ما أنْ تنتهي من قراءة «أنبئوني بالرؤيا» للأديب المغربي عبد الفتاح كيليطو حتى يتبادر إلى ذهنك السؤالُ التالي: ما هي حدود التشابكِ بين الرواية والسيرة الذاتية؟
لماذا هذا السؤال بالذات؟ لأن الغلاف الأمامي للكتاب مُجَنس بـ(رواية) والخلفي يُرسخ هذا التجنيسَ بألفاظٍ من مثل (راوي هذه الرواية، أو أحد الرواةِ…) ويتكرر مصطلح رواية، أو ما يُحيل عليه في جمل وفقرات، غير أنه، في نظري، لا ينطبق على الشكل السردي للكتاب، الذي من خلال عنوانه، نعي أن هناك (لـبْـسا) بين السـيْـري الواقعي والروائي المتخيل، إذ يُسْتَمَد من قولةٍ للملك البابلي نـبـوخذ ناصر الثاني في (سِفْر دانيال) أن مِزاجَهُ احتد ذات ليلةٍ، فأمر العَرافين والمنجمين بتفسير حلمه المزعج قائلا: أنـبـئوني بالرؤيا.. وإلا قطعتكم إربا إربا! وهذا اللبْسُ يدفعنا إلى الحديث عما يُسمى في الأدب العالمي بـ(الـتخـيـيـل الــذاتــي) أو (رواية ذاتــيــة Autofiction) وتـعــود الصياغة الأولــى لهذا المصطلح إلى الكاتب سيرج دوبروفسكي في سبعينيات الـقـرن العــشريــن، مــفــضــلا تجــنــيــسَ ســيــرته (اِبْـــنٌ) بـ(تـخــيـــيـــل ذاتي) وسرعان ما أصبح مصطـلحُهُ شائعا في عالم السرد، بل من تـمـظهــرات ما بعـد الحداثة في الأدب، وإنْ كان بعض النقاد ينتقدونه، لأن القارئَ لا يستطيع أنْ يميـز الواقعي من المتخيل. ويُشَكل هذا المزيجُ من شكلين متباينين سردا خياليا لأحداث من الحياة الواقعية، مـتـأثــرا بتجارب الكاتب الشخصية. وهذا النمط من السرد، ليس روايةً، ولا سيرةً ذاتيةً كاملةً، إنما هو نهجٌ في الكتابة، يستكشف الكاتب أحداثا معينةً من حياته، ويُغنيها بتفاصيلَ متخيلةٍ، لتشكيل نص سردي أكثرَ تماسكا. كذلك، يعتبر مَخْرجا للكاتب الذي يريد أن يـتحرر من القيود، التي تفرضها الرواية أو السيرة الذاتية.
وأول ما ينبغي أنْ تبدأ به رواية الخيال الذاتي، هو الواقع، قبل أنْ تنتقل بالكتابة إلى المتخيل. وهذا ما يلاحظه المتلقي في «أنبئوني بالرؤيا» التي ترجمها عبد الكبير الشرقاوي إلى العربية، ووضع لها كذلك العنوانَ، بدل الأصلي (Dites-moi le songe). فالشخصيةُ المحوريةُ تعود إلى الماضي لتسترجعَ طفولتَها، عندما كانت تمرض أو تتظاهر به، لتجدها فرصةً مواتيةً، تــقرأ فيها (ألف ليلة وليلة) الكتابَ العربي الأولَ في حياتها، فتشعر بمتعةٍ مُغريةٍ لا تَعْدِلها متعةٌ، رغم أن البيت الذي فتح الطفلُ فيه عينيه، لا يهتم بالأدب. وسيُدْرِك أن القراءةَ بمثابةِ بَــلْــسَــمٍ، تُهَدئ آلامَهُ، وتُـنْعِش نفسَهُ. يقول: (والحال أني بمقدار ما كنت أقرأ ويمضي الوقت، تتحسن حالي. ولما بلغــتُ الصفحةَ الأخيــرةَ، شُفــيت تماما. وكــأن للأدب فضيــلةً علاجــيةً. فإنْ لم يكنْ يشفي أمــراضَ الــبــدن، فــهــو يُسَكن آلامَ النفس). فعلى الفراش، تخيل الطفلُ نفسَهُ (شهريارَ) والكتابَ (شهرزادَ) تحكي له حكاياتِها لعلاجه.
والقاسم المشترك بين الطفل وشهريار، هو الحكاياتُ التي ترويها شهرزادُ ـ الكتابُ، أنقذتهما معا بجاذبيتها من المرض، بينما الفرق يتمثـل في سَهَــر شهريار الليلَ كله في الإصغاء إلى شهرزاد، وفي الصباح، يمارس مَهامه في الحكم، يقابله الطفل الذي يخلُــد إلى النوم ليلا، ويُـمْضي النهارَ في قراءة الحكايات. وبسرعة، لا تـتجاوز ثلاثَ صفحاتٍ من الكتاب، يصبح الطفل شابا يافعا، يحضر رسالةً الــماجســتيــر حول (ألف ليلة وليلة) ثــم تُــوَجه له دعــوةٌ إلى أمريكا لإلــقــاء محــاضرتــيــن حولَ (الليالي)!
هــناك سيكــتــشف ذاتــه، عــندما يسبح في اللاجدوى، تـعــود إلى ذاكــرتــه القصائدُ العربيةُ، التي تلقاها في المدرسة، وتتوالى على ذهنه آيات قرآنية حفظها في الكُتاب، ويترنم بأغاني أم كلثوم وفريد الأطرش، ويقتني مؤلفاتٍ تتناول العالم العربي، مثل ترجمة (ألف ليلة وليلة) التي يسميها (الليالي) إذ بقيتْ راسخةً في ذاكرته منذ الطفولة، وها هي تصحبه بدورها إلى أمريكا.. وبذلك، تحول إلى سندباد، حل بالعالم الجديد ليعرض بضاعته العربية، بدل أنْ يتسوق البضاعةَ الأجنبية. وقد تجلى ذلك، في التركيز على (الليالي) أكثر من الحكايات، باعتبار الليالي الفضاءَ الوحيدَ الذي يضم بطلـيها الرئــيسيــيــن (شهرزاد وشهريار) وتُــرْوى فـــيـه (الحكاياتُ) وهي تــمثــل رمــزيةً للأسرار واللاوعي والرغــبات الخــفــية، والمعاناة التي نمر بها عــند فــقــدان شيء.
والسارد، الآن، في الغربة، يعاني من البعد عن الوطن، وعن ثقافته العربية، كأنه فقد أرضه وهويته. فالسلاح الناعم الذي تملكه يداهُ لمقاومة الغربة، هو الوعي بما يحفظه من حكاياتٍ، وآياتِ القرآن، والأغاني العربية…كلها تتوارد عليه في الليالي التي يمضيها في المدينة العملاقة نيويورك مِما يذكرنا بـ»الحي اللاتيني» لسُهيل إدريس، و»عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و»أديب» لطه حسين. وبغض النظر عن ميوله العاطفية نحو (إيدا) التي تعرف عليها صدفةً في قاعة المحاضرات، فإن الليالي، وما تُروى فيها من حكاياتٍ، هي اللبنة التي تتأسس عليها (الرواية الذاتية)..ولا تذهب عقولكم بعيدا، فنحن لا نقصد سيرته الذاتية من ألفها إلى يائها، إنما نقتطع منها رحلته في البحث الأدبي والعلمي، وفي التدريس الأكاديمي، وعلاقته التربوية بطلابه في الجامعة، وما حصل له مع زملائه في مناقشة البحوث والأطاريح.. وهي بطبيعة الحال قسط من حياته العامة، ولذلك نلاحظ الساردَ يقتني الكتبَ التي تَـــثْــوي بين دفـتيها الحكاياتُ، ويســتـــقــصي جــذورَها في (ألـف ليلة وليلة) ويــقــارنها بأخواتها في الأدب الأوروبي. وكمثال، عـثـر في دكان بائع كتب مستعملة على قصة (نور الدين والحصان) فأخذ يوازن بين دموعه ودموع الفيلسوف نيتـشه الذي رأى حوذيا يُجَــلــد حصانَهُ بالسوط، ولم يلــبــث أنْ ندم على فــعــلـه، فــعــانــق الدابةَ، مُــذْرِفا عــليها دموعَهُ، وهــذه المقارنة تتكرر في أكــثــرَ من موضعٍ. ويمكننا أنْ نُدْرِج ضِمْنَ هذه المقارنة (إيدا) التي عشقها الساردُ، وكان يردد اسمَها (الغربي) مراتٍ حتى في غَـــفَــواته، لدرجة أنْ تحول إلى الاسم العربي (عايدة) عوض (إيدا) وهي المرأة التي كرِهَتِ الرجالَ، ورفضت العلاقةَ مع أي رجلٍ، منذ قراءتها في طَوْرِ المراهقةِ روايةَ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير. فـ(بالنسبة لها الرجال جميعهم أشرار، ولا ينبغي للمرأة بتاتا أنْ تــثــق بهم). مثلما شهريار الذي كان يحقد على النساء، ويرفض العلاقةَ مع أي امرأةٍ، لأن النساءَ كلهُــن، في رأيه، خائناتٌ وفاسقاتٌ. وإذا كان شهريار يخضع لشهرزاد في آخر حكايةٍ، فإن (إيدا) هي أيضا تعدِل عن فكرتِها نحو الرجال، فـتحضر في آخر يوم يعود السارد إلى وطنه.
وعند عودته إلى المغرب، رأى أن طالبا يُدْعى (إسماعيل كَمْلو) يهـيئ دراسة عن (ألف ليلة وليلة) لكنه رغم نباهته، يعتبر نفسه متفوقا على أساتذته، فيتجاسر عليهم، ليحط من مكانتهم الاعتبارية. وبالفعل أنجز رسالته حول الليالي، بعد أنْ زار مكتباتٍ وحكواتيين في باريس ودمشق، فجاءتْ رسالـتُهُ مشحونةً بمظاهرَ متباينةٍ، رآها الساردُ (قائمةً على مخادعةٍ). وأساتذته لم ينتبهوا إلى أن رسالته ليست دراسة ولا بحثا، بل هي رواية، غايته منها أنْ (يهزأ بالمؤسسة الجامعية) لـيُظهِــر أن أساتذتَها لا يميزون بين جنس الرواية والبحث الأكاديمي. ومع ذلك (سينال ميزة مشرفة جدا مع تنويه لجنة المناقشة والتوصية بنشر عمله). فكانت (المرة الأولى في تاريخ الجامعة التي يُقَدم فيها تخييلٌ بمثابة أطروحة). وفيما بعد ستُــكْــتَــشَــف الفضيحةُ، وتُــلْصَق الـتهمة بالسارد، بحجة تواطئه مع الطالب، ويستدلون بكتابه عن شعرية الانتحال وإعجابه بالجاحظ (الذي تميز في هذا المجال). وإنْ تبرأ من التهمة. وينتهي هذا الفصل الثالث، بنشر الطالب كَـمْلــو رسالته في شكل رواية، متجاهلا اسمَ السارد وأسماءَ المشرفين (كأنه سعى بعنف إلى قطع كل صلة بنا). لكنْ، إنْ كان الطالبُ أخطأ خطأ جسيما، عندما هيأ رسالته الجامعية في شكل رواية، ولم يشعر به أساتذته، فإن الساردَ، هو أيضا، أخطأ عندما اتخذ جنسَ الرواية في «أنبئوني الرؤيا» شكلا لبحثه العلمي، أو مزجهما معا، فكيف نلوم الطالبَ، ونغفُل عن الأستاذ؟ ألا نُدْخِل هذا العملَ الأدبي في خانة (شعرية الانتحال) التي تناولها في كتابٍ له.. ويبدو أن السارد أراد أنْ يــبــتــعـد، قــليلا، عن بحــثــه الأكاديمي، فيحكي قصةَ (معادلة الصيني) التي باشر فيها علاقةَ الرجل بالمرأة، وتتلخص في أن عشيقته فرضتْ عليه، إذا أراد أنْ يرتبط بها، أنْ يقضي لياليَ ثلاثِ سنواتٍ، صيفا وشتاء، تحت نافذة بيتها. وبالفعل، كان يأتيها ليلا، ويبقى جالسا على كرسي أعدتْه له، إلى أنْ ينبثق نورُ الفجر، فيغادر المكانَ. لكنه في نهاية السنة الثالثة، وقع له ما وقع للساردِ نفسِهِ، عندما أراد أنْ يقيم علاقة بجارته (آدا): (عند انقضاء السنة الثالثة، هذه الشخصية الطيعة إلى هذا القدر ـ وهو ختام غير متوقع ـ تناولت مقعدَها، وذهبتْ دون نظرة إلى الوراء، نهائيا). هذه العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، توجزها (آدا) في البيت الشعري الأندلسي الذي تستشهد به:
(كل الذكور سواءٌ فاقوا السباعَ شرورا لا تأمل المرأةُ منهم خيرا ولا سرورا).
مما لا شك فيه أن لهذا الكتاب أوْجُها شتى، وليس (رواية) بمفهومها الحديث، إذ يفتقد تلك (الحبكة الدرامية) التي تشكل العمودَ الفقري للرواية. فهو لا يعدو أنْ يكون تخييلا ذاتيا لساردٍ، حظه سيئ في إقامة علاقات مع النساء، ومع زملائه في العمل، وجمهور المهتمين بالدراسة المنتظمة والثقافة. نستشهد بانتقاده اللاذع لرولان بارث: (النص وحده لا يكفي، هناك أيضا الشخصية..والعجيب أن نقادا وفلاسفة يتحدثون عن موت المؤلف). وهذا الرأي المناقض لبارث، أربك موقفه بين الحاضرين في إحدى محاضراته، فبدل أنْ يناقش كتابَ (الليالي) رأى أن (شهرزاد هي في محصل الأمر من إبداع كالانْ) وبفضل الترجمة الـ(متفوقة على الأصل) عرفها العرب. وذلك ما كان بارث يُحَذر منه بتحَرر النص من (تاريخية أصله) أي الفصل بين المؤلف والتأليف، ولو انصبتِ المحاضرةُ على (الليالي) فقط، دون التطرق إلى أصلِها، لما تذمر الحضور منه!
إذنْ، الكتاب بمثابة موسوعة ثقافية، تحضن التراث العربي والعالمي من شعر وحكايات وآراء وشخصيات، مثل ابن بطوطة، والمعتمد بن عباد، وسوفوكليس وسرفانتس، وجاك دريدا وإدكار آلن بو، ونــيــتــشه، ومارسيل بروست وهرمان ميلفيل، ونصوص (ألف ليلة وليلة) و(الإمتاع والمؤانسة) و(رحلة ابن بطوطة)…ويبقى تفسير (رؤيا) الإحباطِ والانكسارِ اللذين لزما الساردَ غامضا!
كاتب من المغرب