قبل بضعة أشهر فاجأ الباحث في الأدب السوفييتي أليكسي كوناكوف الأوساط الأدبية الروسية بروايته الأولى «تابيا 32»، الصادرة عن دار نشر «إنديفيدوم» في موسكو، التي حظيت باهتمام لافت من لدن النقّاد والقرّاء على حد سواء. تراوحت الآراء بين الاحتفاء والنقد اللاذع. تجدر الإشارة إلى أن (تابيا) «تشير إلى ترتيب قطع الشطرنج والبيادق من قبل خصمين على رقعة الشطرنج بالترتيب المطلوب في بداية اللعبة، أي بناء «تابيا».
تدور أحداث هذه الرواية الخيالية في روسيا في عام 2081، بعد سنوات عديدة من خسارتها للحرب أمام دولة مدعومة بالقوة العسكرية والتكنولوجية الكاملة للغرب. عُزلت البلاد عن العالم بحجر صحي شامل، باستثناء أنابيب النفط والغاز التي تضخ الهيدروكربونات بانتظام لدفع تعويضات لا تُحصى. أصبحت روسيا منزوعة السلاح تماما، ومُحرومة من أي تقنيات حديثة تُسهم في تحديثها، بعد عقوبات حظرت استخدام أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية والإنترنت والطائرات. لن يتمكن أي روسي من السفر إلى دول أخرى خلال المئة عام المقبلة.
كانت حياة المواطنين الروس في ذلك العام مشابهةً لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. عاش الناس في فقرٍ مدقعٍ وافتقروا إلى الكثير، خاصةً الأغذية، لكن كان هناك أملٌ كبيرٌ بمستقبلٍ مشرق. في «تابيا 32»، الوضع مشابه إلى حدٍّ كبير.
أُعيدت صياغة دستور البلاد بالكامل، وفي إطار مشروع «إعادة بناء روسيا»، اتُخذت إجراءات للقضاء على «المتلازمة الإمبراطورية». أُعلن الأدب الروسي – بشوفينيّته وغروره ونبرته المتعالية وإيمانه بتفوقه – مصدرا لكل المشاكل والشرور. على مدى فترة طويلة، غرس ميخائيل ليرمنتوف وألكسندر بوشكين وغيرهما من الشعراء والكتاب الروس العظماء في الناس نزعةً إلى تدمير الذات ورغبةً لا تشبع في البحث عن الحقيقة، التي تنتهي حتما بكارثة على الباحثين أنفسهم وعلى جيرانهم. ماذا لو أزلنا الأدب الروسي الكلاسيكي، وحذفناه من المنظومة الثقافية؟ لكن لو أزلنا الأدب بأكمله، لخلُق مكانه فراغ. وكان لا بد من سد هذا الفراغ بشيء ما. بمبادرة من الأكاديمي دميتري ألكسندروفيتش أولياشيف (شخصية خيالية)، أعلنت الحكومة الجديدة الشطرنج بديلاً عن الأدب، فأصبحت لعبة الشطرنج أيديولوجية تفاؤلية، تُبشّر بانتصار العقل، والنمو الاقتصادي السريع، والرفع الوشيك للحجر الصحي.
لروسيا تاريخٌ حافلٌ بالإنجازات في الشطرنج.. جميع أساتذة الشطرنج الكبار في روسيا والعالم ألّفوا كتبا. ومع ذلك، خلافا لكتب الكُتّاب الروس العظماء، فإنّ كتب لاعبي الشطرنج لا تُقدّم مواعظ، بل تصف جمال اللعبة. لقد حلّت لعبة الشطرنج محل الدين بالنسبة للناس، وكادت أن تحل محل الجنس. ومع ذلك، فهي لا تُثير شغفا أقل، ويُعد من يخالف قواعد اللعبة منحرفا. هذه الشمولية القائمة على الشطرنج لا تُوحي بأي شعور بالسلطوية؛ بل على العكس، الشطرنج لعبة سامية بكل معنى الكلمة، فهي لا تدعو إلى إنجازات ضخمة، بل تُظهر تركيباتٍ ومناوراتٍ وحركاتٍ بارعة، تعتمد في المقام الأول على جمال العقل. كما أنها تُنمّي العديد من المهارات المفيدة والمهمة للإنسان. وتعلّم التفكير المنطقي الدقيق، والتقييم الرصين لأي موقف صعب، وجرأة المخاطرة، والقدرة على تجنب الانجراف وراء الأوهام، وكيفية تتبع الوقت والحركات، وتجنب الأخطاء الجسيمة والهفوات، والتفكير ملياً في الخطط وتنفيذها بعناية. يبدو أن الجميع، من الأطفال إلى كبار السن، مولعون بلعبة الشطرنج. إنها تُوحّد الأمة حقا في كيان واحد. بحلول ثمانينيات القرن الحادي والعشرين، أصبح الشطرنج مؤسسة ثقافية راسخة في روسيا. في المدرسة يتعلم التلاميذ الألعاب الشهيرة، وحلّت أنصاب ميخائيل بوتفينيك محل أنصاب الشاعر ألكسندر بوشكين، أصبحت جميع عروض الأوبرا والباليهات مبنية على حبكات الشطرنج. لم يعد أحد يقرأ الشعر أو الروايات منذ زمن طويل، بل مذكرات اللاعبين المشهورين والكتب الإرشادية عن اللعبة، لكن هذا ليس كل شيء. فالحياة السياسية في البلاد تدور حول الشطرنج بشكل أو بآخر، ويشغل محترفو الشطرنج جميع المناصب الإدارية. كانت المهمة الرئيسية لبناء ثقافة جديدة هي تثقيف أمة مُحبة للسلام ونزع السلاح تماما من الوعي الروسي، لكن الشطرنج ارتبط غالبا بالحرب – معركة بين جيشين! كانت كتب الشطرنج المدرسية مليئة بالاستعارات العسكرية. تطلبت هذه الفكرة النبيلة في البداية اتخاذ إجراءات حاسمة لتصحيح كتب الشطرنج المدرسية التي تحتوي على مفردات عسكرية.
الرواية زاخرة بتفاصيل دقيقة عن تاريخ ونظرية الشطرنج، يُخصص المؤلف جزءا كبيرا من فصولها لنقاشات فكرية حول معنى الشطرنج ومزاياه، وماضيه ومستقبله، ومهمته في إنقاذ الأمم. بالنسبة للقارئ غير المُلِمٍّ بهذا النشاط، تبدو التفاصيل اللامتناهية للمواقف والحركات غامضة، تصل في بعض الأحيان إلى حد العبث، ولكن الغريب أن جميع حقائق الشطرنج الواردة في كتاب كوناكوف، بما في ذلك عنوان «تابيا»، مستمدة من الممارسة.
رواية بلا حبكة
بطل الرواية كيريل شيماخين، طالب دراسات عليا، شاب واعد في التاريخ في جامعة سانت بطرسبورغ. تتناول أطروحته جدار برلين. قد يفترض القارئ أن الأطروحة تدور حول جدار برلين سيئ الصيت، لكن جدار برلين في أطروحة شيماخين هو الاسم الذي يطلق على نوع الدفاع الذي استخدمه كرامنيك بنجاح ضد كاسباروف في بداية القرن الحادي والعشرين. بمعنى آخر، نحن نتحدث عن لعبة الشطرنج – الفكرة الوطنية لروسيا المتجددة، التي غيّرت فلسفة مواطنيها، وأسلوب حياتهم إلى الأبد. يحاول كيريل أن يعيش حياة طبيعية، حتى إنه يقع في حب فتاة تُدعى مايا، ويغار ويعيش حياة شاب عادي تماماً. هناك بعض التلميحات إلى قصة بوليسية، لكن يبدو لي أن هذا كله في الواقع ثانوي ولا يخدم إلا وصف المجتمع الخيالي على نطاق أوسع، دون إرهاق القارئ. وعلى هذا النحو لا توجد أي حبكة تقريباً، والنهاية تثير العديد من الأسئلة في ما يتعلق بمدى كفاية الشخصية الرئيسية.
ملاحظة لا بد منها
لم يُستكشف موضوع الكتاب الرئيسي، وهو إحلال الشطرنج محل الأدب، ولا تُقدم الرواية سوى لمحة خاطفة عما يُسميه المؤلف «الطابع الإمبريالي للأدب الروسي»، ولا يوجد مبرر مُقنع لاعتماد الشطرنج أساسا لثقافة جديدة. من السهل جدا إلقاء اللوم في كل هذه المشاكل على الأدب الكلاسيكي الروسي، الذي لا يملك القدرة على الاعتراض.
يبدو لي أن كوناكوف، من خلال روايته «تابيا 32»، يحاول جذب انتباه بعض الأوساط الثقافية الأوروبية، التي تدعو إلى مقاطعة الثقافة الروسية بشكل عام والأدب الروسي خصوصا، بسبب الحرب في أوكرانيا والطبيعة الإمبريالية المزعومة لهذا الأدب. وهي دعوة لن يكتب لها النجاح، لأن الأدب الروسي عالمٌ غنيٌّ، زاخرٌ بالأفكار العميقة والمشاعر الجياشة والصور الحية. لقد تشكّل على مرّ القرون، معبرا عن الروح الروسية بأسمى صورها وأعمقها، انعكاسا لغنى التاريخ والثقافة الروسيين. إن الشعور بعظمة روسيا ومجدها متجذرٌ بعمق في الوعي الروسي الفردي والجماعي، وليس ظاهرةً جديدة؛ فقد تغنى به شعراء روس عظماء منذ زمن طويل. الأدب الروسي إنساني، وقد أدان أشهر الكُتّاب الروس الحروب ودعوا إلى السلام والأخوة بين الشعوب.