غزة بين أنياب اليمين الإسرائيلي… تصعيد خطير وشروط تعجيزية لإبقاء الحرب

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»:  بشكل يشير إلى النوايا والخطط الإسرائيلية القادمة تجاه قطاع غزة، صعدت قوات جيش الاحتلال من هجومها الدامي على القطاع، وعملت على توسيع رقعة العمليات البرية، لتضيق بشكل أكبر المساحة الممنوحة لسكان القطاع للإقامة، رغم ملاحقتهم في تلك المناطق، وضاعفت في ذات الوقت الأزمة الإنسانية بسبب نفاد الطعام، وهو ما ينذر بأوضاع أكثر خطورة خلال الفترة المقبلة.

مجازر وتهجير قسري

فلم تدع قوات الاحتلال حتى يوم عبد الفطر يمر، من دون أن تواصل عمليات القتل والتدمير الواسعة ضد قطاع غزة، فارتكبت على مدار الأسبوع الماضي سلسلة مجازر خطيرة، كان من بينها استهدافات عنيفة لمناطق النزوح في الخيام في منطقة مواصي خانيونس هي منطقة يزعم الاحتلال أنها منطقة عمل إنساني، وكذلك عشرات المنازل في مناطق كثيرة في القطاع، وكان من بين المجازر الدامية العنيفة قصف العيادة الطبية التابعة لـ«الأونروا» في مخيم جباليا للاجئين شمالي القطاع، لتسفر الغارات عن سقوط المئات من السكان بينهم عدد كبير من الأطفال، فيما لا يزال مسلسل الدم مستمرا.
ومنذ بداية الأسبوع حتى نهايته، اختارت قوات الاحتلال التدرج في التصعيد، فلم يكد يمضي يوم وإلا كان الذي يتبعه أشد منه إيلاما على السكان الذين يعانون ويلات الحرب المستمرة منذ 18 شهرا، فبدايات الأسبوع الذي استهلته قوات الاحتلال بقصف جوي عنيف ومجازر، توسطه صدور أوامر تهديد جديدة تطالب السكان بالنزوح من أماكن سكنهم في شمالي القطاع، لتتبع بأوامر أخرى تطالب جميع سكان مدينة رفح، وأطراف مدينة خانيونس بالنزوح القسري، ضمن عملية أسفرت عن إجبار مئات الآلاف من السكان على السكن في مراكز الإيواء وخيام النزوح التي لا تتوفر فيها مقومات الحياة، حيث تحتشد بأعداد أكبر من طاقتها، فيما كان الطعام يتناقص يوما بعد يوم.
وكثيرة هي صور الضحايا التي خرجت في اليوم الأول للعيد، لأطفال تمزقت أجسادهم الصغيرة، وهم في أحضان عوائلهم، التي كانت تأمل أن يمر العيد بدون دماء، وما تلاها من صور مؤلمة لعوائل أبيدت من السجل المدني، بعد أن طالت الغارات مناطق سكنهم في خيام النزوح وفي المنازل، حتى تضاعفت مأساة هؤلاء جميعا، بعد اتساع رقعة النزوح الإجباري، ليعود السكان إلى ما كانوا عليه قبل 19 كانون الثاني/يناير الماضي، تاريخ الوصول إلى تهدئة أوقفت الحرب مؤقتا حوالي الشهرين.
وقد مرت مجمل هذه التطورات الميدانية بسقوط أكثر 1200 شهيد، منذ عودة إسرائيل لاستئناف الحرب ضد غزة يوم 18 اذار/مارس الماضي، في الوقت الذي كانت فيه مأساة السكان في غزة بالحصول على لقمة العيش تتضاعف، وذلك مع نفاد مخزون الطعام القليل بالأصل، واضطرار مخابز قطاع غزة لإغلاق أبوابها، وهي مخابز كانت تعمل بإشراف من برنامج الغذاء العالمي، الذي كان يمولها بالدقيق والوقود وغاز الطهي المخصص لتشغيل الأفران.
ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فلم تكد تمضي سوى أقل من 48 ساعة على إغلاق المخابز، التي يعتمد عليها غالبية سكان القطاع في توفير قوت أسرهم، حتى أعلن برنامج الأغذية العالمي نهاية الأسبوع الماضي، أن الإمدادات الخاصة بتوزيع الوجبات الساخنة في قطاع غزة ستكفي لمدة أسبوعين، وأن آخر الطرود الغذائية ستوزع خلال يومين، وذلك خلال استعراضه للوضع السيء الذي يمر فيه سكان قطاع غزة، بعد إغلاق 25 مخبزا، وهي خطوة وسعت من نطاق الجوع في غزة، وأنذرت حسب منظمات دولية بموت السكان جوعا، في حال لم يجر وضع حل سريع لهذه المشكلة، يقوم على وقف الحرب وفتح سلطات الاحتلال المعابر المغلقة منذ أكثر من شهر.

توسيع العدوان

وجاءت كل هذه التطورات الميدانية، بعدما صعدت دولة الاحتلال من تهديداتها ضد قطاع غزة، حيث ذكرت تقارير عبرية أن جيش الاحتلال الذي بدأ بالهجوم البري الواسع على مدينة رفح، بعد دفعه بالفرقة القتالية 36 إلى المنطقة، سيتبع بالدفع بوحدات قتالية، من بينها «لواء جولاني»، الذي كان يتمركز على الحدود الشمالية، في العمليات العسكرية البرية ضد قطاع غزة، ضمن مخطط عسكري جديد سيشمل السيطرة على مناطق أخرى في القطاع.
وقد أعلن عن ذلك صراحة وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أعلن عن توسيع العمليات العسكرية في قطاع غزة، وقال إن جيشه سيتحرك لـ«السيطرة على مناطق واسعة وضمها إلى المناطق الأمنية».
وطاب السكان بـ«التحرك الآن للإطاحة بحركة حماس، وإعادة جميع المحتجزين الإسرائيليين»، معتبرًا أن «هذه هي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب».
أما وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، فقد واصل الحديث بلغة التهديد لغزة، وقال إن حكومته اليمينية ستواصل عملياتها في غزة، إن لم يتم التوصل إلى اتفاق، وقال «لدى سكان غزة حرية الخيار بشأن مغادرة القطاع»، مشيرًا إلى أن إسرائيل ستواصل استهداف أي عناصر تشكل تهديدًا على أمنها، وكان بذلك أيضا يروج لمخطط التهجير القسري للسكان خارج قطاع غزة.
وقبل هؤلاء جميعا، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في غزة، يهدد سكان القطاع، حيث أعلن عن قرار حكومته بتصعيد الهجوم على غزة، بزعم أن الضغط هو السبيل الوحيد لاستعادة الأسرى.

تفاوض تحت النار

وخلال اجتماع حكومته الأسبوعي قال «الدمج بين الضغط العسكري والضغط السياسي هو الشيء الوحيد الذي أعاد الأسرى، وليس كل الادعاءات والشعارات الفارغة التي أسمعها في الاستوديوهات من أولئك الذين يظنون أنفسهم خبراء»، كاشفا أن حكومته المصغرة للشؤون الأمنية قررت زيادة الضغط، «من أجل تعزيز سحق حماس وتهيئة الظروف المثلى لتحرير الأسرى»، وقال إنه سيجري المفاوضات حول الأسرى «تحت النار»، واشترط من أجل إنهاء الحرب أن تلقي حماس سلاحها، وأن يغادر قادتها قطاع غزة، وقال وهو يتحدث عن خطط الاحتلال القادمة «نحن سنؤمّن الأمن العام في القطاع ونمكّن من تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خطة الهجرة الطوعية»، وتابع «هذه هي الخطة، لا نخفيها».
ومع انتهاء الأسبوع الماضي، عاد نتنياهو وصعد من لغة التهديد العسكري ضد غزة، بعد إعلانه أن جيشه سيقيم محورا جديدا في جنوب غزة، اسماه «محور موراج» والذي يفصل بين مدينتي رفح وخانيونس، بعد إعلانه احتلاله المدينة الأولى، وقال إن المحور سيكون «فيلادلفيا الثانية»، وكان يقصد المحور الذي يفصل رفح عن مصر، وقال إنه يريد تقطيع أوصال القطاع، وزيادة الضغط خطوة بخطوة، «حتى يسلّموننا رهائننا»، وكرر تهديداته بالقول «كلما لا يعطونا أكثر، كلّما زاد الضغط عليهم، حتى يعطوا أكثر».
وقد تلا ذلك أن ذكرت «القناة 12» العبرية، أن «محور موراج» يهدف إلى تنفيذ خطة «الإجلاء الطوعي» حسب زعمها لسكان قطاع غزة، وتقصد التهجير القسري وفقا لخطة الحكومة اليمينية وتلك الخطة التي أعلنها سابقا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وترافقت تلك التصريحات مع أعمال حربية على الأرض، وسع خلالها جيش الاحتلال هجماته، فإلى جانب الهجوم على مدينة رفح، بدأ هجوم آخر على مدينة غزة، والبلدات الواقعة شمالي القطاع، في الوقت الذي كان فيه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، ورئيس «الشاباك»روبين بار، يجريان جولة عسكرية في رفح، أعلن خلالها قائد الجيش أن قواته توسّع نطاق الهجوم في عمليتها، والتي ستستمر وتتعمق بالوتيرة المحددة لها.
وجاء هذا التهديد والوعيد، بعدما أعلنت إسرائيل رفضها لخطة جديدة قدمها الوسطاء المصريون والقطريون، تهدف إلى وقف إطلاق النار من جديد، وجاء الرفض بعد إعلان حركة حماس على لسان الدكتور خليل الحية رئيس وفدها في مفاوضات التهدئة قبول المقترح، وقد عبر في بداية الأسبوع الماضي، عن أمله بألا يعطلَه الاحتلال ويجهض جهود الوسطاء، وقال إن حركته تعاملت مع كل العروض بمسؤولية وإيجابية، لكنه في ذات الوقت اتهم نتنياهو بانه أجهض كلَّ محاولاتِ الوسطاءِ الوصولَ إلى اتفاق يضمن وقفَ إطلاقِ النارِ الكاملِ والانسحابِ الشاملِ من غزة.
وأكد أن الاحتلال كعادته كان يماطل ويتهرب من الوصول للاتفاق، بهدف إطالة أمد الحرب، وبقاء حكومته أطولَ مدة ممكنة، لافتا إلى أن نتنياهو يدرك أن بقاءَ حكومتِه مرهونٌ ببقاء هذه الحرب.

رفض خطة الوسطاء

وفي دلالة على هذا الموقف، كشفت تقارير عبرية أن هناك ملاحظات وضعت على مقترح الوسطاء، بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وذكرت صحيفة «هآرتس»، أن مقترح إسرائيل الذي سلمته للوسطاء ينص على الإفراج عن 10 أسرى أحياء، إضافة إلى نصف القتلى، بدلا من خمسة أسرى في بداية العودة للتهدئة، وذكرت أن حماس تطالب بالتزام بشأن إنهاء الحرب، حتى لو وافقت حاليا على أحد الاقتراحات المطروحة، وهو أمر لم تعط فيه إسرائيل ردا.
وحسب الخطة المذكورة، يتعين على حماس في اليوم الخامس تقديم معلومات كاملة عن حالة جميع الأسرى، بما في ذلك قائمة مفصلة بأسمائهم، وفي اليوم العاشر إطلاق سراح جثث 16 أسيرا، وهو ما يقدر بنصف عدد غير الأحياء من الرهائن، على أن تجرى خلال أيام الهدنة مفاوضات حول «اليوم التالي»، بما في ذلك المنطقة الأمنية، وتجريد قطاع غزة من السلاح، وما إلى ذلك.
لكن خطة إسرائيل ومقترحاتها الجديدة لا تشمل الالتزام بإنهاء الحرب، إلا حال تمت عملية التبادل كاملة، وجرى التوصل إلى اتفاق بشأن نزع السلاح من القطاع، ونفي كبار قادة حماس.
كذلك ذكرت قناة « i24NEWS» الإسرائيلية، أنه بعد الإعلان الإسرائيلي عن إخلاء سكان رفح، أن إسرائيل تخطط لزيادة الضغوط على حماس لحملها على الموافقة على الاتفاق، وذلك بعد أن قررت حكومة تل أبيب اتباع سياسة «الضغط الأقصى»، وفي انذار لما يخطط له الاحتلال في قادم الأيام، ذكرت أن ما يجري من إخلاء لرفح، «ليست سوى البداية» على ما أفاد مصدر أمني رفيع المستوى، والذي أضاف أن التطور الأبرز في سياق المفاوضات هو الإعلان عن إخلاء سكان رفح، وفي الوقت نفسه، تشمل نشاطات الجيش الإسرائيلي في الأيام المقبلة توسيعا كبيرا للمناطق الأمنية، من خلال تنفيذ عمليات في الشمال والجنوب والشرق من الجو وعلى الأرض تمهيدا لدخول القوات البرية، ووفق المصدر الأمني، فإنه يجري التخطيط لعملية قوية يُأمل منها أن تخلق زخمًا يسهم في إطلاق سراح الأسرى، بحيث يتم السيطرة على الأراضي وإخلاء السكان من منطقة ستصبح جزءًا من المنطقة الأمنية لإسرائيل. وفي دلالة على حجم الدمار والمجازر، أكد تقرير جديد للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن إسرائيل «تمارس سياسة الأرض المحروقة»، ضد سكان قطاع غزة، من دون الاكتراث للقوانين الدولية أو الاتفاقيات الإنسانية، وسط صمت وعجز دولي غير مقبول، مشدّدًا على ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة تضع حدًا لهذه المجازر وتوفر الحماية الفورية للمدنيين العزل، وذلك بعد تصاعد المجازر الدامية.
وتجدر الإشارة إلى أن حركة حماس ترفض خطط الاحتلال نزع سلاحها في غزة، أو نفي كبار قادتها، وهو ما من شأنه أن يبقي على التصعيد العسكري، خاصة بعد شروط إسرائيل غير المقبولة، حيث كشف النقاب مؤخرا أن الحركة رفضت أيضا الرد على المقترح الإسرائيلي المعدل للتهدئة.

أوضاع إنسانية صعبة

ومن المؤكد أن تزداد الأوضاع سوءا في قطاع غزة، بسبب تصعيد العدوان واستمرار الحصار، حيث قال فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين «الأونروا» إن غزة تمر بـ «واحدة من أحلك اللحظات في إنسانيتنا المشتركة»، داعيا إلى وضع حد لمعاناة أهل القطاع بدءا باستئناف وقف إطلاق النار.
وأوضح لازاريني، في منشور على موقع إكس أن «الناس في غزة يُعاملون وكأنهم كرات تتقاذفها الأوامر العسكرية التي تتلاعب بمصيرهم وحياتهم»، منبها إلى أن أوامر النزوح الجديدة تُسبب ذعرا وقلقا وعدم يقين خلال أيام العيد، «وهو وقتٌ من المفترض أن يجتمع فيه الناس مع عائلاتهم وأحبائهم»، وتساءل «أين يُفترض أن ينتقل الناس؟»، مشيرا إلى أن غزة «تتعرض للقصف في كل مكان»، خلافا للنزاعات الأخرى، حيث يمكن للناس فيها أن يجدوا ملاذا آمنا، وأضاف أن غزة «مغلقة تماما مثل قفص، والحدود مغلقة، والمستلزمات الأساسية ممنوعة من الدخول».
وانتقد المسؤول الدولي الصمت على ما يحدث لسكان غزة وقال «يعيش هناك مليونا شخص، نصفهم من الأطفال. كيف يُسمَح بهذا، على مرأى ومسمع من العالم، في غياب تام لأي رقابة أو مساءلة».
أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، فقد حذر من أن استمرار الهجمات على غزة، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف، وسقوط مزيد من القتلى والجرحى المدنيين وتدمير البنية التحتية الحيوية، وكذلك أوامر الاخلاء القسري الجديدة «تعرض المدنيين لمخاطر الأعمال العدائية وتحرمهم من الوصول إلى الخدمات الأساسية التي تعتبر ضرورية لبقائهم على قيد الحياة».
وأشار إلى أنه بسبب الحصار الإسرائيلي يستمر تعليق دخول المساعدات إلى غزة، ما يؤثر بشكل مدمر على المحتاجين، خاصة بعد إغلاق جميع المخابز الـ 25 التي كان يدعمها برنامج الأغذية العالمي خلال فترة وقف إطلاق النار، وذلك بسبب نقص الدقيق وعدم توفر غاز الطهي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية