خطاب الهذيان والتداعي في رواية» لن نعبر الجسر معا» للطفي الشابي…

حجم الخط
0

«لن نعبر الجسر معا …»
هذا هو العنوان الذي اختاره الأديب لطفي الشابي لروايته، وهو عنوان حيّ وجاذب، يعلن انتصار المؤلف للذات الساردة ويوحي بحضورها اللافت، موحيا بذلك بلغته. فاللغة مدخل هام إلى الرواية، تظل محط أنظار القارئ وكثيرا ما تستولي على أنظاره لجمالها ورشاقتها وهكذا هي لغة لطفي الشابي، فواحة، تحمل نبض الربيع، مغمسة بالكثير من الرومنطيقية…»
الكتابة رسما
الكتابة كالرسم « على حد قوله في مفتتح روايته، محيلا على ذلك الفهم العميق للكتابة الإبداعية، باعتبارها تشكيلا وتلوينا وصناعة للجمال والإبداع. وعلى هذا النحو كانت روايته مشحونة باللغة، فكأنها عرس لغوي؛ يستدعي إليه معاجم رومنطيقية مختلفة. هذا ما تراءى لي في الربع الأول من صفحاتها، حيث بلغت الصفحة الثمانين… ولكني أنتبه إلى تبدد الخطاب الرومنطيقي الذي كان مجرد زينة لغويّة فالرّواية تبدو متأثّرة بتيّار الوعي وكاتبنا يرحل بنا إلى متاهات هذا التيار وأساليبه.
فلقد اختار لطفي الشابي أن يلزم في روايته السرد بضمير المتكلم جاعلا السرد في أغلب الأحيان برؤية داخلية، كيف لا والسارد شخصية مشاركة في الأحداث، وقد اختار السرد على مدار ذاته، فيستحيل إلى تداعيات سردية فيها التذكر والحلم والكابوس والهذيان وغير ذلك من التداعيات وتلك هي مدرسة تيار الوعي التي ظهرت في علم النفس وانتقلت إلى الخطاب الروائي وهي تعود» إلى عبارة صكها ويليام جيمس ليميز بها الانسياب المتواصل للفكر والإحساس في العقل البشري …» ويعتمد الروائي في هذا النوع على «انفعالاته وأحاسيسه وذكرياته وخيالاته…»(ديفيد لودج، الفن الروائي)، وهو ما يفتح باب السرد للتداعي الحر ولمختلف أصوات الذات وخطاباتها الداخلية …فتكاد تكون لحظة السرد في هذا التيار لحظة حمى.
الهذيان المرّ…
هذا ما يجعلنا أمام تداعيات مختلفة في هذه الرواية التي علف مؤلفها معتبرا إياها هذيانا مرّا: « أيها الأحباء بأقصى القلق المشاكس فيكم هلموا إلى دهاليز هذا الهذيان المر.»
ولعلّ هذه الإشارة تنبهنا إلى غلبة مناخات» تيار الوعي» وتقنياته في هذه الرواية، فإذا نحن منذ الفصل الأول نجد السارد في فضاء مخصوص،ّ يشي بالعجائبي واللا معقول ويهيّء للهذيان.
« أول أنفاس الفجر، نبوءة البركان. رأيت العلامات تتراقص من حولي… / نبهني صوت ارتطام أجنحة الطيور السوداء… /أرخيت سمعي لإيقاع المطر على السطح وعلى بلور الشباك /أنكرت غرفتي أول صحوي / لا شيء غير الفراغ العميم والظلام الكثيف وصيحات طير أسود…»
هكذا يبدو السارد مهتما برسم فضاء خاص هو أقرب إلى الأسطوري، مطر وعلامات وطيور، تلوينا لخطاب الهذيان، ممارسا لعبة الصحو والغفوة… هذه اللعبة التي تتكرر مظاهرها في الرواية فهو يستعمل كثيرا صورة الدوار والإغماء:
( دوار خفيف أقعدني الإحساس بالاتجاهات، رأيت السقف يميل ويهوي ورأيت القاع يعلو والجدران تمتد… / حين استلقيت على السرير لفني دوار خفيف …/ «مشيت في طريق جبلية مضللة، ضيقة، متعرجة ولكنها تفضي إلى مرتفع يطل على مزج أخضر بلا نهاية، جلست في ظل شجرة عظيمة وتمددت أمام اللوحة الكبيرة الخضراء وغفوت. ..»)
إنّ السارد يمارس لعبة الغيبوبة، وهي من مكونات خطاب الهذيان، الذي يقوده إلى الكوابيس والأحلام واللاعقل ويؤجج فيه الخيالات المختلفة، فيبدو متذكرا لأزمنة بعيدة:
« صار للصوت وجه وملامح. هتف بي من عمق الليل الهامد فانتهيت تبينت نبرة صوته وكأنني رأيت في الظلام بريق عني ماكرة أو ضحكه ذئب…»
ويستدعي خطاب الهذيان الكوابيس والأحلام فنجد السارد في نماذج مختلفة يسرد أحلامه وكوابيسه.
(كل شيء كان يضحك في أعماقي وشعرت بخفة عجيبة وهمست: هل كنت بين براثن كابوس؟ هل كنت داخل الكابوس أحلم؟…/ وزارني الصوت القبيح الذي رافقني في كابوس البارحة حفظت كل ما قال لي وما كان يغريني به اعرف ان الرؤيا تصدق دوما…. «
وكثيرا ما ينزع السارد في هذا الخطاب إلى توظيف الخطاب العجائبي معتمدا على ما يوفره عالم الكوابيس:
« طائر أسود فخم لم أر في حياتي طائرا أعظم منه، ولم أر عند غيره من الطيور ما حول
عنقه من بياض منظوم وخفق بجناحيه، فخنست الكلاب الثلاثة وعوت ثم طأطأت رؤوسها وأدخلت أذنابها بين قوائمها… غامت الصورة في عيني تدريجيا ثم أظلمت.»»
هذا التداعي الذي وصفه صاحبنا لطفي الشابي بالهذبان المرّ يتخذ أشكالا أخرى مختلفة وهو جدير بالبحث، ومن الطريف أنّ هذه التداعيات تجد أساليب وأجناس مختلفة تحتضنها فالسارد يعتمد على رسائل التواصل الاجتماعي وغيرها منى الأساليب التي باتت اليوم تعد قنوات لكشف خطاب الذات وللتداعي الحرّ.
إنها إطلالة أولى سريعة على هذه الرواية وكتابة على هامش خطابها دون التوغّل في تفاصيلها وقضاياها العميقة.

ناقد تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية