أمريكا تسحب قوات من سوريا إلى العراق… ومحلل لـ«القدس العربي»: ستنتقل لأدوار سياسية واقتصادية

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: انسحبت عشرات الآليات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية من مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في الحسكة شمال شرقي سوريا إلى شمالي العراق.
وأفادت صحيفة «عنب بلدي» بأن عشرات العربات المدرعة والشاحنات التي تحمل معدات لوجستية، انسحبت من الحسكة في اتجاه العراق عبر معبر الوليد الحدودي البري شمالي بلدة اليعربية.
وفق التقديرات، يبلغ عدد الآليات 150 آلية، بما في ذلك آليات ثقيلة ومواد دعم.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد أعلنت عزمها تقليص عدد قواتها في سوريا إلى أقل من ألف جندي خلال الأشهر المقبلة. وذكرت أن القوات المتبقية سيتم توحيدها تحت مظلة «قوة المهام المشتركة ـ عملية العزم الصلب».
كما كشف موقع «ميدل إيست أي» أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رفضت ضغوطاً إسرائيلية للإبقاء على وجود عسكري أمريكي أكبر في شمال شرقي سوريا، بهدف تقليص النفوذ التركي المتنامي في المنطقة.
وحسب الكاتب والباحث السياسي عمر كوش، هناك تغيرات في الموقف الأمريكي والسياسة الأمريكية تجاه سوريا، والمنطقة بشكل عام، وذلك مع بدء الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من سوريا.
وأضاف لـ «القدس العربي»: الانسحاب إلى الآن لم يتضح فيما إذا كان لكامل القوات أو مجرد خفض لعدد القوات الأمريكية، لكن في مطلق الأحوال، هذا الانسحاب أيا كان حجمه يؤشر إلى أن الإدارة الأمريكية لم تعد ترغب بأن يكون لها دور عسكري في سوريا، وحتى لو بقي وجود عسكري فيها فسيكون ضمن نقاط استراتيجية، ربما قاعدة مثل التنف أو قاعدة أخرى على سد تشرين أو سوى ذلك، وإبقاء عدد محدود من الجنود فيها، والانتقال سوف يكون للدور الاقتصادي والسياسي، وهذا ما يفسر أن الإدارة الأمريكية إلى اليوم لم ترفع العقوبات الاقتصادية على سوريا، وأنها بالرغم من الإشارات الإيجابية التي صدرت للرئاسة السورية، والحكومة السورية إلا أنها تفضل أن يكون هناك تريث في اتخاذ القرار».

المدخل الاقتصادي

المدخل الاقتصادي، برأي المتحدث هو عبر إعطاء تأشيرات دخول لوزيري الخارجية والمالية إلى جانب حاكم مصرف سوريا المركزي، لحضور اجتماعات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والذي تسيطر عليه واشنطن، وبالتالي هذا المدخل الاقتصادي الذي تريد منه واشنطن أن تهندس الاقتصاد السوري، وخاصة بانتظار البدء بإعادة الإعمار الذي يستوجب رفع العقوبات الاقتصادية.
واعتبر أن هذا الانسحاب لن يكون نهائيا، حيث قال: ليس صحيحا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تهتم بالمنطقة، بل على العكس سيبقى اهتمامها موجودا بالمنطقة بالنظر إلى وجود عدة عوامل منها وجود إسرائيل واستقرار الواضع في سوريا ضمن وحدة وسيادة التراب السوري، لأن أي فوضى مثل عودة تنظيم «داعش» وعودة النفوذ الإيراني هو ما لا ترغب به واشنطن.
وحول إمكانية تنامي دور تركيا بعد خفض القوات الأمريكية، قال كوش: سيكون هناك دور متنام لتركيا وهذا ما أوصله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارته الأخيرة لواشنطن، وطلب منه أن ينسق مع الجانب التركي، وهذا أفضى إلى المفاوضات بشأن عدم الاشتباك على الأرض السورية.
وبين أن المتضرر الأكبر هي قوات سوريا الديمقراطية، وهذا يشكل عامل ضغط إضافيا على قوات «قسد». وأشار إلى اتجاه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال شرق سوريا، للاندماج مع الجسم السوري الجديد، لأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تبقى حامية له إلى الأبد، وهذا يعني أن تسرع «قسد» في تنفيذ الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري الشرع مع قائدها مظلوم عبدي.

قيادي كردي تحدث عن إعادة تموضع وتعديل أعداد بما يتناسب مع متطلبات المرحلة

ومن جهة عسكرية، رأى الباحث في الشؤون العسكرية رشيد الحوراني، أن الانسحاب الأمريكي من سوريا يأتي تتمة لاستقرار البلد، الذي بدا التوافق الدولي عليه منذ سير عملية ردع العدوان وإسقاط النظام البائد، كما أن وجود القوات الأمريكية كان في عهد الرئيس بارك أوباما.
وبين أنه «بوجود إدارة ترامب التي تعلي من شأن المصالح في سياستها تتبدد هذه المناكفة، كون المصالح المتبادلة محققة بين تركيا وأمريكا، والانسحاب الأمريكي بشكل عام هو دليل على تأييدها لسياسة حكومة دمشق العامة التي تقوم على اللاعنف في حل القضايا العالقة مع الأطراف المحليين، وسعيها لضمان حقوقهم بالحوار، سيما وأنها تابعت عن كثب كافة محطات التفاوض بين حكومة دمشق وقسد».

رسالة

وأوضح أن الانسحاب الأمريكي رسالة لكافة الأطراف المتداخلة على الساحة السورية، من أجل وقف استخدام هذه الساحة للمناكفات بينها، وضرورة العمل على استقرارها، سيما أنها أثرت على الأمن الدولي، والأمن الداخلي السوري وحصر السلاح، وكل المرافق السيادية كالمعابر في حالتنا بيد السلطات الشرعية، وهي خطوة إلى الأمام للاعتراف تدريجيا بدمشق.
لكن عضو مكتب العلاقات العامة في «مسد» وسكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) نصر الدين إبراهيم قال لـ «القدس العربي» إن الكلام عن الانسحاب الأمريكي مبالغ فيه أو غير دقيق، إذ تؤكد الولايات المتحدة رسمياً أنها باقية في سوريا، مع إعادة تموضع بعض القوات وتعديل الأعداد بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، وليس انسحاباً كاملاً.
العلاقات بين «قسد» والتحالف الدولي، وعلى رأسه أمريكا، وفق إبراهيم «هي علاقات استراتيجية قائمة على محاربة تنظيم «داعش» وضمان الاستقرار في شمال شرق سوريا، ولا مؤشرات جدية على فك هذا الارتباط حالياً».
وأضاف: «كما أن فرنسا أبدت نية لزيادة دورها العسكري في سوريا ضمن جهود مكافحة الإرهاب، ما يعزز من بقاء التحالف الدولي ودعمه لـ»قسد». في الوقت نفسه، هناك مؤشرات واضحة على تنامي العلاقات بين «قسد» ودمشق، سواء عبر قنوات الحوار الأمنية أو التنسيق في بعض الملفات، وهو ما يعكس توجهاً مزدوجاً لدى «قسد» للحفاظ على شراكتها مع التحالف، مع الانفتاح التدريجي على الدولة السورية ضمن حسابات واقعية للمستقبل».
وهو ما اتفق معه الباحث في الشؤون العسكرية عمار فرهود، حيث قال لـ «القدس العربي» إن «التحركات الأمريكية الأخيرة في سوريا تأتي ضمن الإعلان الذي قالته وزاره الدفاع الأمريكية وهو إعادة التموضع للقوات الموجودة في سوريا وتركيزها في المواقع الحيوية في شمال شرق سوريا حيث تتركز المنشآت النفطية والحدود العراقية وبؤر نشاط تنظيم داعش».
وبناء على ذلك، قرأ الباحث هذه التحولات من جهة عسكرية، باعتبارها تقنية و«إعادة منح القوات الأمريكية مزيداً من القدرة التكتيكية على التفاعل مع الأخطار الموجودة في تلك المنطقة ومنع وجود نقاط كثيرة لها قد يستطيع تنظيم «داعش» استهداف إحداها في ظل حديث أمريكي ودولي عن عوده محتمله للتنظيم».
وكان قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي، قد أعلن الأسبوع الفائت أن مرحلة الحرب انتهت.
وقال إن البلاد تدخل مرحلة جديدة تبتعد عن الحرب، مشيراً إلى أن المفاوضات مع الحكومة الانتقالية تسير بشكل إيجابي، في خطوة قد تمهد لاستقرار طال انتظاره في الشمال السوري، معتبرا أن المحادثات الجارية أسفرت عن اتفاق على تحييد سد تشرين عن أي عمليات عسكرية، مشدداً على أن إدارة السد ستكون مدنية بالكامل وسيعود إلى وضعه الطبيعي كمؤسسة وطنية خدمية سورية.
وأضاف: «مقاومة سد تشرين حققت أهدافها بحماية المنشآت الوطنية، واليوم نؤكد أن مرحلة الحرب انتهت، وسنلجأ كسوريين إلى الحوار لحل جميع الخلافات».
وأكد أن التفاهمات مع الحكومة الانتقالية إيجابية، مشيراً إلى أن الجانبين عازمان على منع أي محاولات لعرقلة الحوار أو زرع الفتنة، في إشارة واضحة إلى مساعٍ لبناء مسار سياسي داخلي قائم على الحوار والتفاهم، لا على التوتر والتصعيد.
وتعليقا على كلام عبدي قال فرهود: مظلوم عبدي الآن يقوم بتقديم تصريحات سياسية من ضمن الإطار الذي يقوم به الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، والتي تحمل انطباعا ايجابيا وانفتاحا على الأطراف الأخرى والرغبة في وجود حاله وطنية عالية جدا.
وزاد: «لا يوجد هناك أي تصريح يحمل طابعا انفصاليا أو عدائيا للحالة الوطنية المنتشرة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لكن الأفعال على الأرض لا تتطابق تماما مع التصريحاتـ وبالتالي فإن تصريحات مظلوم عبدي تأتي ضمن إطار الدبلوماسية الناعمة ومحاولة مسايرة الجو العام في سوريا الذي هو وطني بامتياز».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية