عَيْنُ المَكان

حجم الخط
10

تستوقفني وأنا أستمع إلى بعض العبارات المألوفة طرافتها. التوقف عند المألوف للتأمّل فيه قد يرفع عنه غبار العادة، ويزيل ركام الألفة ويجلو بريقه الذي كان له قبل أن يطمره التكرار. كذلك كان أمري مع عبارة (على عين المكان ) التي قد أسمعها على لسان مراسل صحافي يغطي حدثا وهو في مكان وقوعه، أو على لسان محقق في جريمة بعد أن ينتقل إلى المكان الذي حدثت فيه أو يقولها من تنقل ليرى سيارة يريد شراءها حيث هي. هذه الاستعمالات جعل عبارة (على عين المكان) عبارة شبه جاهزة لأنّ دلالتها كلية ناجزة: تأخذها جميعا أو تتركها جميعا.
ما سأفعله بهذه العبارة كي أحفر عن طرافتها الأولى هو أن أنزع عنها إِهَابَ الألفة، وذلك بأنْ أفكّكها وإعادة تركيبها بما في التفكيك من تحليل للعبارات إلى مكوناتها الأساسية حتى فهم بنيتها ووظائفها، وبما في التركيب من إعادة ترتيب لتلكم العناصر المفككة في بناء جديد، حتى أبيّن لك أنّ المعاني ليست ثابتة، بل قد تكون غير مستقرّة إن تغيرت العلاقات بين الكلمات في التركيب.
أوّل شيء في التفكيك هو العزل، أو الإزالة، لذلك سأفصل حرف الجر عن المجرور، وأهتم بـ(عين المكان) وسأفترض أنّ هذه العبارة محوّلة عن عبارة أصلية هي (المكانُ عينُه) إي بلغة النحو العربي هي مركب توكيد تألف من مؤكَّد (المكان) وتوكيد معنويّ (عينه) فصار بفعل التحويل مركبا إضافيا بعد قلب وتبادل للمواقع بين (عين) و(المكان). عبارة (عين) هي من ألفاظ التوكيد المعنوي التي تقترب من عبارة (نفس) في قولك (المكان نفسه). حين تحدّث النحاة العرب عن التوكيد المعنوي، لم يعودوا إلى اشتقاق عبارة النفس والعين من معانيها المألوفة الدالة على العضو المبصر والروح، وهما معنيان يصبّان في الإحالة على الذات، أو الشخصية الفردية المحيلة على هويتها؛ أو لنقل الذات الواعية التي تعرف نفسها بنفسها بالإضافة إلى تلك الذات، وقد نظر إليها في إطار ثقافة جماعية وهوية عامة مشتركة تعترف لها بالتميز، ولكن أيضا بالانصهار في المثيل. أقصى ما قاله النحاة في علاقة النفس والعين كان له صلة بمعنيي «البعضيّة» و»الكلية»، فمن آرائهم في المسألة مثلا أنّ التوكيد المعنوي يكون بتكرير المعنى دون لفظه، فبدلا من أن تقول (المكان المكان) تقول (المكان عينه). ومن آرائهم أيضا أنّ كلا من (عين) و(نفس) يطلق في التوكيد المعنوي على ما يقبل التجزئة (كالمكان ) وما لا يقبله (كالإنسان)؛ ولكنّ (كل) و(بعض) و(كلتا) مثلا لا تطلق إلاّ على ما يتجزّأ. فلا علاقة لهذا الكلام بمعنى العين أو النفس، فمعناهما المعجمي قد غاب وانطمس واستقرّ الأمر على نسيانه، أو تغييبه ليصبح اللفظ دالا على شيء هو مشاكل لما أكّده: فالمكان يكون نفسَه أو عيْنَه أو يكون غيرَه. لكن كيف يمكن أن يكون المكان غير المكان؟

حسب مبدأ الهوية الوجوديّ، فإنّ الشيء هو ذاته يختصر في معادلة (أ=أ) بحيث أنه لا يمكن أن يشتركا في الخصائص وينفصلا في الوجود؛ فأنا أنا، وفي هذه الـ(أنا) كل جزء مطابق لمثيله: فعيني هي عيني ونفسي هي نفسي. كذلك الشأن بالنسبة إلى المكان فلا يمكن أن يكون غير المكان؛ لأنّ ذلك يفضي إلى تناقض. لكنّ المكان ومن منظار هيراقليطي قد يتغيّر فالنهر الذي تغمس فيه قدمَك أوّلا ليست مياهُه نفسها التي تغمسها فيه ثانية سيكون هو نفسه بما هو موقع فيزيائي، ولكنه لن يكون نفسه بما هو فضاء إدراكي أو رمزي. فالمكان الذي ولدت فيه هو عين المكان من حيث الموقع، لكنّه يتغير في إدراكنا له وفي إحساسنا به وفي رمزيّته ووظيفته حين نعود إليه كلّ مرّة بعد أن هاجرنا منه.
إنّ المكان، من الناحية الإدراكيّة، ليس امتدادا مادّيا، بل هو إسقاط تصوّري؛ قد أكون في مكان مغلق، ولكنني أنتشي بيني وبين نفسي بالاتساع. وهكذا يمكن أن تتغير بنية المكان في أذهاننا تبعا لسياق الانفعال؛ والمكان المحبوب يمكن أن يصبح مكروها بمرّ الزمن. المكان يُدرَك من خلال التجربة التي عشناها فيها، لا كشيء خارجي فقط. فالتحوّل في الوعي يجعل المكان نفسه يبدو غيره: هكذا هو حال المدرسة بعد التخرّج، والوطن بعد الغربة.
لنعد إلى انقلاب المركب التوكيدي (المكان عينه) إلى مركب إضافي (عين المكان)، فهذا القلب نجم عنه انتقال بين بؤرتين دلاليّتين إحداهما تركّز على المكان، والثانية تركّز على العين. والفرق بين (المكان عينه) و(عين المكان) من وجهة نظر عرفانية أنّ في الأولى تبئيرا على المكان باعتباره حدودا مضبوطة ضبطا دقيقا. لكنّ (المكان عينه) يفيد بأن الحديث يتم عن المكان ذاته دون تغيير، ويمكن أن يُفهم على أنه توكيد للمكان السابق ذكره، أو المفهوم ضمنا. الفرق بينهما دقيق جدا في اللغة العادية، لكنه يكتسب أبعادا مختلفة إذا نظرنا إليه من زاوية عرفانية.

فمن جهة البنية التصورية Conceptual Structure، فإنّ (عين المكان) بني فيها التركيب على استعارة مفهومية ضمنية مفادها أن (العين) مركز الرؤية؛ وهي تُستخدم بوصفها جزءا من شيء يمثّل دقته أو نواته. كما نقول (عين الشمس) أو (عين الحقيقة) هي النقطة التي يتركّز فيها الانتباه. ومن حيث التصور يركّز المتكلم العدسة الإدراكية على نقطة داخل حقل المكان؛ إنّها بنية انعكاسية فيها نؤكّد على الكيان ذاته وقد انعكس على مرآة ذاته، إذ نُعيد ربط المكان المذكور بسياقه السابق في الذهن، وننفي أن يكون هناك تغيير في الإطار. فلا وجود لتغير إدراكي في المرجع. وفي (عين المكان) تتحدّد وجهة النظر من الخارج، من زاوية الرؤية إلى نقطة في الفضاء. لكن في (المكان عينه) تكون وجهة النظر داخلية، تنطلق من المتكلم الذي يُدير الانتباه نحو شيء من المفروض أن يكون معلوما أو مذكورا، ويؤكد تطابقه. ويُمكن فهم (عين المكان) من جهة الجسدنة Embodiment التي تفترض أنّ فهمنا للعالم ينبني على التجربة الجسدية المعيشة، فإنّ هذه العبارة تدرك على أنّها تعبير عن تجربة مكانية متجذّرة في الإدراك الجسدي، وتحدث فيها محايثة حسية مع العالم. فنحن لا نُدرك المفاهيم بطريقة مجرّدة فقط، بل من خلال أجسادنا، أي من خلال الإحساس، والحركة، والتوجّه في الفضاء، والتفاعل مع الأشياء.

فعبارة (عين المكان) تُستخدم للإشارة إلى الموقع الدقيق، الذي حدث فيه شيء ما. لكن من جهة الجسدنة، فهي ليست فقط «إحداثيات» أو نقطة جغرافية، بل تُحيل إلى نقطة تلاقٍ حسّي: حيث تنشط كل الحواس (النظر، الشمّ، اللمس) لتكوين إدراك واقعي للمكان. إنّها تحيل على مركز تجربة: هو النقطة التي يتمركز فيها الفعل، وتوجَّه نحوها الأنظار، وفيها تتم المواجهة أو اللقاء أو الحدث. يصبح المكان مرجعية جسدية: فالعين هنا قد تُقرأ على أنها استعارة مجسَّدة، إذ تُستدعى الرؤية بوصفها أداة الإدراك المهيمنة. نحن ننظر (بعين الجسد)، إلى (عين المكان) إلى النقطة التي تُرى وتُشهَد وتُحسّ مباشرة. فالمكان يُجسَّد ككائن له عين هي مركز الرؤية، فيه تشير العين إلى النقطة الحيوية، أو الجوهرية في ذلك الفضاء. وهكذا يمكن ربطها بمفهوم الانتباه المجسد Embodied Attention، حيث لا يكون (المكان) حاضرا في الذهن إلا حين يكون التركيز عليه عبر الحضور الجسدي والفعلي.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية