إذا كان ما يسميه فرديناند سوسير علم اللغة الداخلي، الخالي من الصراع اللغوي، أي الظاهرة اللسانية الأكثر أماناً داخل كل لغة، بوصفها نظاماً نحوياً و صرفياً وتقنيات وتراكيب صوتية واشتقاقات لغوية وكلامية، كيان لغوي يختص به الأفراد، وتنطق بلسانه الأقوام والأمم، وتتنزل به الكتب السماوية حسب ألسنة الأقوام والأمم، فان علم اللغة الخارجي هو الذي يحدد درجات وأعماق الصراعات اللغوية، ليس في سياقات الأنظمة أو قانون الألسنة والقواعد اللسانية لكل كيان لغوي آمن بمفرده إنما صراع اللغات نفسها وبين المتكلمين بها، وغلبة بعضها على بعضها، وانسحاب بعضها من الذاكرة الإنسانية ومن ثم تفوق وحلول أخرى بما يصطلح على تسميته واستعارته أحياناً بالإبادة اللغوية أو حروب وموت اللغات وسوى ذلك من الاستعارات التي تتخذ صبغة حقوقية أو سياسية لغوية ومنها ما تضمنه ملف حروب وموت اللغات للعدد 110 \ 2016 من مجلة الدوحة.
إن الصراع اللغوي لم يكن حقيقياً داخل اللغات نفسها قدر ما ينجم عن حروب وتناحرات المتكلمين بها ويغدو جزءاً منها، إنه أنساق ما قبل الظاهرة السياسية والإنسانية على العموم التي تسكن اللغة ولم تجد لها ملاذاً سواها.
إنه الصراع غير الحقيقي الذي يجعل براءة اللغة مقيدةً وموزعةً بين اللغة نفسها وظروف الناطقين بها، بين اللاهوتي والإنساني، وبين نهاية الجغرافية وعودة التاريخ كما يرى الباحث اللساني حسين السوداني.
إذن هل يمكن أن تتجنب اللغة أو اللغات صراعها الخارجي أو تخفف من آثاره عليها بحيث لا تشترك وتتلوث أثوابها وتبلى في التناحر الإنساني والسياسي بمعنى هل بالإمكان أن تتقي حروباً ليست لها، وتعيش صراع الآخرين دون أن تتأثر بهم، هل بمقدورها أن تنأى خارج الحلبة المعدّة لها والتي لا تُدرك وقائعها إلا من خللها؟
كان فرديناند سوسير، يقر بأن اللغة من مقومات أية أمة لكنه لا يذهب في المغالاة في ذلك حد الوقوع في أوهام وتضليل الهويات اللغوية ولم يفصل أو يوصل بشكل نهائي وصارم بين الداخل والخارج فالكيان الداخلي لأية لغة حسب ما يراه لا بد أن يتأثر على نحو ما بالعالم الخارجي لها مثل» تأثر النبات بعوامل التربة والمناخ».
لقد كانت اللغة مواربة وتعقيباً على الحدث حينما وقعت الجريمة الأولى في فجر البشرية فلم تكن مكتملة وقادرة على التسمية وتوصيل المعنى وتمت استعارة الدفن والتفسخ والموت والرثاء من الطبيعة بمعنى ان الجريمة الأولى التي نفذت منذ فجر البشرية في الوقت الذي كانت اللغة تبحث عن اكتمالها كأي حدث في القصة نفسها، ولم تنضج لغوياً إلا بعد صدور القانون الإسرائيلي» من قتل نفساً، قتل الناس جميعاً» وبعد ان تشكلت نصاً قابلاً للتفسير والتحليل في الكتب المقدسة.
لعل الصراع اللغوي مبكراً هنا فاللغة تشبه الوضع البشري الأول حينما تُرافق وتوازي المفردات اللغوية حاجات ومواد الانسان البدائي كأدوات الطبخ والصيد بوصفها عادات وتقاليد كما يرى سوسير، وسوف ترقى هذه الأدوات شيئاً فشيئاً بمرور الأحقاب مع المفردات اللغوية التي ستبلغ «بنيتها الاستعارية» بين الأرضي والسماوي، بين الانسان والمجهول، وهذا ما سنوضحه في نهاية هذه السطور.
ولم تدخل قصة الجريمة الأولى حلبة الصراع اللغوي ولم تبلغ أواره إلا بعد ان تعامدت ذهنياً واستعارياً بين مُلك الأرض وملكوت السماء، نهاية ما للجغرافية ونقطة ما لعودة التاريخ، وكُتبت في العديد من النصوص المقدسة ونُقلت بلغات متعددة من مرحلة زمنية لأخرى.
لقد ناقش الباحث سعيد الغانمي في كتابه المهم « ينابيع اللغة الأولى» فكرة طُرحت من قبل الأستاذ يوسف الحوراني بشأن نقطتي الاتصال والانقطاع بين اللغة واللاهوت، بين المُلك الأرضي والملكوت السماوي، بين الجغرافية والتاريخ، بين استخدام ال التعريف في العربية كنقطة اتصال لانقطاعها ب «آن وأيل» اللاهوتية السومرية وبالعكس، وفي موقع آخر بين ظهور المسيحية كونها السبب الأول في ضمور الآرامية وانتصار السريانية هزيمة للآرامية، وهكذا فان نقطتي الاتصال والانقطاع هما بمثابة المراوحة والتضليل بين الصراع اللغوي والظاهرة اللاهوتية هنا أو الظاهرة الجغرافية والتاريخ فما ينقطع عن مجاله الإلهي السماوي يتصل بسياقه اللغوي الأرضي وبالعكس وبين هذا وذاك فاللغة مرة حقيقة ومرة استعارة.
وإذا كانت اللغة هي بيت الوجود الذي نسكنه حسب هيدغر، فإنها هنا بيت الصراع وشبحه المراوح، المضلل بين الاسم والمسمى والخلق ونسيجه اللغوي، بين نقطة انقطاع الاسم ونقطة اتصال المسمى، بين المُلك والملكوت، بين اللاهوتي والأرضي والجغرافي والتاريخي.
إنها هنا شبح الاستعارة الذي يطارد ساكنيه في بيت الصراع، ليلوّح مرة بسلام اللغة ومرة بنذر الدمار والحرب.
لعل وقائع الظاهرة السياسية تاريخياً قد أضفت عنصري المراوحة والتضليل على المستويين الإمبراطوري والكولينيالي في عدم تحييد الصراع اللغوي بواسطة عدّ «اللغة بنية عميقة لشكل أو صيغة من الحياة»، وتحت هذه الظلال المثالية المعتمة» لفكرة البنية العميقة المرتبطة عضوياً كما تزعم بشكل الحياة ونوع البشر»، جرى مسك « شبح اللغة» مثل هيكل ضوئي في نقطة اتصال الظرفية الموضوعية خارج اللغة وتنافذه عند نقطة الانقطاع اللغوية التي تشبه الأزل ومن ثم تضليل الصراع بين هذا وذاك بإذابته في السياق الأيديولوجي الإنساني.
وهنا تتشكل وتضطلع بمهامها أوهام الهوية اللغوية في الإطار السياسي، وهنا أيضاً تعيد الأسطورة حكاية التوراة البابلية في التماهي بين الشعب المحتشد فوق سهل شنعار والأرض الآمنة التي تحمل هاجس الخوف من الطوفان واللغة الواحدة واللسان الواحد ليتم دمجهم بالمقدس والشعور القومي والعنصر الإنساني الأرقى، ويغدو الاجهاز كلياً على السلام اللغوي قبل أن تمر أحقاب طويلة لكي يظهر شبح اللغة ثانية، ويستعيد معه أوهام الهوية مجدداً.
وبذلك فان أسطورة التوحيد اللغوي الجديدة، مستمرة على نحو لغوي آخر، تتخذ صيغة تكرارية من الصراع مذ كان في التوراة البابلية ولما يزّل يفرض شكلاً جديداً وعبر تماه أحدث.
لا يستبعد سوسير» الرابطة القوية لعناصر اللغة بين الأقوام والحضارات فهي من المقومات لكل أمة» لكنه يقف ضد الاستغراق والمغالاة في وهم اللغة بوصفها رابطة عضوية مع الأمة إذ يرى بأن هذه الفكرة « مناسبة ولكنها ستُصبح مضللة، عندما يذهب المرء الى أن اللغة ليست من صفات الأمة بل من صفات العرق شأنها شأن لون البشرة وشكل الرأس».
ان «اللغة صفة من صفات الأمة وليست رابطة عضوية، والصفة تتبع الموصوف وليست جزءاً من تكوينه وبنائه، ليست كائناً حياً ولكنها تحيا به» وبهذا فان علم اللغة العام الذي جاء به سوسير، قد أضاء الكثير من العتمات التي تفصل بين اللغة وحقائقها وبين أوهام الهوية اللغوية المتراكمة منذ أحقاب بعيدة.
ومن هذه العتمات المضاءة هي البحث والاستدلال في تعريفات اللغة كونها بنية سماوية عليا، تعود في أصلها الى نمو وانتشار الظاهرة الإلهية فكانت الآلهة تخلق وتسمي مدنها وممالكها فما ان وصلت الى أشدها بين الوثنية والتوحيد وخاتمة الأديان حتى افرزت بواكير العصر الطبيعي العقلاني» حقول نمو الداروينية وصعود علم الأحياء» تعريفاً يجعلها بنية وسطى ثم جاء الطور العلمي الراهن فعدّت ظاهرة اجتماعية.
على هذا الأساس لا يستغرق علم اللغة العام بالفصل أو الوصل بين التعريفات ونفي التعريفات السابقة بالرغم من انه يستند الى قاعدة الظاهرة الاجتماعية بامتياز كحقيقة لغوية، ويعد الظاهرتين السابقتين هما ظاهرتان اجتماعيتان بالاستعارة إذ جرى التعبير عن الأرضي والانساني باستعارة سماوية وطبيعية بوصفهما عائداً ذهنياً للمعتقدات والانتماءات في تلك الحقبة، إنه شبح الاستعارة الذي يتبدى بالقطع ويختفي بالاتصال والعكس صحيح.
كاتب عراقي