هاشم تايه بين النص واللون: رحلة في «ترجمان البياض»

حجم الخط
0

أن يقترب الرسم من الشعر، فلا يعني هذا خرقا للنظام المعرفي والإنتاجي والابداعي، ذلك لأن كليهما ينبع من مصادر ودوافع ذاتية تتعامل مع الواقع بارتقاء النفَس الشعري لترتقي بمفرداته ضمن حراك يستند إلى التجربة والمعرفة المؤسِسة للشخصية المنتجة. وحين قيل.. إن الرسم شعر صامت.. والشعر رسم ناطق؛ فقد آخى القول بين الإبداعين كون منابعهما تقترب من بعضهما ومثل مجرى مياه النهر تجري للمستقر، كما تستقبل روافدها. ثم إن رصد التجربة في الفن حصراً تقل ممارستها ومواقعها على صعيد المراجعة، لمنجز الذات أو منجز الآخر، بمعنى الخروج بنتائج هي خلاصة رؤيويه مأخوذة من نسيج المنتج مشكلة حزمة تصورات دقيقة وذات بُعد معرفي. فمنذ تأملات الفنان شاكر حسن آل سعيد ونوري الراوي، ونحن نتابع ما تلا من تأملات في التجربة الذاتية والغيرية. ولعل كتاب الفنان هاشم تايه الموسوم «ترجمان البياض /العمل الفني تصوّراً ومزاجاً» معني بهذا الايقاع الذهني المستند إلى تجربة معرفية تمكّنت من رصد مجالات الآخر، حيث لم يخرج عن عباءة الرسم حتى حين آخى بينه وبين الشعر. لذا نجد ما استند إليه (البياض) لحظة ربطه بالترجمة في (ترجمان)، أي عكس ما هو مضمر في النص التشكيلي. لذا كان مخاض تجربة الكتابة بهذا الشأن، معنية من لدن الفنان المتأمل، كونه يستند إلى لغة في الرسم ولغة موازية في الكتابة السردية. هذه اللغة تخوض فعلاً يحتاط للتنوع في التجربة الفنية، وعلى مستويات يجدها ـ كما نجدها ـ مهمة وتغني التجربة بالثراء العالي والماسك بالمعرفي. فالإهداء انطوى على بلاغة القول وصحة المنطلق (إلى أمي وأبي.. هو كان الكلمة.. وهي كانت الصورة.. على البياض الذي كنته) ونرى أن في هذا منتهى التخريج المعرفي والحس الوجودي. فالفنان (البياض) يمتلئ، بل امتلأ بفعل الأب والأم، وهو تشبيه جميل ومفيد لنا. أي منذ الوجود الأول وصولاً إلى كونه تمكّن كفنان من الإنتاج والإحاطة بأسسه. وحين يجاور نص (آنو ماليش) أي ملحمة الخلق، يستدرج مسارها باتجاه تجربته كفنان. ويأخذ به الخيال فيصور مسار نظريته في الخلق:
حين فرغ الله في اليوم السادس
لم يضع اسمه
على اللوحة الكبيرة التي رسمها
وحين ذهب يستريح
من أعباء ستة أيام الرسم
رآنا من هناك بخيالنا الطفل
نرسم لوحته من جديد
ونكتب أسماءنا على كل رسم
وفرح الله كثيراً
هذا الاقتباس والتوظيف يعني طبيعة العطاء الفني، كونه نوعا من أنواع الخلق الإلهي. وبهذا تمكن الفنان تايه من تأسيسه لهذا الذي تضمن المراجعة والنقد ؛ أي مراجعة تجربة الآخر على أنها تجربته، ودراسة منجز الآخر على نحو فيه تخريج نقدي حامل للرؤى الفنية الصاعدة، أي الموازية لكونه فنانا وكاتب سرد وشعر. إن الذي يشغلنا هو الجزء الأول لأنه معني برصد تجربة الرسم عند الآخر لاستكمال رؤيته لفنه وكتابته.

تأملات في رؤى الآخر

سعى الفنان هاشم تايه في تتبع التجارب الفنية، منطلقاً من تلقي المنتج الفني الذي قدمه الفنان من أجل توالي الدراسة، لذا كان محتوى الكتاب زاخرا بالاستنتاجات العميقة، كذلك دراسة منجز الفنانين في القسم الثاني. فمتابعة المحتوى يعني العرض والتوافق في ما سعدت الرؤى على تسطير تقييم بصيغة أخلاقية فنية، أي اعتبارات اللوحة في تأسيس نص بصري غني بالأفكار وانعكاساتها. فاللوحة تنبني على محتوى مزدوج المسار، فمن الأفكار إلى الإشارات في الصياغة المتنوعة، لذا كان يتوجب على الكاتب أن يؤكد الصيغة المزدوجة هذه التي هي معطى فني خالص. وهذا بطبيعة الحال يُغني المداورة، كما فعل الفنان المتلقي هنا. لعل النظرة إلى المهمل واحدة مهمة من الصياغات الفكرية والفنية، لأنها انطلقت من تجربة الفنان مع زميله الفنان ياسين وامي. وبهذه الصياغة الفنية؛ إنما يؤكد أهمية منح المتروك حياة جديدة (تخصيب)، أو يكاد التأكيد على استحالة المتروك، فعين الفنان وبصيرته تجلبان ما هو في زوايا المنفى في الوجود إعادة الحياة لها وفق تركيبات مشرقة تستند إلى بنى فكرية خالصة في الخلق الجديد، فهو صراع بين الموت والاندثار وتحقيق الوجود، أي يستند إلى ديالكتيك وجودي خالص.


إن المحاولة هذه تتكئ إلى منطق الاستبدال والبناء ثم التركيب، وهي صياغات تعتمد الفكري ضمن التوجه الفني. فالمنطلق في هذا الضرب من المحاولات يُنجز رؤى تتحدث عن جمالية المشيّد والمبني على صورة تجديد الأشياء في الوجود، ذلك لأن الفن في استمراره يحول الوجود إلى أمثل صورة، أي انتشاله من تأثيرات العوامل الداعية إلى الفناء، فهو عابر بغير الممكن إلى الممكن. وتلك محاولة تضفي إلى الفن (الرسم) حصراً خاصية خلق الجمال وطرد عوامل الموت والفنان. ففي تعريف البياض ومساحاته الرحبة، أكد الكاتب على استحالة ثبوت الخصائص مؤكداً حركتها الدائمة، والدليل على هذا هي ممارسة التحويل من السكون للأشياء وموتها إلى أشكال جديدة تتكلم وتصرّح بأفكارها، من خلال جماليتها. ويرى في ما يدور بخلده كون هذه الأشياء لا تموت، حتى لو تركت أو أُهملت، لأنها حاملة لعلامات بإمكانها تجديد الحياة من خلال تجديد الصياغة. ويطلق عليه مدار تحويل الواقع من منطقة خمول إلى منطقة تحفيز. من هذا تتحقق حرية النظر إلى الأشياء المحيطة بنا. بمعنى تمنحنا الأشياء هذه الحرية في التعامل، إن الذي يراه كون الواقع لا يتجرد عن حراك الفكر الباني لموجود المرئيات.. فالواقع ما زال ينتمي إلى الفن.. كما يُخرّج الكاتب.
لقد كان الكاتب بهذا المعنى دالا على وجود طاقة متحركة في المرئي، لكنها طاقة لا تستغني عن التحول والارتقاء عن قاعدته، وإنما تعبر لاستخلاص ما يضمره المرئي من لا مرئيات ترشحها اللوحة عبر الحفر في المضمر من الوقائع. فهو يُشبه حراك العمل على إنتاج لوحة بالحراك الجنيني الذي تنمو داخله الأشياء غير المرئية، حيث يسوقها الفعل الفني، ومحولاً إياها من الحيز اللامرئي إلى الحيز المرئي في تغذية المحتوى. وهذا بطبيعته حراك فكري أبستمولوجي. ومثل هذه الفعل الفني الذي يُعطي نتائج مبتكرة، يستند إلى حقيقة ثابتة أن لا تخلو الأشياء والمرئيات من ظاهر ومضمر، وما يهم المنتج للنص هو العامل مع المخفي في الملَكة الفنية. وهو ما يُطلق عليه (الطريق إلى الرسم) السعي المدروس والمستند إلى حقائق مرئية وفكرية. ويحاول الكاتب أن يبلور النظرة الأكثر فاعلية مستنداً إلى رؤى سوزان سونتاغ في الرسم بعد أن جسدت أفكارها في الفوتوغراف، باعتمادها على عدم الاكتفاء بالنسبة للفاحص البصري إلى ما يرى فحسب، وإنما يحول نظرته لما يرى، إلى فحص ما يرى دون تأويل أو تفسير، فقط في إحكام السند الفكري والجمالي في ما يرى بصرياً. وهذا يحول الرائي إلى منتج للوحة لأنه يُضفي عليها حراكا مزدوجا بين المتوفر في العمل والمتوفر في الملَكة البصرية.
يعمل الكاتب على إحداث مقاربة وتزاوج بين المنتج في الكتابة والمنتج الفني، فالاثنان يعملان على بلورة رؤى تحتويهما. وقد عالج العنونة باعتبارها العتبة النصية التي تُساهم في إنشاء النص باختلاف تكويناته، فهو يحكم النص من خلال ما يؤشره أو يوحي به أثناء الفحص. وهو ما يذكر مفتاح النص. وهو بذلك قد أمسك بأهم التشكيلات للنص. ويؤكد على عدم وجود هذا ونقصد العتبة الأولى، لأننا في مواجهة مباشرة مع المرئي وعدم الاكتفاء بما يصرح به، بل الذهاب إلى تجسيد رؤى لمثل هذا الحراك الفني في كوننا وباعتبارات العنونة التي تضعنا أمام الظهور في المكان والزمان والتاريخ. من هذا يوسّع الكاتب من تأثيرات العنوان على صياغاته.
يحاول الكاتب محاورة ما كان ضمن معرض (حياة هشة) الذي أُقيم عام 2012 في جمعية تشكيليي البصرة. وحصراً ما يجده خارج إطار المنتج (اللوحات) في التفسير من لدن الفنان دفاعاً عن اللوحات. لقد عمّق رؤيته للمتلقي البصري باتجاه خفاياه. من بعد متابعة بعض من الحراك الفني، نجده يرصد ببحث ونقد موضوعي لتجارب الفنانين العراقيين روادا وشباباً ومن جيل الكاتب ــ الفنان هاشم تايه. لقد امتازت حوارات وبحث الإنتاج الفني كونها رصدت التجارب بمنطق الفكري ـ الجمالي. أعتقد إنها إضافة نوعية لرؤى جبرا إبراهيم جبرا، شاكر حسن آل سعيد، نوري الراوي.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية