دخان البلاستيك موت يتربص بالمواطنين في غزة

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

منذ أن أغلق الاحتلال الإسرائيلي معابر غزة مطلع آذار/مارس الماضي، وتوقف على إثر ذلك ضخ الوقود وغاز الطهي إلى غزة، بدأ السكان وحتى التكايا والمطاعم باستخدام بدائل سامة من البلاستيك والنايلون وقطع القماش والإسفنج كبديل عن غاز لطهي الطعام، من دون الاكتراث بحجم المخاطر الصحية التي يسببها انتشار الدخان الأسود داخل البيوت وفي الطرقات.
ومنذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، لجأت العديد من العائلات إلى استخدام البلاستيك وقطع القماش لإشعال النيران وإعداد الطعام، نتيجة شح غاز الطهي وارتفاع تكاليفه، حتى أن الحطب بات يباع بأسعار مرتفعة لا يقدر الكثيرون على شرائه في ظل تردي أوضاعهم المعيشية .
وتسبب عوادم البلاستيك وغيرها من البدائل السامة عن غاز الطهي والحطب أمراضا خطيرة، من أهمها إصابة الجهاز التنفسي بالتهابات حادة إلى جانب إصابة العيون بحساسية وأمراض خطيرة، وحذرت وزارة الصحة في غزة من خطورة استخدام السكان بدائل خطيرة لإشعال النيران لطهو الطعام، وقالت الوزارة في تصريحات صحافية، إن هناك تزايدا في تسجيل حالات إصابة المواطنين بسرطان الرئة إثر انتشار عوادم سامة نتيجة حرق البلاستيك والقماش لإعداد الطعام، وبينت الوزارة أن تسجيل الحالات كان أكبر لدى شريحة النساء عن الرجال، ويعود ذلك إلى تعرض النساء بشكل يومي ومستمر لدخان النار خلال إعداد وجبات الطعام.
وبالرغم من المناشدات التي أطلقتها وزارة الصحة والعديد من المنظمات الصحية العاملة في غزة، والتي تحذر من خلالها المواطنين بضرورة تجنب البدائل السامة، إلا أن ضيق الخيارات والامكانيات يجبر المواطنين على الاستمرار في استخدام مواد خطيرة وسامة في إعداد الطعام، خاصة في ظل المجاعة التي تحدق بهم وحرمان الاحتلال السكان من الحصول على الغذاء السليم والخدمات الأساسية .
وبات مشهد بحث المواطنين بين المنازل المهدمة وفي الطرقات عن قطع البلاستيك والحطب وغير ذلك أمرا اعتياديا، في ظل حاجتهم الماسة للحصول على النار لإعداد الطعام، ويزداد الأمر خطورة مع استخدام أصحاب الأفران الشعبية زيوتا محروقة من بقايا زيت السيرج في إشعال الأفران المخصصة لإنتاج الخبز، بعد توقف عمل المخابز التي كانت تعمل بالغاز والسولار، حيث تنتج هذه الأفران عوادم خطيرة وبات مشهد الضباب الأسود يخيم على الأجواء في غزة .
المواطن جهاد فايز في العقد الثالث من عمره، يخرج في كل صباح لجمع ما هو متوفر من غالونات بلاستيكية من مخلفات مواد التنظيف، إلى جانب قطع النايلون والقماش المهترئة على عربة حديدية، لاستخدامها في إشعال النار وتحضير وجبات الطعام والمشروبات الساخنة من دون الاكتراث إلى مدى خطورة الدخان الأسود المحمل بمواد سامة، واحتمالية إصابته وأفراد أسرته بأمراض خطيرة.
يقول لـ«القدس العربي»: «الاحتلال الإسرائيلي يتعمد منع إدخال الغاز كجزء من سياسة العقاب التي يمارسها علينا كمدنيين عزل، وهو يريد من وراء ذلك قتل المواطنين، فهو لا يوفر وسيلة إبادة ضد الغزيين إلا ويستخدمها، سواء بالصواريخ والتجويع، أو بتوجه الناس إلى استخدام أدوات سامة وخطيرة كبدائل عن مستلزمات مقطوعة».
ويشير إلى أن «دخان الحطب أخف ضررا من دخان البلاستيك ومشتقاته، لكن الاستنزاف الكبير منذ بداية الحرب للأخشاب، أدى إلى شح كبير في الحطب، حتى أن الأمر وصل بالكثيرين إلى اقتلاع الأشجار واستخدام الحطب لإعداد الطعام وبالتالي الإضرار بالبيئة، لكن اليوم هناك شحا كبيرا جدا في الحطب، وإن توفر يباع بأسعار مرتفعة، لذلك يفضل الكثير استخدام البلاستيك وغير ذلك من البدائل المتوفرة بالمجان، وهي أسرع أيضا في الاشتعال».
أما أم فضل عزيز فهي تعاني من أزمة صدرية منذ سنوات، وازداد وضعها الصحي سوءا نتيجة جلوسها لساعات يوميا أمام فرن من الطين، تعمل على تحضير الخبز للمواطنين، وتستخدم البلاستيك وقطع الأحذية المهترئة في إشعال الفرن لعدم توفر بدائل آمنة .
توضح لـ«القدس العربي» أنها تذهب يوميا إلى إحدى النقاط الطبية القريبة من منزلها في حي الشيخ رضوان وسط مدينة غزة، من أجل الحصول على تبخيرة تهدئ من أوجاع صدرها وضيق التنفس الذي يلازمها، نتيجة التلوث الهوائي السام والخطير الذي تتعرض له يوميا خلال عملها في إشعال النار بأدوات غير آمنة وخطيرة على الصحة.
ولفتت إلى أنه «وبالرغم من تدهور وضعها الصحي نتيجة تعرضها لاستنشاق الدخان السام، إلا أنها مجبرة على مواصلة عملها في تحضير الخبز وجني المال، وفي المقابل طبخ الطعام لسد رمق جوع أسرتها، لعدم وجود خيارات بديلة، وهذا هو حال جميع السكان الذين يعانون من انقطاع توريد غاز الطبخ منذ ما يزيد عن شهرين على التوالي».
وبينت أن «الحطب وبعد شح توفره، باتت أسعاره مرتفعة بعدما كان متوفرا سابقا ونحصل عليه بدون مقابل مادي، حيث كان يباع الكيلو قبل أشهر قليلة بشيكل واحد، ولكن بعد زيادة الطلب عليه ارتفع سعر الكيلو الواحد خمسة شواكل، وهذا دفع الكثير من المواطنين لاستخدام بدائل أوفر حتى لو كانت مضرة وخطيرة».
ولم يقتصر استخدام قطع البلاستيك وغيرها من البدائل السامة على المواطنين في بيوتهم، بل أن أصحاب المطاعم الشعبية المنتشرين في الطرقات العامة، يستخدمونه في تحضير الفلافل والفول وغير ذلك من الأطعمة، وعندما يمر المشاة من جوار هذا المطاعم، يحرصون على الابتعاد نتيجة الخطر الشديد، بعد أن بات مشهد الدخان الأسود الكثيف المتصاعد من داخل هذه المطاعم روتينا يوميا، ويزداد القلق أكثر في ظل غياب الرقابة الحكومية، وتفشي حالة الفوضى في غزة.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي تشديد حصاره على قطاع غزة منذ بداية الحرب مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث يحرم السكان من الحصول على الغذاء والدواء والوقود، ويربط فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية وإدخال الوقود بالإفراج عن الرهائن المحتجزين في غزة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية