في بداية الألفية الجديدة، أطلق قطاع كبير من جماهير كرة القدم المصرية على نادي الإسماعيلي لقب «السوبر الماركت» الخاص للنادي الأهلي، وذلك بسبب سلسلة الصفقات التي أبرمها العملاق القاهري سواء من قلعة الدراويش بشكل مباشر، أو عن طريق ما يُعرف إعلاميا في بلاد الفراعنة بـ«الكوبري»، بالاتفاق مع اللاعب المستهدف بالذهاب إلى ناد آخر، ريثما يعود إلى الوطن عبر بوابة «مختار التتش»، منهم على سبيل المثال الأسطورة خالد بيبو، وملك الحركات محمد بركات، وصاحب الرئات الثلاث أحمد فتحي، وقائد الدفاع عماد النحاس، والظهير الأيمن المميز إسلام الشاطر، وشريك رحلة الكفاح سيد معوض في الجهة الأخرى، وغيرها من الأسماء التي جاءت من معقل السمسمية لتبني قواعد المجد في حقبة الملك البرتغالي مانويل جوزيه والساحر محمد أبو تريكة التاريخية، التي شهدت عودة المارد الأحمر إلى سابق عهده في القارة السمراء، بعد غيابه عن الساحة الأفريقية لأكثر من عقد من الزمان، ما بين اعتذاره عن المشاركة في البطولات القارية، اعتراضا على تراكم أخطاء الحكام وعقوبات الكاف القاسية في حق النادي، وبين تمنع الأميرة السمراء على الفريق، بحكم الغياب عنها وتركيزه على المسابقات العربية الرائجة آنذاك، لكن آخر ما كان يتوقعه أو ينتظره عشاق النادي الأكثر شعبية من الخليج إلى المحيط وفي الماما أفريكا، أن يتحول غريمه الأزلي نادي الزمالك، إلى «السوبر ماركت» المفضل بالنسبة له في السنوات القليلة الماضية، وهذا العام على وجه التحديد.
بداية الصراع
بدأ صراع الكبيرين على صفوة نجوم اللعبة، قبل أكثر من قرن من الزمان، وتحديدا في العام 1919، عندما كانت القاهرة تشتعل بالثورة الشهيرة ضد الاحتلال البريطاني، بقيادة الرئيس التاريخي لحزب الوفد الزعيم سعد باشا زغلول، في نفس التوقيت، كان أبو اللاعبين الكابتن حسين حجازي، يُحضر مفاجأة من العيار الثقيل، باتفاقه مع مسؤولي المختلط – نادي الزمالك حاليا- على الانتقال إليه، بعد أربع سنوات قضاها بين جدران القلعة الحمراء، مسببا أول صدمة لجماهير النادي الأهلي، في ما كانت بمعايير ولغة عصرنا الحالي أول صفقة انتقال كيدية بين العملاقين، وتبعه على نفس الخط في العام التالي السيد أباظة ثم علي الحسني في العام 1924، إلى أن جاء أول رد أهلاوي بخطف لبيب محمود في العام 1927، الذي تحول مع الوقت إلى مدرب تاريخي في الأهلي، ثم عاد الزمالك ليمارس هوايته القديمة، بخطف أحد أفضل اللاعبين في مصر والقارة في ثلاثينات القرن الماضي، وهو الأسطورة عبد الكريم صقر، الذي غادر الفريق الأهلاوي في العام 1935، لتدشين أيقونته بالقميص الأبيض فيما تبقى من مسيرته الكروية، بعدها توقف هذا الصراع لعدة عقود، حتى عندما عادت الظاهرة، لم تكن بهدف المكايدة أو بلغة جيل «Z» لقصف جبهة المنافس، وحدث ذلك في النصف الثاني من حقبة الثمانينات، حين قررت إدارة زعيم الكرة المحلية والقارية، التخلي عن المهاجم المستقبلي وقتها جمال عبد الحميد، لأسباب تتعلق في المقام الأول للشكوك الكبيرة حول جاهزيته وقدرته على استعادة مستواه ومعدلاته البدنية التي كان عليها قبل تعرضه لإصابة سيئة على مستوى الساق، وعلى إثرها اضطر للخضوع لعملية جراحية، أبعدته عن الملاعب أكثر من عام ميلادي، ليضطر اللاعب إلى الذهاب إلى الغريم التقليدي، لكن ما لم يتوقعه أصحاب القرار في «مختار التتش»، أن ينفجر عبد الحميد بهذه الطريقة، التي جعلته يحجز مكانه في التشكيل الأساسي للمنتخب المصري، الذي كان قد تأهل لتوه لكأس العالم للمرة الثانية في تاريخه على حساب المنتخب الجزائري في تصفيات مونديال إيطاليا 1990، وفي الأخير ختم مسيرته، كواحد من رموز وأساطير البيض الأبيض، ونموذج يُحتذى به حتى الآن في تسجيل الأهداف بضربات الرأس.
صفقات القرن
في منتصف عقد التسعينات، أخذ مسلسل انتقال اللاعبين من الزمالك إلى الأهلي والعكس، منحى آخر، وكانت البداية بالصفقة التي هزت الرأي العام المصري في صيف 1993، والإشارة إلى مايسترو وسط الزمالك وأفضل لاعب مصري في ذاك الموسم رضا عبد العال، كأول لاعب محلي تتخطى قيمته حاجز النصف مليون جنيه، في عصر ما قبل التصديق على قانون بوسمان، بعبارة أخرى، في زمن كان يتقاضى فيه نجوم الصف الأول ما يقرب من 20 لـ30 ألف جنيه مصري في الموسم الواحد، وعلى الرغم من الجودة العالية التي كان يمتلكها عبد العال في ذروة مشواره الاحترافي، إلا أنه اصطدم بأكثر من مدرب ألماني، من النوعية التي تُفضل أصحاب المعدلات البدنية العالية على المواهب الخام والمبدعين، أبرزهم هولمان وتسوبل، ما أثر بشكل سلبي على مسيرته وأرقامه الفردية مع الفريق الأحمر، لكن في الوقت ذاته، لم يقلل من شعبيته لدى جماهير النادي، بالتعامل معه دائما على أنه نجم الشباك الأول، كنوع من أنواع المكايدة في جماهير المنافس، وبعد سنوات تعد على الأصابع، أحدث الرئيس التاريخي لممثل ميت عقبة الدكتور كمال درويش، زلزالا في الشارع الكروي المصري، بفضل ما وُصفت آنذاك بصفقة القرن، بالحصول على توقيع التوأم الأسطوري للغريم الأهلي حسام وإبراهيم حسن، بعد استغناء الإدارة عنهما فور انتهاء عقدهما في صيف 1999، وسرعان ما ظهرت بصمة العميد وشقيقه، بقيادة الفريق لاستعادة لقب الدوري المحلي، بعد هيمنة الأحمر على البطولة لسبعة مواسم على التوالي، وفي الأخير غادر القلعة البيضاء وفي سجله 11 بطولة، أبرزهم آخر لقب دوري أبطال أفريقيا حققه الفريق في العام 2002، وبالتزامن مع رحيل التوأم، تعاقد الزمالك مع المشاغب الأهلاوي الشهير إبراهيم سعيد، وأيضا بعد سلسلة من المشاكل داخل النادي، لكنه في النهاية، لم يظهر بالنسخة المعروفة عنه، كلاعب جوكر يملك من الجودة ما يكفي لشغل مركز لاعب الوسط المدافع أو في قلب الدفاع، في المقابل، حاول الأهلي رد الصاع صاعين لغريمه، بخطف الثلاثي طارق السعيد، ومحمد صديق ومعتز بالله إينو في الفترة بين عامي 2006 و2007، لكنهم لم يقدموا تلك الإضافة المتوقعة رفقة جيل تريكة وبركات وجمعة الذهبي.
ما قبل السوبر ماركت
ظلت الأمور هادئة نوعا ما بين العملاقين طيلة هذه الفترة، باستثناء صفقة انتقال مؤمن زكريا، التي خطفها الأهلي بعد تألق اللاعب بالقميص الأبيض في فترة إعارته من نادي إنبي عام 2014، ومع نجاح مؤمن في التعبير عن نفسه كما ينبغي، وبالأخص كلما لعب ضد الزمالك، عادت مرة أخرى ظاهرة الصفقات النارية بين الناديين، وكانت البداية الحقيقية أو الشرارة التي مهدت لاشتعال الموقف، ما فعله رئيس الزمالك السابق المستشار مرتضى منصور، باتفاقه مع عبدالله السعيد، في أوج لحظاته مع الأهلي عام 2018، وعلى الرغم من تدخل الخطيب بالتعاون مع المستشار تركي آل الشيخ، لمنع السعيد من الذهاب إلى العدو المحلي، إلا أن اللاعب لم يلمس الكرة مرة أخرى بالقميص الأحمر، وبعدها أجبر على الخروج في تجربة للنسيان مع كووبيون بالوسيورا، فقط ليكون جاهزا للمشاركة مع المنتخب في مونديال روسيا، ثم ببيعه نهائيا إلى أهلي جدة السعودي، ومنه عاد إلى بيراميدز ثم الآن مع الزمالك، لكن هذا لم يمنع الأهلي من الرد العنيف، من خلال خطف محمود عبد المنعم كهربا، بعد إرساله إلى بنفيكا بطريقة الكوبر، حتى يعود إلى بيت الطفولة في عام جائحة كورونا، وبعدها ثلاث سنوات، وبالتحديد في صيف 2023، فجر نادي القرن مفاجأة مدوية، بالتوقيع مع لاعب الزمالك إمام عاشور، بعد أشهر قليلة من احترافه في الدنمارك، في صفقة أصابت جُل عشاق الملكي المصري بالإحباط وخيبة الأمل، لاعتقادهم بأن اللاعب لن يلعب في مصر إلا لناديهم، استنادا إلى مقولته المشهورة «أنا من صغري زمالكاوي»، فيما اعتبرها مجلس الزمالك الحالي بقيادة الكابتن حسين لبيب، فرصة على طبق من ذهب للتعاقد مع لاعبين يحملون «DNA» الأهلي، أبرزهم بعد السعيد، أحمد حمدي وناصر ماهر.
ويبقى كل ما سبق في كفة، وما قاله لبيب في مقابلته الموثقة مع الإعلامية لميس الحديدي في كفة، حين هدد نظيره الأهلاوي محمود الخطيب، بالتعاقد مع المزيد من أبناء القلعة الحمراء، إذا أراد ذلك، فجاء الرد القاسي في بداية هذا العام، بالتوقيع مع الدولي المغربي أشرف بن شرقي، الذي كان يلقب من قبل جماهير الزمالك في سنواته الذهبية مع النادي بـ«بن قلبي»، فيما كانت أشبه بالصفقة المدمرة نفسيا ومعنويا للكتيبة البيضاء، أو كما وصفها الكاتب حازم إمام «طعنة في ظهر الزمالك»، قبل أن تأتي القنبلة النووية، التي فجرها أحمد سيد زيزو الأسبوع الماضي، بالتصديق على التسريبات التي تؤكد صحة انتقاله إلى كتيبة المدرب مارسل كولر، ضمن القائمة النارية التي يعمل النادي على تحضيرها لكأس العالم للأندية المقررة هذا الصيف في الولايات المتحدة الأمريكية، والأخطر من ذلك على قطب الكرة المصرية الثاني، ما يقال في وسائل الإعلام، عن احتمال انتقال محمود حمدي الونش أو حسام عبد المجيد إلى زملاء الأمس المنضمين حديثا إلى «مختار التتش»، ونفس الأمر بالنسبة لمعشوق الجماهير قبل احترافه في فرنسا مصطفى محمد، كواحد من الأسماء المرشحة لتدعيم الفريق في مونديال الأندية، ولا ننسى أن الخطيب يفعل ما يحلو له في الغريم العاصمي، بقوة وتأثير وسحر المال، بعد عشرات الملايين من الدولارات التي أنعشت الخزينة نظير الألقاب القارية والمحلية التي توج بها الفريق في السنوات الماضية، أهمها دوري أبطال أفريقيا 4 مرات في آخر 5 سنوات، بجانب المشاركة في آخر 5 نسخ لكأس العالم للأندية بالنظام القديم وإلخ، ولهذا تحول الزمالك إلى «السوبر ماركت» المفضل لغريمه، بدلا من ماركت الدراويش قبل عقدين من الزمان.