه في الاحتفاء والتوثيق لملامح ووجوه وأماكن من مصر، خاصة القاهرة القديمة بحواريها وبناياتها التراثية، أو بيئات أخرى كالصحراء والجنوب المصري. في معرضه الذي أقيم مؤخراً في غاليري (ضي)، الذي جاء بعنوان «ذاكرة المكان» لم يكتف الناصر بأعمال جديدة، بل أضاف عدة لوحات من معارض سابقة، ربما لأنها بالفعل تعد من الأعمال اللافتة، إلى أن اللوحات الجديدة ما هي إلا استمرار وإضافة لمشروع الفنان الذي يرصد من خلاله تفاصيل حيوات الناس والأماكن التي توشك على المغيب بالفعل.

المكان ومخلوقاته

لا تخرج اللوحات عن كونها أعمالا تفصيلية وتجسيدية لإنسان أو مكان، فكرة التشخيص هذه، والإصرار عليها لا تفرّق بين كائن حي وحجر، هذه العلاقة بدورها التي من خلالها يجوز التساؤل حول مدى تأثير أيهما في صياغة الآخر، ونظراً للبُعد الزمني لبنايات القاهرة القديمة، فالأرجح أن المكان هو الذي ساعد في صياغة سلوك وتفاصيل حياة الناس، كوجود مقامات الأولياء والآثار الدينية بشكل عام، ومدى ارتباط هذه الأماكن بطبيعة مهن أغلبية سكانها، أو حتى طبيعة زائريها من المناطق البعيدة، أو المتاخمة لها، وكذا وجودها كأسواق شهيرة تجتذب الكثيرين من جميع أنحاء مصر.

تباين اللقطات

من الممكن أن نطلق على كل لوحة من لوحات الفنان، لقطة ثابتة من شريط سينمائي، كالعلاقة بين مقدمة وخلفية الكادر/اللوحة، ومدى تحقيق عمق المجال البصري في اللوحة، وهو ما تقوم العدسات المختلفة بتحقيقه في السينما من خلال آلة التصوير. نجد ذلك في لوحات (الحمار وصاحبه والعربة وقِدرة الفول)، أو (المركب الراسي على الشاطئ)، من حيث التكوين والتأطير الذي اختاره الفنان، وزاوية اللقطة بالطبع. إلا أن هذه اللوحات لم تأت على مستوى واحد، سواء من خلال الأسلوب والتقنية، فهناك لوحات تقترب كثيراً من (كروت البوستال)، وبالتالي تفقد الكثير من جمالياتها، مقارنة بأعمال أخرى يتحقق فيها مدى حِرفية الفنان كالوجوه غير منقولة التفاصيل، التي تعد تجريدية مقبولة ورصينة تليق بالمكان وناسه. الأمر نفسه يتحقق من خلال اللون.. فبعض الأماكن والبنايات في اللوحات يختلف لونها الأصلي عن تلوين اللوحة، التي تبدو أكثر صخباً ـ فألوانها صارخة ـ من طبيعة المكان وتفاصيله. ولا نقصد من ذلك أن تكون اللوحة عبارة عن نقل حَرفي للمكان والشخوص ـ فكرة كروت البوستال ـ ولكن ألا تصل المخالفة لما هو واقع إلى هذا الحد، خاصة أن الفنان ينتهج الأسلوب الأقرب إلى التوثيق منه إلى أساليب تجاوز الوقائعي.

مشروع بصري

لا يبدو أن الفنان محمد الناصر يقوم بالترجمة البصرية حرفياً للأماكن والشخصيات التي يقوم بتجسيدها في لوحاته، كما أنه في الوقت نفسه لا يستسلم أو يتهافت كالكثيرين غيره من الفنانين المصريين، ويدّعي انتهاج تيارات ما بعد الحداثة، وتخاريف الأساليب الغربية، التي تم انتقالها إلى مصر، من آفات كثيرة روّج لها مدّعو الفن. فالفنان هنا يحاول أن يتمثل روح المكان وناسه، بعيداً عن النقل الحرفي المباشر، بغض النظر عن تباين هذه الأعمال، وتحقق سماتها الفنية في بعضها عن البعض الآخر، وهو المعهود عند معظم الفنانين.

التوثيق الفني

إلا أن الفكرة التي أصبحت مُلحة الآن هي فكرة (التوثيق) لمثل هذه الأماكن التراثية، والتي تمثل وتعبّر عن الروح المصرية، هذه الأماكن التي تواجه خطة منظمة ومُمَنهَجة لهدمها والقضاء عليها، بل الإصرار على محوها من ذاكرة المصريين، والاكتفاء بكتل الإسمنت ـ بدعوى التمدن والتحضر والقضاء على العشوائية ـ ولك أن تتخيل أن كل حجر في بنايات هذه الأماكن يمتد تاريخه إلى قرون، يتم في بساطة محوه والقضاء عليه، لصالح نموذج صحراوي أصم، لا روح ولا حياة. من هنا تأتي أهمية التوثيق الفني ـ بخلاف الفوتوغرافيا ـ حتى تحتفظ ذاكرتنا البصرية بكل أو بعض من الجَمال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية