سند «الشّفوية» في السّرد الإفريقي

مهما كانت النوايا حسنة وجادة، نعرف مسبقاً أن عملنا هذا يظل ناقصاً، لأن الفضاء الإفريقي السردي واسع لغوياً وجغرافياً وثقافياً وحضارياً. اختيار النصوص يظل محكوماً بالذاتية مهما كانت موضوعيتنا والمعايير المنهجية، بل حتى لو كانت الخيارات في العمق مدفوعة بشيء ما، وتحمل في طياتها سبباً جوهرياً يتحكم في هذه الخيارات السردية الشعبية المتخفية وراء النصوص، القائمة على الشفاهية التي هي مركز من مراكز التأويل لهذه النصوص. لكن لا يختلف اثنان على كاميرا لاي، الذي فتح هذه البوابة في سنة 1953 بروايته «الطفل الأسود» التي لامه كثيرون عليها لأنه لم يكن صارماً في نقده للاستعمار؛ أي أنه لم يتخطّ الخطاب الاستعماري المهمين بالقوة.
ويقسم بعض النقاد الكتاب، الأفارقة السود إلى أربعة أجيال: أولاً، المؤسسون الأوائل مثل إيمي سيزير، وليوبولد سيدار سنغور وليون داماس. وثانياً، كتاب الفترة المحاذية للاستقلال، مثل كمارا لاي، مونغو، بيتي، شيخ حميدو خان. وثالثاً، جيل 1967 من أمثال حمادو كوروما، يومبو ولوغيم، وسيمبين عصمان، وسوني لابو تانسي، وهنري لوبيز، وألوم فاتوري، وتيرنو مونينيمبو. ورابعاً، جيل الثمانينيات الذي توجد به نساء كثيرات كاليكست بابلا، وفيرونيك تادجو، أميناتا سو فال، وهمبتي با، فاتو ديوم، وغيرهم.
لكن على الرغم من هذه الجهود المتواكبة، لا يزال التقليد الشفوي هو الأسطورة المؤسسة للأدب الإفريقي الحديث، ومرجعه الجوهري. إنه التراث بامتياز لكل مشروع أدبي حديث ومنفتح على الكون. هذا الأساس هو الجزء الصامت، واللاوعي الإفريقي، الذي يتجلى بقوة في الفن بشكل عام وفي الكتابة على وجه الخصوص التي تتحول إلى ممر لا مفر منه بين وظيفة مزدوجة أو ثلاثية؛ فهي تعتمد أيضًا على مجتمع أو مجموعة اجتماعية، وهي عنصر من عناصر البناء أو التدمير. بفضل الكلمة، يمكن للمرء أن يقول الشر الذي يأكلنا، والخير، والبهجة التي تفاجئنا. الكلمة هي سيدة التعبير الاجتماعي والنفسي الأعمق.
إن البعد الشعبي للأدب كان وما يزال مستمرًا. تأسست على أساسه الآداب الحديثة التي فرضت نفسها عبر العالم. تَعْبُر الكتابات العظيمة هذا العالم المعروف على نطاق عالمي من خلال الإيحاءات التي تعطيها للأدب. إن الأدب هو مكان نفاذ، إنه مكان يربط بين السحر والمعتقدات على هذا الملاذ. العالم الإفريقي يعمل كمضاد، وتعد هذه الثقافة الغنية هي تلك التي كتبها الكتاب الأفارقة، التي يتم إيصالها إلى أمريكا اللاتينية التي يتجاهلها المستعمرون الذين يفهمون جيدًا السمات التي تجعلهم حزينين ويعتقدون أنهم يستطيعون العيش بحرية ومتواضعين وبقلوب نقية. يتميز هذا التواضع بالجاذبية، إنه شبيه بكوكب الأرض حيث تلتقي الجاذبية بالأرض، حيث تتجلى الأحلام التي تكتمها.
عندما طلب من غابرييل غارسيا ماركيز أن يصف إحدى شخصياته في روايته (مئة عام من العزلة)، أجاب ببساطة بأن الأمريكي الجنوبي كان دائمًا يحمل جذوره التي تحركه؛ أي ذاكرته الخرافية/الحقيقية الحية. إن هذه الحياة التي لا تموت إنما تعكس ماضيه، بمعنى آخر إنها انعكاس لإرثه الذي قاوم الإفناء المنظم. قال بورخيس: إن الماضي موجود فينا ليس كماض، ولكن بوصفه جذوراً لحاضر يكبر ويتسع أمام أعيننا في نوع من التعايش بين الجذور والجذوع. لا حداثة بدون أساسات تحفظها من الانهيارات والزلازل.

بهذا المعنى، تحتفظ الشفوية بعمر إفريقي قديم. إنها تحافظ على ثقافاتها من الانقراض والموت. الراوي هو صورة للنبي العارف للأسرار كلها، وصاحب حكمة وعلم، رجل يلتصق بحياته وحياة الآخرين ويؤمن بالواقع وبما تولد عن الأجداد من قيم وثقافات.
إن الإمكانات الأدبية والتمكّن من إعادة التشكيل والقدرة على الاقناع، هي في صميم الإنسان في إبداعاته. ولا يعمل الراوي في الحكايات والسرديات إلا عكسها بصدق. وهذا يصعب على العقل الغربي المنمَّط حضارياً فهمها، لأنه جُبِل على منطق «الرجل الأبيض»[1] الذي لا يرى أبعد من سرته. العالم هو، وهو العالم.

يشهد معظم علماء الدراسات الإفريقية، دون لبس، على أن الرواية الإفريقية هي ثمرة استيعاب ثقافي متعدد وغني مع الثقافات الأخرى التي فرضت نفسها بالقوة من خلال لغات وثقافات الغزو والحروب الدينية وغيرها: العربية والبرتغالية والفرنسية والإنجليزية. ويشرح داثورن هذه الظاهرة بالتفصيل الدقيق: «إن الرواية في إفريقيا هي الشكل الأدبي الوحيد الذي تغلغل عن طريق الاستبدال وفرض نفسه على حساب الفنون الأخرى الموجودة مثل المسرح والشعر، التي لا تزال إفريقية بشكل أساسي وتمارس في الثقافة الشفوية المرتبطة بالممارسات الدينية وغيرها». ولكن المؤكد أن هذا الشكل من السرد الأوروبي قد تم تحريفه بعد استيعابه، من خلال الجهود الإفريقية لاستحداث أشكال أكثر تهوية وأقل صرامة، وأكثر تعبيراً عن الهاجس الوطني.»

هذه اللغة المشتركة في عمليات القص بين الشعبي واللغوي النحوي، يا للأسف، لم تلقَ صدىً واسعاً لدى المعاصرين، باستثناء يوسف إدريس الذي كتب جزءاً كبيراً من قصصه القصيرة باللغة العربية العامية المصرية؛ أو المحاولات النادرة للطّيب صالح التي لم تثمر قط.
بقيت اللغة العربية الفصحى لغة الكتابة لأنها الأكثر شمولية، لكن لنا بالمقابل أن نتساءل: ماذا ضيعنا بإهمالنا الثقافات الشعبية؟ على عكس ما حدث في إفريقيا، فقد استمرت لغة التونغا في زامبيا، والشونا في زيمبابوي، والسوتو في ليسوتو والزوزا والزولو في جنوب إفريقيا. على الرغم من الهيمنة الدينية على هذه اللغات فإنها نجحت في خلق توافق معين مع الأدب بين جرأة اللغة الشعبية التي لا تخفي أي إحساس إنساني مهما كان «بذيئاً» واحترام الدين.
يبقى توماس مورفولو (1876-1948) المثال الساطع على هذه الحركة للغة؛ لقد وضعه عمله في المطابع على اتصال دائم بقدرات المقاومة وسيولة اللغات الصعبة. نشر روايته الأولى «الحاج من الشرق» عام 1907. تاريخ مشترك بين الديني والعقل؛ الحكمة والمعرفة. رواية مرتبطة جدًا بالخيال، وحرة جدًا في تعبيرها. اختار لروايته الثانية اسم «قرية صغيرة»، وفي عام 1925 نشر روايته الكبيرة التاريخية والملحمية «شاكا، حياة وموت ملك الزولو»، وفيها يلتقي الخيال والسحر والعقل دون صعوبة كبيرة، فنتج عن ذلك رواية كبيرة بنفس ملحمي هزت أركان الأدب الرسمي الذي ظل رهين اليومي.
في عام 1914 نشر صامويل موغايي (1875-1936) روايته الأولى بلغة الزوزا، وهي رواية اجتماعية قبل وصول البيض إلى وطنه. وهي نص مقاوم يظهر حياة مستكينة ومسالمة وجميلة ضمن نظمها قبل فعل «التحضير» الذي دمر البنيات المستقرة ولم يعوضها إلا بالتجهيل والتقتيل والعبودية.
توجد روايات أخرى بلغات مختلفة: اليوروبا على سبيل المثال مع دانيال أولورو نغويم فاجونوي (1910-1963) الذي كتب عدة روايات بهذه اللغة. بعد وفاته في حادث سيارة، ترك وراءه «الصياد الشجاع في غابة الآلهة»، وهي رواية مغامرات في الغابة الإفريقية الغنية والمتوحشة نباتياً وحيوانياً. بمجرد صدورها، لقيت الرواية استقبالًا جيداً من قبل النقاد الأدبيين وخاصة من قبل القراء. كانت مساحة الخيال والسخرية كبيرة جدًا. وجدت نصوص أدبية أخرى التي كتبت بلغاتها الأصلية قراءها ومتابعيها، كما في لغة الهوسا في نيجيريا، في تنزانيا باللغة السواحيلية، وفي لغة كيكويو في كينيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية