بيروت – «القدس العربي»: «اليوم جنازة أمي. هذه الجملة ليس لها معنى. إنها مفككة. أكررها بطريقة ميكانيكية. اليوم جنازة أمي. لقد سُمح لي بالذهاب. في السرير فوق سريري على عكس المعتاد شريكي في الغرفة صامت. كنت حصلت على السرير السفلي بسبب ساقي المبتورة. ضباب خفيف يطفو في فناء الباحة الداخلية. والضبابية نفسها تُربك عقلي. أنا اتأفف من وقت إلى آخر. يجلب لنا السجّان وجبة ساخنة. لا شهية. وأنا مستلق على سريري في العتمة، أكرر الشيء نفسه، وأجمع الكلمات في تسلسل غير منطقي محاولاً أن افهم معناها. من دون أن أنجح. إنه الفراغ الذي يسكنني، متجمداً من الداخل. سكتة قلبية، هكذا قيل لي. ورغم كل شيء كانت تنتظرني.
هو مطلع نص ميشال تيّان، والذي حمل عنوان «وحيدان في العالم»، ضواحي غزّة 2023.
ميشال تيان تعمل المونتاج والتمثيل، وأخرج فيلم «عكس السير». وقع الاختيار على كلمتها عبر القرعة. إذ جميع الكلمات وفّت بهدفها من هذا الكتاب الهادف. نصوص ستبقى حاضرة مدى الزمن لتناولها جريمة العصر المتلفزة مباشرة. والهدف الأبعد أن يخرج الكتاب من لبنان ليصل إلى الدول الفرنكوفونية وكل العالم، وبغير ذلك نستمر في دائرة مخاطبة الذات. ولد هذا الكتاب في المكتبة العامة لبلدية بيروت – مونو، وضم أسماء لامعة في الأدب الفرنكفوني اللبناني من نساء ورجال، ومن أعمار مختلفة بين الشباب والكهول والكبار.
سعادة انطوان بولاد مسؤول فرع مونو بادية على محياه بولادة كتاب «Des mots pour Gaza». ففي هذه المكتبة كانت لقاءات وفعاليات ثقافية وفكرية متعددة تناولت الإبادة المستمرة على ناس غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما وشهدت المكتبة عدّة قراءات من الكتاب، ومن قبل الكاتبات والكتّاب. كتاب من 200 صفحة صادر عن دار كلمة، يجمع بين دفتيه نصوصاً لـ25 كاتبا وكاتبة فرنكوفون، وبولاد أحدهم.
يخبرنا انطوان بولاد عن ولادة كتاب « Des mots pour Gaza» ودور رندة عرقتنجي «المناضلة من أجل قضية فلسطين وغزّة منذ زمن بعيد» ويقول: يمكنني القول إن رندة تحترق يومياً وهي تتابع ما يجري في غزّة. وهي من عرضت على معارفها من الكاتبات والكتّاب، التعبير من مشاعرهم من خلال الكتابة الأدبية، وكان ترحيب بالفكرة. ومن بين الكاتبات نضال حداد التي تمتلك دار كلمة للنشر، تولّت طباعة الكتاب ونشره.
بعد الكتابة الأولى لـ»كلمات من أجل غزّة» نُظّمت ورشة كتابة بإدارة جورجيا مخلوف، وجرى تداول في النصوص المُنجزة. ينوِّه انطوان بولاد بتنوع مقاربة موضوع غزّة في النصوص وغناها. وإلى التنوع الكبير والقوي، يركز بولاد على أن النصوص تلتقي جميعها على أن «جرحاً عميقاً وبليغاً بات محفوراً لدى كل إنسان لبناني أو عربي، أو أي انسان في العالم، بعدما بات واضحاً انهيار الإنسانية المريع».
وهذا ما عبّرت عنه النصوص.
مرحباً بفكرة توزيع الكتاب عبر مكتبة معهد العالم العربي في باريس قال بولاد: إنها فكرة مطروحة للبحث، ويفترض أن نضاعف نشاطنا لمزيد من نشر الكتاب. فدورنا ككتّاب لا يقتصر على التعبير فقط، بل أيضا نشره في اوسع نطاق ممكن.
يُذكر أن ماريا ابو شرف رسمت غلافاً معبراً لكتاب «كلمات من أجل غزّة». يجمع بين التراث الفلسطيني بخاصة الكوفية، والبطيخ الذي حلّ مكان العلم الفلسطيني حيث هو ممنوع من الظهور.
إلى الزيتون المتجذر في أرض المسيح منذ ولادته، والشموع بدموعها المنهمرة. والمفتاح رفيق الفلسطيني اللاجئ كان حاضراً. اللجوء والإنتقال الذي كسر الأرقام القياسية بين ناس غزّة، منذ بدء الجرائم الصهيونية والمنازل المدمرة، بقي منها المفتاح لكنه صغير ومعاصر، بخلاف مفاتيح النكبة.