لندن ـ «القدس العربي»:كما جرت العادة في هكذا مواعيد فارقة في منتصف نيسان/ابريل الحاسم.. ارتدى معطفه الأسود الصوف الذي يتفاءل به دائما في المعارك الكروية الكبرى في قلب «سانتياغو بيرنابيو»، على أمل أن يكون «تميمة الحظ» أو «كلمة السر» في فوز فريقه وتأهله إلى الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا، مثلما يحدث في كل مرة سواء في ولايته الأولى أو الحالية، لكن في سهرة الأربعاء الماضي، لم تسر الأمور كما يخطط لها أو يريدها المدير الفني لريال مدريد كارلو أنشيلوتي، بعد انكشاف الخديعة التي عاشها جمهور النادي الميرينغي منذ بداية الموسم، وفي رواية أخرى يتبناها الكثير من مشاهير اللعبة على رأسهم الدولي المصري السابق أحمد حسام ميدو، انتهى مفعول أو تأثير ذاك الساحر الأفريقي الذي يرافق المستر كارليتو كظله في حياته الاجتماعية بعيدا عن أضواء الشهرة وعدسات المصورين في ملاعب كرة القدم، والأمر لا يتعلق فقط بالخروج المذل من ربع نهائي الكأس ذات الأذنين بعد السقوط أمام آرسنال بنتيجة 5-1 في مجموع مباراتي الذهاب والعودة، بل أيضا في النسخة المتواضعة للغاية التي بدا عليها حامل اللقب أمام دابته السوداء، كأسوأ أداء فردي وجماعي في الفرق الثمانية التي خاضت مواجهات ربع النهائي، بما في ذلك الفرق الثلاثة التي ودعت البطولة، مثل أستون فيلا الذي هزم باريس سان جيرمان بثلاثية مقابل اثنين في إياب «الفيلا بارك»، في ملحمة كادت تنتهي بريمونتادا تاريخية، لولا تعملق الحارس الإيطالي جيجي دوناروما في أكثر من مناسبة في الدقائق الأخيرة، ونفس الأمر ينطبق على بوروسيا دورتموند، بعد نجاحه في تحقيق ما عجز عنه كل خصوم برشلونة هانز فليك منذ بداية العام الميلادي الجديد، كأول فريق يتمكن من هزيمة متصدر الدوري الإسباني في 2025، بالرد على رباعية ملعب «المونتجويك» في الذهاب، بثلاثية مقابل هدف بالنيران الصديقة في إياب «سيغنال أيدونا بارك».
حتى بايرن ميونخ كان قاب قوسين أو أدنى من كتابة ريمونتادا لا تنسى أمام بطل الكالتشيو إنتر على ملعبه «جوسيبي مياتزا» وأمام جماهيره، في مباراة أعادت إلى الأذهان الصورة المحفورة عن الزعيم البافاري، كفريق بإمكانه إحراج أي منافس في القارة العجوز، ولولا غياب التوفيق وتألق الحارس سومير في الوقت المحتسب بدل من الضائع، لانتهى الوقت الأصلي بتقدم الضيوف بثلاثية مقابل اثنين، لكن في الأخير انتهت بالتعادل الإيجابي بهدفين في كل شبكة. الشاهد عزيزي القارئ، أن كل الفرق بلغة كرة القدم «لعبت بقتالية وآمنت بحظوظها حتى صافرة النهاية»، باستثناء الفريق الملكي الذي تسبب في صدمة مزدوجة لجماهيره وعشاقه في كل أرجاء المعمورة، الأولى بالخسارة المهينة كرويا، والثانية بظهور الفريق وكأنه على بعد سنين ضوئية من مدفعجية آرسنال وباقي المتأهلين للمربع الذهبي من حيث الأفكار الجماعية والجمل التكتيكية داخل المستطيل الأخضر، ويبقى سؤال المليون دولار هنا.. من المسؤول الأول عن انهيار حامل اللقب ووصوله إلى قاع الحضيض الكروي؟ بعدما كان المرشح الأوفر حظا للاحتفاظ باللقب للمرة الثانية على التوالي والسادسة عشر في تاريخه في وصول «الغالاكتيكوس» كيليان مبابي في بداية الموسم جنبا إلى جنب مع أبطال الكأس الخامسة عشر فينيسوس جونيور، وغود بيلينغهام وردريغو غوس، هذا ما سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.
لعنة المنحوس
لا يُخفى على أحد، أن الميغا ستار الفرنسي مبابي، غادر ناديه السابق باريس سان جيرمان، لتعزيز فرصه في التتويج بالأميرة البيضاء مع نادي القرن الماضي والحالي، وسط توقعات تلامس عنان السماء، بأنه سيعيد إحياء تجربة صاروخ ماديرا كريستيانو رونالدو، أو على أقل تقدير سيقوم بنفس الدور الذي كان يلعبه ثاني أفضل هداف في تاريخ النادي كريم بنزيمة، قبل انتقاله إلى اتحاد جدة السعودي في صيف 2023، كمحطة يرتكز عليها فيني ورودريغو في الثلث الأخير من الملعب، بجانب دوره الأهم، كصاروخ باليستي بشري في دفاعات الخصوم، لكن مع الوقت، تبين أن العدو الأكبر رئيس نادي برشلونة جوان لابورتا، أصاب كبد الحقيقة، بتوقعه الشهير في بداية الموسم، بأن صفقة انتقال مبابي إلى «البيرنابيو» ستجلب الكثير من المشاكل في غرفة خلع الملابس، وهذا ما اعترف به حامي عرين الفريق تيبو كورتوا، في حديثه مع وسائل الإعلام بعد انتكاسة الإياب أمام مدفعجية لندن، ملقيا باللوم على ما وصفها بـ «الفرديات»، قائلا بالنص «كان من الصعب إيجاد المساحات أمامهم، لعبنا الكثير من الكرات العرضية، لكن هذا العام لا نملك خوسيلو، المهاجم الفذ في المقدمة الذي يمكنه أن يجد الحل في الكرات العرضية ويتعامل معها بعناية، يجب أن ننتقد أنفسنا وننظر إلى كل شيء بجدية، علينا القيام بالمزيد من اللعب الجماعي وعدم الاعتماد على الفرديات فقط، إذا راقبوا فيني أو مبابي، فإن اللعب لن يكون فعالا»، في إشارة واضحة وصادمة للجميع داخل النادي، بأن التخلي عن المكافح خوسيلو – رجل اللحظات الصعبة في إقصائيات الموسم الماضي- من أجل التوقيع مع الهداف التاريخي لـ «بي إس جي»، أضر بمصلحة الفريق، والشيء المؤكد أن الحارس الدولي البلجيكي، لا يقصد التقليل من شأن زميله الجديد، بل تعمد إيصال الكثير من الرسائل للرئيس فلورنتينو بيريز ومجلسه المعاون، منها ما يُجمع عليه أصغر مشجعي مدريدي قبل خبراء النقد وأصحاب الأنامل الذهبية في «ماركا» و«آس» وباقي المنابر البيضاء المحسوبة على النادي، بأن إستراتيجية المدرب وأفكاره داخل الملعب، لا تتماشى أبدا مع إمكانيات وقدرات لاعبيه، بالأحرى لا تساعدهم على إخراج أفضل ما لديهم من أجل المنظومة الجماعية، والدليل الإصرار على إرسال ما يزيد عن 40 كرة عرضية في إياب الأربعاء الماضي، من دون الاستفادة ولو من عرضية واحدة، وهذا كما نعرف جميعا، لعدم وجود رأس حربة صريح رقم (9)، وهذا لا يعكس سوى غياب الرؤية بالنسبة للرجل الإيطالي، الذي ظل يراهن على الحلول الفردية لنجومه في الهجوم، إلى أن استيقظ على الكابوس، الذي وضعه على دائرة الشحن، ريثما يسلم الراية لخليفته المستقبلي قبل الجولة الصيفية، إلا إذا حدثت معجزة في ما تبقى من الموسم، وهذا لن يتحقق إلا بقلب الطاولة على الغريم الأزلي برشلونة، بالفوز عليه في المباراة النهائية لكأس ملك إسبانيا، واستعادة صدارة الليغا في الأمتار الأخيرة.
شرارة المشروع
صحيح المدرب كارلو أنشيلوتي، أدار مباراتي الذهاب والإياب، بأسوأ طريقة وسيناريو كان ينتظره جمهور الريال، بما في ذلك إصراره على تكرار أخطاء الأمس القريب، بالمقامرة على ديفيد آلابا في مركز الظهير الأيسر ولوكاس فاسكيز في الجهة اليمنى، وفشله في تطويع المواهب المتفجرة في الهجوم لخدمة الأداء الجماعي، لكن هذا لا يقلل أبدا من العمل الرائع الذي قام به المدرب مايكل آرتيتا، الذي اكتفى بالرد بشكل عملي على المشككين في جودته وطموحاته كمدرب من فئة الصفوة في البريميرليغ وأوروبا، في ما اعتبرها الكثير من النقاد والمتابعين بمثابة منعرج الطريق الحقيقي لمشروع المدرب الإسباني مع أصحاب الجزء الأحمر من شمال لندن، أو على أقل تقدير «الشرارة» التي كان يبحث عنها تلميذ الفيلسوف بيب غوارديولا، لترسيخ قواعد حكمه في قلعة «الإمارات» لسنوات قادمة، على طريقة قائد نهضة ليفربول في العصر الحديث يورغن كلوب، الذي احتاج أكثر من أربع سنوات من أجل تحويل أحمر الميرسيسايد إلى فريق يهابه الجبابرة والعمالقة قبل الأندية المتوسطة والصغيرة، تحديدا منذ توليه المهمة في تشرين الأول/اكتوبر عام 2015 وحتى تتويجه بلقب دوري أبطال أوروبا على حساب توتنهام في نهائي نسخة 2019، وفي الموسم التالي كسر عقدة البريميرليغ للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، لكن النهاية السعيدة لموسم آرتيتا وفريقه، ستتوقف بنسبة كبية على مدى الاستفادة من الدفعة المعنوية الهائلة التي تحصلوا عليها بعد إقصاء حامل اللقب والمرشح الأول للقب من ربع النهائي، كما استفاد من قبل تشيلسي في رحلة إخضاع الأميرة البيضاء الثانية في العام 2021، ومانشستر سيتي في الموسم قبل الماضي، ولو أنه بصرف النظر عما سيحدث في ملحمة النصف النهائي أمام باريس سان جيرمان، سيكون من الصعب الاختلاف على بصمة المدرب الأربعيني وتأثيره الكبير على الأداء الفردي والجماعي للفريق.
صحيح المهمة استغرقت منه سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة، لكن في النهاية، يبدو وكأن الرجل في طريقه لجني ثمار تعبه ومجهوداته الكبيرة في الفترة الماضية، فقط يحتاج المضي قدما بنفس الطريقة بعد العظمة التي قدمها أمام ريال مدريد، إذ شاهدنا مباراة تكاد تكون من طرف واحد في أغلب أوقاتها، باستثناء الدقيقة القليلة التي أعقبت ركلة الجزاء التي أهدرها بوكايو ساكا في الشوط الأول، في ما كانت أشبه بالصحوة الكاذبة لأصحاب الأرض، وسرعان ما انطفأت بعد تراجع حكم المباراة عن احتساب ركلة جزاء لمصلحة كيليان مبابي بعد الرجوع إلى تقنية الفيديو، لدرجة أن الفريق الميرينغي احتاج 58 دقيقة كاملة لتهديد مرمى حامي عرين الضيوف رايا، في المقابل كان بإمكان فريق آرتيتا قتل المباراة إكلينيكا بهدفين نظيفين في أول ساعة لعب، لكن تألق الحارس تيبو كورتوا، أبقى على نتيجة التعادل السلبي، إلى أن فعلها بوكايو ساكا في أول ربع ساعة في الشوط الثاني، مترجما تفوق فريقه الساحق منذ إطلاق صافرة البداية، والمثير للدهشة والاستغراب، أن القدر أعطى أنشيلوتي ورجاله فرصة من العدم، بتلك الهفوة النادرة التي ارتكبها صمام أمام دفاع الغانرز ساليبا، التي سجل منها فينيسيوس هدف التعادل السريع، مع ذلك، بالكاد لم يشعر أحد بتلك الفوضى أو ذاك الحدث النادر، الذي كان يرفع جرعة «الأدرنالين» لدى لاعبي الريال، كما اعتادت الجماهير في هكذا مواعيد، بتحول اللاعبين إلى وحوش كاسرة في اللحظات الصعبة في بطولة النادي المفضلة، لكن ما حدث، أن هذه البروبجاندا، كانت في مدرجات «سانتياغو بيرنابيو»، وفي الشوارع المحيطة بالقلعة، لكن داخل المستطيل الأخضر، كانت الغلبة والأفضلية للفريق الضيف، الذي عرف كيف يعزل ثلاثي الهجوم المدريدي وصانع ألعابهم عن بعضهم البعض، بعمل جماعي يُدرس بداية من منظومة الوسط الذي يقودها بامتياز رجل المباراتين ديكلان رايس ومعاونه مارتن أوديغارد، بالإضافة إلى مجهود الجندي المجهول في المواعيد الكبرى توماس بارتي، حيث لعب ثلاثي وسط آرسنال، دورا محوريا في استقواء رباعي الدفاع بقيادة ساليبا والبديل الموفق جاكوب كيويور، بالإضافة إلى الظهيرين تيمبير والاكتشاف لويس سكيلي، على مبابي ورفاقه في الهجوم، وشاهدنا معاناة بيلينغهام في عملية الخروج بالكرة، وصعوبة تواصله مع فيني في الجهة اليسرى، في ظل محاصرة كل لاعب بثلاثة لاعبين في كل المواقف في وسط ملعب الفريق الإنكليزي، أشبه بطريقة «القفص» لإجبار كل لاعب في الهجوم للاعتماد على نفسه أمام غابة من سيقان لاعبي الغانرز، ما سهل المهمة على الدفاع اللندني، إصرار الفريق الأبيض على الاعتماد على إرسال العرضيات واللعب بعشوائية، لدرجة أن المدافع الألماني أنطونيو روديغر، كان يتقدم إلى الأمام لتقمص دور المهاجم رقم (9) للتعامل مع هذا السيل من العرضيات الفاشلة، وكلمة السر، أن أنشيلوتي لم ينتبه أنه سيكون على موعد مع واحد من أقوى خطوط الدفاع في إنكلترا وأوروبا، نتحدث عن فريق لم يتجرع من مرارة الهزيمة 3-0 في آخر 80 مباراة، فكان من الطبيعي أن تبتسم الكرة للطرف الأقوى والأكثر تنظيما داخل الملعب على حساب صاحب الخبرة والتاريخ الذي وقع في فخ الفردية، أو بعبارة أخرى تفرق دمه بين نجومه الذين أخفق المدرب في إخراج أفضل ما لديهم، معيدا إلى الأذهان سنوات الجفاف مع جيل الغالاكتيكوس الأول بعد وصول رونالدو الظاهرة، وديفيد بيكهام، ومايكل أوين إلى لويس فيغو وزين الدين زيدان وراؤول غونزاليس وباقي رجال كأس الأبطال التاسعة، فهل يا ترى سينجح آرتيتا وفريقه في استغلال هذه الدفعة المعنوية التي لا تُقدر بثمن لإنهاء الموسم بأفضل طريقة ممكنة؟ أم سيرفع الراية البيضاء في الملحمة المنتظرة أمام باريس سان جيرمان في نصف النهائي؟
تكافؤ نادر
بلغة العقل والمنطق، فأقل ما يُمكن قوله إن فرص آرسنال وباريس سان جيرمان، تكاد تكون متكافئة ومتساوية بنسبة 50 لـ 50 في المئة، نتحدث كما أشرنا أعلاه عن واحد من أقوى الفرق الإنكليزية والأوروبية، من حيث التماسك والصلابة الدفاعية، لدرجة أنه لم يتأثر بغياب عناصر بحجم الوافد الجديد ريكاردو كالافيوري وقائد الدفاع غابرييل في أهم اختبارين في الموسم أمام ريال مدريد، وفي الوقت ذاته، يملك ما يكفي من الأسلحة والترسانة البشرية القادرة على تحطيم أعتى الدفاعات في إنكلترا وأوروبا، متمثلة في الخيال العلمي الذي يقدمه العائد في الوقت المناسب من الإصابة بوكايو ساكا، والعداء البرازيلي غابرييل مارتينيلي، ومن خلفهم ملك مهاجمة المساحات بين الخطوط ديكلان رايس، والمفاجأة السارة ميكيل ميرنو، الذي نجح بامتياز في تعويض الألماني كاي هافرتز وكذلك غابرييل جيسوس في مركز المهاجم الوهمي، في المقابل، يتسلح العملاق الباريسي بتنوع لا يُصدق في الحلول الفردية التي يطوعها اللوتشو لويس إنريكي لخدمة المنظومة الجماعية، متمثلة في انطلاقات برادلي باركولا، ومفاجآت القادمين من الخلف كفاراتسخيليا، وديسير دوي، وفيتينيا وجواو نيفيز وفابيان رويز، وفي المقدمة هداف الفريق عثمان ديمبلي، ناهيك عن تأثير الظهيرين أشرف حكيمي ونونو مينديز، فقط يُعاب على الفريق الباريسي، أنه في بعض الأوقات، يفقد الثقة والسيطرة على مجريات الأمور، بتلك الطريقة التي كادت تتسبب في خروجه أمام أستون فيلا، في المباراة التي خسرها الفريق بنتيجة 3-2، وربما لولا صمود دونارما في اللحظات الصعبة، لامتدت المباراة للأوقات الإضافية، وذلك في الوقت الذي كان يعيش فيه بطل الليغ1، أتعس لحظاته داخل المستطيل الأخضر، ولو أن هذا في حد ذاته، من شأنه أن يرفع من وعي وخبرة اللاعبين في طريقة تعاملهم مع المباريات التي يمكن حسمها بأقل مجهود ممكن، وبالنسبة للبعض الآخر، هذا ما يُعرف بعامل التوفيق الذي كان يتخلى عن باريس سان جيرمان في اللحظات الصعبة في الكأس ذات الأذنين في السنوات الماضية، أو درس مستفاد بالنسبة لإنريكي وفريقه، كفرصة نادرة يتعرض الفريق لهذا الموقف، الذي لا يعيشه أبدا أمام خصومه المحليين في الدوري الفرنسي، لذا سيكون من رابع المستحيلات التكهن بنتيجة مباراتي «الإمارات» و«حديقة الأمراء»، لاختلافها عن مباراة مرحلة الدوري، التي حسمها آرسنال بثنائية نظيفة، قبل أن تظهر ملامح مشروع إنريكي، وأيضا قبل أن يصل آرتيتا وفريقه إلى قمة النضج الكروي، وما نشاهده في الآونة الأخيرة من تحول مذهل في شخصية الفريق داخل المستطيل الأخضر، من فقر فني ومشاكل في خلق الفرص أمام المرمى، والاعتماد على الكرات الثابتة، إلى منظومة جماعية متنوعة وقادرة على خلخلة أي خط دفاع في العالم، بتلك الطريقة التي كشروا بها عن أنايبهم أمام كبير القوم، بالأحرى بالطريقة التي أبطلوا بها مفعول الساحر الأفريقي المرافق لأنشيلوتي -وفقا للكابتن ميدو-.
على سيرة تكافؤ الفرص في الدور نصف النهائي، أيضا سيكون من الصعب التكهن بما سيحدث في الملحمة الأخرى التي ستجمع برشلونة بإنتر، خاصة بعد الدرس الذي تعلمه فليك في «سيغنال أيدونا بارك»، بالعودة من هناك بخسارة تندرج تحت مسمى محرجة، بالاكتفاء بتسجيل هدف بالنيران الصديقة عن طريق الدولي الجزائري رامي بن سبعيني، مقابل ثلاثة أهداف هز شباك الحارس البولندي تشيزني، الذي أنقذ بمفرده ما لا يقل عن ثلاثة فرص محققة بنسبة 100في المئة، في مباراة كشفت تأثير غياب مايسترو الوسط بيدري، قبل أن يدفع به المدرب فليك في الشوط الثاني لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بإعطاء الفريق أفضلية في إحكام سيطرته على وسط الميدان وتدوير الكرة بطريقة أرهقت لاعبي دورتموند، وتبعه أشرك إريك غارسيا كلاعب ارتكاز رفقة بيدري، ليمنح الفرصة لدي يونج للتقدم للألمام كصانع لعب للسيطرة أكثر على وسط الميدان، مع إخراح يامال الذي لم يكن في أفضل أحواله والدفع بتوريس في الجانب الأيسر وتحريك رافينيا في الجانب الأيمن، وهو ما مكن البرسا من فرض سيطرته على اللقاء في الأمتار الأخيرة، إلى أن وقع أراوخو في المحظور، بتلك الهفوة التي أهدت أسود الفيستيفاليا الهدف الثالث، ونفس الأمر ينطبق على أفاعي النيراتزوري، بعد النجاة من فخ بايرن ميونخ، في القمة الإيطالية الألمانية، التي خرج منها المدرب سيموني إنزاغي بالعديد من الدروس المستفادة، أبرزها استغلال لحظات التفوق كما ينبغي، وعدم إعطاء المنافس أي فرصة للعودة في المباراة، والأهم عدم المبالغة في الدفاع، بهذه الطريقة التي تسببت في تعرض الحارس سومير لسيل من الهجمات المؤكدة في الدقائق الأخيرة، وذلك بعد التعجل في استبدال قائد الهجوم ورجل مباراتي الذهاب والعودة لاتارو مارتينيز، فيما أعطى إشارة لمدرب المنافس فينثنت كومباني، وكأن بطل الكالتشيو، قرر الدفاع بكل خطوطه في آخر 10 دقائق، التي مرت كالدهر على عشاق السوبر غراندي، لكن في كل الأحوال، ستكون موقعة برشلونة أشبه بالقصة الجديد والمختلفة كليا عن صدام البايرن، نظرا للاختلاف الجذري في أسلوب إنتر وبرشلونة، إذ يصنف متصدر جنة كرة القدم، كواحد من الفرق التي تتمتع بخط دفاع فولاذي على طريقة آرسنال، عكس فريق فليك، الذي يقامر بالدفاع المتقدم لإجبار خصومه على الوقوع في مصيدة التسلل، هذا بخلاف امتياز فريق الإنتر في ألعاب الهواء، كأفضل فريق في أوروبا على مستوى الفوز في ألعاب الهواء بنسبة 59 في المئة، كواحدة من الوسائل أو الأدوات التي قد تمكن إنزاغي من ضرب دفاعات البلو غرانا، مع وصول لاوتارو وتورام إلى قمة التناغم والانسجام في ما يخص الجمل التكتيكية والتحركات بالكرة وبدونها لضرب دفاعات الخصوم بأقل عدد ممكن من التمريرات في الثلث الأخير من الملعب، فهل يا ترى سيستمر فليك على نهجه الجريء؟ أم سيتعامل بطريقة أخرى لإيقاف خطورة ثنائي هجوم إنتر والقادمين من الخلف هاكان وباريلا ومختريان؟ أم هناك سيناريو آخر خارج التوقعات في مباراتي الذهاب والعودة؟ هذا ما سنعرفه في الأربعاء الأخير من نيسان/ابريل الجاري وقبلها بـ24 ساعة ستتوجه الأنظار نحو ملعب «الإمارات» لمشاهدة قمة آرسنال وباريس سان جيرمان في ذهاب نفس المرحلة -نصف نهائي دوري أبطال أوروبا-.
قراءة مفيدة للجميع.