إيران في قبضتنا و”كوريلا في منصبه”.. إسرائيل في حيرة: لماذا تراجع ترامب؟

حجم الخط
0

رئيس الوزراء لم يتفاجأ عندما بلغه مبعوث الرئيس ترامب ستيف ويتكوف ببدء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران – المفاوضات التي بدأت السبت الماضي في عُمان.
يمكن الافتراض أن إسرائيل كانت على علم بالخلافات في الإدارة حول مسألة النووي الإيراني؛ من جهة معسكر الصقور وعلى رأسه مستشار الأمن القومي مايكل فالتس ومسؤولو البنتاغون ممن يطلبون تدمير البرنامج النووي الإيراني، ومن الجهة الأخرى نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الدفاع بيت اغسف، ورئيسة الاستخبارات تولسي غبارد، والمبعوث ويتكوف، الذين يسعون إلى اتفاق يشمل تجميداً للبرنامج ورقابة متشددة. قبل بضعة أيام من رحلة نتنياهو العاجلة إلى الولايات المتحدة كان واضحاً بأن يد المعسكر المعتدل هي العليا.
وأفادت “نيويورك تايمز” ليل الأربعاء على لسان مسؤولين كبار في الإدارة بأن إسرائيل “بمشاركة كاملة مع الولايات المتحدة خططت لهجوم على منشآت النووي في إيران، ويحتمل في الشهر القادم، لكن الرئيس ترامب استخدم الفيتو على العملية في صالح القناة الدبلوماسية. وحسب التقرير، في 2 نيسان التقى قائد المنطقة الوسطى الأمريكية الجنرال مايكل كوريلا مع مسؤولين إسرائيليين كبار وأطلعهم بذلك. أما نتنياهو الذي كان في هنغاريا، فقد اتصل بترامب في محاولة لإرجاعه عن قراره. أما الرئيس فأجاب بأنه غير معني ببحث ذلك هاتفياً، ودعاه إلى البيت الأبيض.
خرج نتنياهو من لقائه مع ترامب بيدين فارغتين. وبقيت الخطة العسكرية على الورق، وتبين أيضاً بأن الرئيس ورجاله لا تملكون خطة متبلورة لخوض المفاوضات وما يريد تحقيقه من خلالها باستثناء ألا يكون لإيران سلاح نووي. من توقع منه قولاً صريحاً عن التزامه بتصفية البرنامج النووي الإيراني – خاب ظنه.
العبث أن إيران اليوم في قمة ضعفها كدولة وكمجتمع، لكنها دولة حافة نووية يمكنها في غضون أشهر معدودة من لحظة القرار أن تحوز سلاحاً نووياً عملياتياً تهددنا به وتهدد دول المنطقة، بل وحتى أوروبا والولايات المتحدة. عملياً، إيران تقترب من مكانة كوريا الشمالية التي تحوز سلاحاً نووياً وصواريخ بعيدة المدى، وبالتالي تتمتع بالحصانة.
جهاز الأمن الإسرائيلي مقتنع بأننا إذا لم نعمل في غضون أشهر معدودة لإزالة التهديد، فسنفوت فرصة تاريخية. بتقدير كل محافل الأمن في إسرائيل، وكذا محافل غير قليلة في البنتاغون وأسرة الاستخبارات الأمريكية، فإن إنجازات حرب “السيوف الحديدية”، وأساسا الهجوم الأخير على إيران، إلى جانب التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه، تشكل نافذة فرص لهجوم على منشآت النووي وتدميرها من أساسها. ستكون نافذة الفرص مفتوحة لزمن قصير، ربما لأشهر فقط. ما إن تغلق، حتى يكون الهجوم أقل نجاعة بكثير وسيجبي ثمناً أكبر ممن سيهاجم. ثمة اعتبار مهم آخر، وهو أن كوريلا، الذي يؤيد الهجوم على منشآت النووي، سينهي مهام منصبه بعد عدة أشهر، ولن نعرف ما موقف بديله وكم يمكن الاعتماد عليه في الوقوف إلى جانب إسرائيل في هذه المسألة.
هذه الفرضيات هي التي أدت إلى خطة الهجوم التي عرقلها ترامب. وحسب “نيويورك تايمز” فقد أمر نتنياهو بداية الجيش الإسرائيلي إعداد خطة تدمج بين اجتياح كوماندو لمواقع نووي تحت أرضية وبين هجوم من الجو. لكنه خيار شطب عن جدول الأعمال. أراد نتنياهو تنفيذ هجوم مبكر قدر الإمكان، قبل غلق نافذة الفرص، وبدأ جهاز الأمن يبلور خطة بديلة لهجوم جوي واسع يحتاج إلى مساعدة أمريكية – ليس فقط في الدفاع عن إسرائيل من رد إيراني، بل أيضاً في الجانب الهجومي.
بالمناسبة، إسرائيل لا يغضبها التسريب الأمريكي وتفهم بأنه جاء لخلق ضغط على إيران والإظهار بأن التهديد العسكري جدي وملموس، ناهيك عن أن التفاصيل التي نشرت في “نيويورك تايمز” ليست كلها دقيقة.
التطلع: نموذج القذافي
لفهم الوضعية الحالية، ينبغي تحليل الاعتبارات الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
الرئيس ترامب، في ولايته الثانية والأخيرة، يريد أن يدخل صفحات التاريخ كمن وضع حداً لنزاعات مضرجة بالدماء في أرجاء العالم من خلال المفاوضات التي يرى نفسه خبيراً فيها. وإذا أمكن الحصول على جائزة نوبل وعلى الطريق زق إصبع في عين كريه روحه بايدن – يكون أفضل. الواقع الحالي في الشرق الأوسط يبدو في نظر الرئيس ومستشاريه فرصة لتحقيق مبتغاه، وهو يريد تحقيق هذا الإنجاز في زيارته القريبة إلى المنطقة، في نهاية أيار أو بداية حزيران. ترامب معني بالإعلان عن صفقة تضع حداً لتطلعات إيران بسلاح نووي وتوسيع اتفاقات إبراهيم من خلال إعلان السعودية عن التطبيع مع إسرائيل.
رحلة ترامب إلى الشرق الأوسط ستكون منعطفاً في الساحة العالمية. وبدون إزالة التهديد النووي الإيراني – هذا لن يحصل. وعليه فقد أوضح الرئيس بأنه غير مستعد لان يضيع الوقت على مفاوضات طويلة وانه إذا لم يتحقق اتفاق، فسيلجأ إلى الخيار العسكري الذي جمد حالياً.
التهديد ليس فارغاً من المضمون. فالولايات المتحدة تجمع قوة هجومية ودفاعية واضحة في الشرق الأوسط، بل وتمنح إيران نموذجاً لقدراتها ونواياها حين تقصف بلا انقطاع الحوثيين في اليمن. لكن إسرائيل تخشى من أن جمع القوة والتهديدات التي يطلقها ترامب تستهدف أساساً خلق ضغط وعي على إيران، وفي النهاية لن يرغب في تبذير أموال دافع الضرائب الأمريكي على حرب أخرى في الشرق الأوسط وتعريض جنود أمريكيين يرابطون في القواعد في العراق وقطر والسعودية والبحرين للخطر. وعليه، كما تقدر إسرائيل، سيفضل ترامب المساومة على اتفاق نووي سيئ على أن يتمكن من التباهي بإنجازاته الدبلوماسية.
يسود لدى جهاز الأمن والمستوى السياسي في إسرائيل إجماع على حظر الاكتفاء بأقل من تدمير تام لقدرات إيران النووية. بمعنى: تفكيك منشآت التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، وتدمير تام لمفاعل المياه الثقيلة وإخراج كل اليورانيوم المخصب الذي جمعته إيران إلى دولة ثالثة. إضافة إلى ذلك، كشف وهدم منشآت تطوير وإنتاج السلاح النووي نفسه، بما في ذلك الرؤوس المتفجرة النووية للصواريخ. تفضل إسرائيل إجراء هذا على أيدي الأمريكيين وبإشرافهم، بشكل لا تتمكن فيه إيران من إعادة ترميم وتطوير برنامجها النووي العسكري ومنظومات إنتاج الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة.
من خلف هذا كله فهم استراتيجي إسرائيلي يعتقد بأن تفكيك البرنامج النووي الإيراني سواء بطريقة عسكرية أم بمفاوضات، سيوجه ضربة شديدة لنظام آية الله قد تؤدي إلى سقوطه، مثلما حصل لنظام القذافي في ليبيا. وعندها سيزال عنا التهديد النووي. ما دام النظام على حاله، فستعيد إيران بناء برنامجها النووي. العملية العسكرية التي خططت لها إسرائيل، وكبحها ترامب حسب “نيويورك تايمز”، كان يفترض أن تخلق ظروفاً محسنة لانهيار النظام في طهران.
أما إيران، التي تستشري فيها البطالة وعملتها في أسفل الدرك في كل الأزمنة، فمعنية برفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا عنها، ولتكون لها إمكانية تصدر النفط، أساساً للصين. لكنها لن توافق على التنازل عن مكانتها كدولة حافة نووية. وحتى لو وقعت على صفقة مع الولايات المتحدة، فستبقي لديها قدرة على اقتحام سلاح نووي في غضون أسابيع أو أشهر قليلة. وهي اليوم قادرة على الوصول إلى جهاز نووي متفجر في غضون 12 يوماً، وفي غضون أسابيع قليلة ستحوز على ما يكفي من المادة المشعة – أي اليورانيوم المخصب لمستوى 90 في المئة – تكفي لست قنابل. ولإيران ترسانة من مئات الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة، ولبضع عشرات منها قدرة لحمل رأس نووي متفجر.
إسرائيل وإن ضربت قسماً من قدرات الدفاع الجوي الإيرانية التي تحمي منشآت التخصيب بل ودمرت، حسب منشورات أجنبية، والخلاطات المتطورة التي تنتج الوقود الصلبة للصواريخ، لكن بقي لدى إيران آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي بنتها منذ انسحب ترامب من الاتفاق النووي في 2018، ولا تزال لديها منشآت تطوير وإنتاج الصواريخ. ويقدر الخبراء بأن التخلي عن هذه الوسائل، فما بالك عن البرنامج النووي كله، سيمس بمكانة النظام، بل وكفيل بانهياره، كما تتطلع إسرائيل.
رون بن يشا
يديعوت أحرونوت 18/4/2025

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية