من مشاركة السفير في الافتتاح الرسمي للقنصلية العامة التركية بمدينة وهران
الجزائر- “القدس العربي”:
وسط تزايد نفوذ تركيا في المنطقة، يحل وزير الخارجية التركية هاكان فيدان بالجزائر، في زيارة تستمر ليومين بهدف بحث العلاقات الثنائية والنظر في التطورات الدولية خاصة في الساحل وليبيا وفلسطين. وتبدو العلاقات الجزائرية التركية في أفضل حالاتها من الناحية الاقتصادية، لكنها لا تخلو من تباينات في وجهات النظر في مسائل إقليمية.
وفي أجندته المقررة، ينتظر أن يرأس فيدان برفقة نظيره الجزائري أحمد عطاف، الاجتماع الثالث لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا والجزائر. كما سيكون له لقاء مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ويشارك في الافتتاح الرسمي للقنصلية العامة التركية بمدينة وهران. ويرتقب أن تشكل المحادثات التحضيرات الجارية لاجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، والمزمع عقده خلال زيارة الرئيس تبون إلى تركيا التي لم يحدد موعدها بعد.
سيكون الشق الاقتصادي الذي يمثل حاليا عصب العلاقات، حاضرا بقوة في الزيارة، خاصة في مجال الطاقة، حيث باتت الجزائر تحتل مكانة هامة على صعيد ضمان أمن الطاقة لتركيا
وسيكون الشق الاقتصادي الذي يمثل حاليا عصب العلاقات، حاضرا بقوة في الزيارة، خاصة في مجال الطاقة، حيث باتت الجزائر تحتل مكانة هامة على صعيد ضمان أمن الطاقة لتركيا، إلى جانب المشاريع الممكنة في باقي القطاعات حيث تعد تركيا من أكبر المستثمرين حاليا في الجزائر. يضاف إلى ذلك، إمكانية عقد مشاريع وشراكات في مجال الصناعات الدفاعية على أساس المنفعة المتبادلة، وفق ما نقلت وكالة الأناضول التركية. وتبلغ حاليا القيمة السوقية لاستثمارات الشركات التركية في الجزائر 6 مليارات دولار، مع طموح لرفعها إلى 10 مليارات دولار.
وتمثل القضايا الإقليمية جانبا آخر أساسيا في علاقة البلدين، خاصة في ظل الحضور التركي في مناطق تمثل امتدادا طبيعيا للأمن القومي الجزائري. ويبرز في هذا السياق، ملف الساحل كأولوية بعد الأزمة الأخيرة التي شهدتها الجزائر مع مالي ودولتي النيجر وبوركينافاسو المتضامنتين معها، والتي كانت تركيا حاضرة فيها بشكل غير مباشر، من خلال طائرة الدرون التي أسقطها الجيش الجزائري، بعد أن اخترقت أجواءه. وهذه الطائرة من صنع تركي، ويملك منها الجيش المالي عدة وحدات، وهي تشهد على تطور العلاقات التركية مع دول الساحل في الفترة الأخيرة.
وكان الدور التركي في المنطقة، محل تساؤلات لدى النخب الجزائرية مؤخرا، خاصة أن تمدد أنقرة تجاوز الإطار السياسي والاقتصادي، وأخذ بعدًا أمنيًا واضحًا، تجلّى في قيام أنقرة بتزويد الجيش المالي بأسلحة متطورة، وفي مقدّمتها الطائرات المسيّرة من طراز “بيرقدار”، والتي يتم استعمالها من قبل الجيش المالي في عمليات تطال شمال مالي الملامس للجزائر، تحت مبرر مكافحة الإرهاب، وهو ما أوقع عدة مجازر بحق المدنيين وأدى إلى تأجيج الأوضاع في المنطقة.
وظلت الجزائر كما هو معروف ترفض الحل العسكري في التعامل مع مطالب سكان شمال مالي وتنظيماتهم التي تحاول دفع سلطات باماكو للاعتراف بخصوصيات المنطقة، وهو ما توج سنة 2015 بالتوقيع على اتفاق السلك والمصالحة الذي ضمن إلى حد ما استقرار المنطقة وأوجد إطارا للتفاهم بعيدا عن العنف. لكن السلطات العسكرية المالية التي جاءت بها حركة الانقلاب الأخيرة، قررت بشكل مفاجئ التخلي عن هذا الاتفاق مع استعمال نبرة عدائية في التعامل مع الجزائر. واعتمدت سلطة الضابط أسيمي غويتا بالمقابل، على الحل العسكري لمواجهة التنظيمات المسلحة شمال مالي من خلال الاستقواء بميليشيا فاغنر الروسية وكذلك الاستعانة بمشتريات السلاح من تركيا. وأثار في هذا السياق، تصريح لسفير تركيا في مالي مؤخرا الكثير من الجدل بحديثه دون تحفظ، عن دعم بلاده لأنظمة دول الساحل.
لذلك، يرى مراقبون أن زيارة وزير الخارجية التركي قد يكون هدفها الأساسي تأكيد حرص أنقرة أن حضورها في الساحل لا يصطدم بالمصالح الحيوية للجزائر، وهي نفس الآلية التي اعتمدت في النقاش مع روسيا شريك الجزائر الاستراتيجي الآخر.
يرى مراقبون أن زيارة وزير الخارجية التركي قد يكون هدفها الأساسي تأكيد حرص أنقرة أن حضورها في الساحل لا يصطدم بالمصالح الحيوية للجزائر
وفي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الجزائرية التركية زخماً لافتاً، انعكس في تبادل زيارات على أعلى مستوى. فقد قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارتين رسميتين إلى الجزائر، الأولى في يناير 2020، والثانية في نوفمبر 2023، التقى خلالهما الرئيس عبد المجيد تبون، وأجرى محادثات تناولت سبل تطوير التعاون الثنائي، كما ألقى كلمة في منتدى الأعمال الجزائري التركي الذي شهد حضورا اقتصاديا كبيرا.
وتوجت الزيارة الأخيرة لأردوغان بتوقيع 13 اتفاقية تعاون، من أبرزها تمديد اتفاقية استيراد الغاز الجزائري إلى تركيا لثلاث سنوات إضافية حتى عام 2027. وأكد الرئيس التركي في كلمته بالمنتدى أن تركيا تُعد أكبر مستثمر أجنبي في الجزائر خارج قطاع المحروقات، حيث توفر الشركات التركية نحو 5 آلاف فرصة عمل للجزائريين، معرباً عن أمله في رفع حجم الاستثمارات التركية إلى 10 مليارات دولار، مقابل 6 مليارات في ذلك الوقت.
من جهته، وصف الرئيس عبد المجيد تبون العلاقات الجزائرية التركية بأنها “قوية وذات آفاق واعدة”، مشدداً على وجود إرادة سياسية صادقة من الجانبين لدفع عجلة التعاون نحو مستويات أعلى. كما قام الرئيس تبون بزيارة ثانية إلى تركيا في يوليو 2023، وركزت هذه الزيارة على تعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية، ما يؤكد الطابع الاستراتيجي للعلاقات الثنائية، وفق التصريحات الصادرة عن الرئيسين.