في مجموعة «لا نهر أمنحه ملوحتي» للشاعرة السعودية المينا منّور، يعاين القارئ نصوصا شعرية لا تكفّ عن التأمل المشدود للتساؤل، التأمل الذي يشمل الذات وما يحيط بها من أنساق قامعة تحدد حركتها وأفق توجهها، وأنساق تموضعها داخل مساحة من الثبات، فترصد الذات الشاعرة مساحات من التشابه بينها وبين جزئيات الواقع المحيط، حية كانت أم مادية. وهي الجزئيات التي تعاني الإهمال، والوجود الهش البسيط الذي لا ينتبه إليه أحد، إلا من خلال زاوية رصد شعرية لا تقنع بالظاهري المتاح، بل تتعاظم عليه، لتصنع من هذا الثبات توازيات وتشابهات مع جزئيات محيطة، ولو بفعل التخيل، وهدم الفواصل والحواجز بين هذه الأشياء والجزئيات.
في نصوص هذا الديوان هناك بوح كاشف عن ذات تتأمل عتمتها المصنوعة من التشظي وسوء التكيف، تغافل كوابيسها بالهروب إلى مساحة تؤسسها داخل فضاء المتخيل، وتتعاظم على وحدتها بإسدال نوع من المشابهة مع جزئيات الواقع، وبالإصغاء إلى روحها، ومقاربتها كأنها منفصلة عنها، وتضعها في حيز المقاربة. فالنصوص الشعرية تكشف عن ذات تراقب ثباتها، ووقوفها داخل أفق مطبق داهم، لكنها تجيد صناعة عوالم موازية، بخلق حكايات وخيالات، تغافل بها واقعها، وتبعدها عن المواجهة، وعن الأسئلة الحادة التي تناوش وجودها.
تؤسس الذات عالمها في سياق مملوء بالوحدة والكآبة، وتصنع في الوقت ذاته أساليب للتغلب عليهما، من خلال أفعال خارقة تدعو للاستغراب والدهشة، فالمهم في هذا الإطار المقاوم صناعة نوع من الحركة تخلخل الثبات الذي يؤسس للموت. هذه الحركة تغافل الكوابيس، وسيل الذاكرة المنفتح، فالركض أو الحركة في منطق النصوص وسيلة ناجعة للبعد عن مواجهة عتمة الروح. وفي تأسيس ذلك بنائيا تنتهج النصوص شكلين للتعبير عن العالم الأنثوي الخاص داخل العالم الكبير بضخامته، الأول منهما يتمثل في التعبير المباشر للكشف عن ملامح خصوصية، وفيه تظهر الذات عارية في لهاثها وحركتها، لمغافلة واقعها ووجودها الفعليين المشدودين للثبات، ولبحثها عن مساحة تكفل لها الاستمرار داخل حركة ساكنة لا تخرق نسقا، أو تباين عرفا أو مواضعة مستقرة. أما الثاني فيتمثل في الإيماء والإيحاء المتوازي في الانفتاح على جزئيات الوجود والالتحام بها، وكأنهما يشكلان وجودا متوازيا، لا ينفصل كل قسيم عن الآخر المقابل له، ويحلّ بكل واحد منهما، ما يحلّ بالآخر من تغير تحت تأثير التعرض للظروف والملابسات المحيطة.
فاعلية النسق
تتآزر في الديوان مجموعة من النصوص لتشكيل هموم المرأة، لكن هذه النصوص لا تستند إلى المتداول في التحامها مع النسق أو الأنساق، بل تخلق رموزها وإيماءاتها، فهي رموز وإيماءات لا تخلو من خصوصية، ومشدودة إلى البساطة المملوءة بمناح معرفية، تتجلى عند تأملها ومعاودة النظر إليها. فالقارئ في هذه المجموعة أمام ذات تكتب نفسها، ولا تعاني استلابا أو استدانة أو شيئا من الجاهزية تجاه المؤسس الإبداعي السابق. وعلى هذا يمكن الإشارة إلى أن المنطلق الأساسي الذي تتجلى وتتشكل في سياقه هذه النصوص ماثل عند حدود النوع البيولوجي، ذلك النوع الذي يؤطر الوجود الأنثوي داخل حدود سابقة التجهيز، تعاني من الصرامة والأطر الجامدة التي لا تلين أو تتغير بحركة الزمن وحداثته.
وفي ظل ذلك يمكن تبرير أو تأويل استعارات الثبات في مقابل الحركة، والانفعال والتأثر مقابل الفاعلية والتأثير، والأفق المغلق والمحدد مقابل الانفتاح اللانهائي على الحياة والوجود، وغياب الصوت في مقابل القدرة على تمثيل الذات والتعبير عنها. فقد ألحّ النص الشعري (صوتي يا جدّي) على مجموعة من الصور المجهرية، تكشف عن الوضع الخاص للأنثى بداية من (الصوت المخنوق)، أو (الصوت المتخدّش)، حيث يشيران إلى غياب تجلي الصوت في وضعه الإنساني الطبيعي، ومرورا (باليد الثقيلة) التي ربما تشير إلى سطوة النسق، وانتهاء (بالكلمات المدماة)، و(الصوت الذي يحمل آثار سكاكين ومشارط).
هذا الوضع الخاص الكاشف عن فاعلية النسق أو الأنساق في تسكين أو تنميط الوجود الأنثوي، يتمّ تمريره في مرحلة الطفولة بمبردات تجعل وجوده أو تأسيسه مبرّرا، بفعل غياب الوعي، أو بفعل فاعلية الإلهاء من خلال المبردات مثل (الأيس كريم). ولكن بعد اكتمال الوعي بالنمو، واستفحال فاعلية اشتغال النسق، يصبح فعل الإلهاء غير ناجع في إسدال مساحة ترطيب، وإعادة الصوت إلى وضعه. يقول النص الشعري: «البارحة التهمت علبة أيس كريم كبيرة/ وانتظرت كما كنت تفعل/ هل سيذهب الجرح بعد أن يبرد/ لكنه أصبح أسوأ/ الماء بات شفرة/ والنفس العميق طريقا وعرة/ أمشي عليها حافية».
وفي سياق سيطرة النسق القامع، تتشكل ملامح الشعرية في نصوص الديوان من خلال منطلقات كاشفة عن سوء التكيف، والفشل في عقد اتصال مع الواقع المحيط. فتأمل النصوص يكشف عن أن هناك مدى واسعا من الوحدة والمعاناة، وأن هناك إحساسا بالوجود الفائض المهمل الذي لا ينتبه إليه أحد، ولا تتوجه نصوص الشاعرة في تصوير ذلك إلى الجاهز المؤسس، بل تجيد الإصغاء إلى الأشياء المحيطة، وتعقد نوعا من الصلة والمشابهة بين حالها المهملة وهذه الجزئيات، فندى الفجر- في نص تلك القطرات انطلاقا من المشابهة ومحاولة تأسيس الصلات- يتحول إلى دموع تتبخّر ذاتيا دون أن ينتبه إليها أحد ويكفكفها.
وسوف تتكرّر آلية المراقبة في نصوص كثيرة، وفيها يتجلى الكشف عن منطلقات الغربة والوحدة، من خلال الاستبدالات والتداخلات بين المراقِب والمراقَب، على نحو ما يمكن أن يتجلى للقارئ في نص (فزع مالح)، وفيه يتكشّف الأمر عن استعارة دائمة الحضور في النصوص الشعرية، ترتبط بالبحر وملوحته، حيث تبدو أستعارة ذات حضور دوري في مقابل النهر وعذوبته، وهي استعارة تتماس مع عنوان الديوان الذي يدخلنا دائرة دلالية كاشفة عن العطش نظرا لملوحة مياه البحر من جانب، وعن الخوف والتجذّر في الثبات خوفا من المجهول ارتباطا بدلالة البحر من جانب آخر.
القصيدة القصيرة ونسق التأمل
تعتمد بعض نصوص الديوان خاصة النصوص القصيرة على دعامتين، الأولى تتمثل في الفكرة التي تنبع وتتشكل في إطار المراقبة والاختزان، والخروج من التلقي الذاتي للوعي بالأشياء المحيطة، للدخول بها إلى نسق جامع يؤسسها في إطار واحد. أما الدعامة الفنية الثانية فتتمثل في القفلة الفنية التي تحدث اهتزازا في التلقي المباشر للنص، وتجعل القارئ يعيد التأمل والمعاينة له مرة أخرى، وفق توجه جديد، فحين يعاين المتلقي الجزء الأول من نص (حياة) الذي يقول «أقدامي التي تؤلمني/ بعد أن أفيق من نومي/ هي أقدامي التي ركضت/ في مشاوير منامي/ حافية» يدرك أن هناك بوحا ذاتيا يكشف عنه، ويؤسس لوجوده ضمير المتكلم.
لكن هذا البوح الذاتي سوف يتعرض للاهتزاز وللشحوب التدريجي، وإن لم يغب نهائيا، ليتأسس مكانه رؤية مرتبطة بالحياة والوجود، وتتشكل إطاراتها في السعي الواقعي للوصول إلى الأهداف المتخيلة التي تشير إلى أن هناك مساحة واسعة بين الواقعي والمتخيل، فالواقع لا يستجيب بسهولة للآمال والأحلام، ومن ثم يأتي الحلم بوصفه الآلية الأقرب لردم الهوة بينهما، وحين يُحدث النص مغايرة في مرجعية ضمير المتكلم في القفلة الفنية النهائية للنص «هكذا قال لي المقعد/ مبتسما قبل أن ينام» فيشعر القارئ أن هناك وعيا يرتبط بالفكرة والمراقبة، لإصدار حكم يشمل الذات وغيرها، ويشمل البشري وغير البشري. فواحد من منطلقات الديوان يتمثل في إزالة الحواجز أو الفواصل بين الحي وغير الحي.
ففي بعض نصوص الديوان هناك حالة من حالات التماهي والتداخل والامتداد، في أطر وأشكال مختلفة، على نحو ما يمكن القارئ أن يدرك في نص (حياة شجرة) فالحياة تتجلى بشكل مغاير بداية من القطع/ الموت، في أصناف عديدة، فالطاولة والسرير والباب والنافذة والكرسي والإطار الخشبي، كلها امتدادات وتجليات تبدأ من موت الشجرة وقطعها، ذلك القطع الذي يشكل بداية دورة جديدة، أو معادلا للحياة وتحولاتها. وفي كل هذه التحولات هناك تداخل بينها وبين البشري الذي يعطيها الحضور الخاص والمختلف، ويشحنها بحياة تتجلى في دورة جديدة، فكلاهما يعطي الآخر ويأخذ منه، ويسقط عليه جزءا من وجوده وخصائصه.
والمتأمل لبنية النصوص القصيرة، يجد أنها – لانفتاحها على التأمل، ورصد الواقع المحيط الذي لا ينفصل عن الذات – تتوحّد مع الغياب بوصفه ضميرا ساردا، فالغياب في هذه النصوص يمثل الخيط الذي يربط الدلالات والصور الجزئية المجهرية التي تتناسل بنيويا من خلال وسائل التمدد التي تكفلها اللغة، مثل الإخبار والوصف والتبعية، حيث تأتي معظم القصائد القصيرة مكونة من جملة واحدة، تتمدد جزئياتها من خلال سبل التمدد المعهودة، ففي (مبتلع الظلال) يلحظ القارئ أن النص يتشكل من جملة واحدة تبدأ (بالعاشق) الذي تتمدد صفاته بما أسدل عليه، ثم بالإخبار (هو رجل)، وتختم بالوصف (وقف ينتظرها تبكي). ففعلا المراقبة والرصد المشمولين بالسرد، لم يخلقا ترهلا بنائيا، فقد حافظ النص على بنيته المحكمة بالرغم من انفتاحه على عالمين مختلفين محاولا رصد مساحات تشابه بين نسقين متباعدين على المستوى الظاهري، تشابه يؤسس له الوجود الشعري النافذ، من خلال إشارته إلى الترابطات الخفية.
وحضور استعارة (النافذة)، وما تشير إليه من استبدالات وتماهٍ، حضور دائم التكرار في النصوص الشعرية القصيرة. فالنافذة في هذه النصوص معادل معاينة وترقب وانتظار للآمال وللمتخيل النموذجي، ووجودها مواز لوجود الذات، ودورتها الوجودية مشابهة لدورة الذات في تعلّقها بالقادم، وارتباطها بخضرة الانتظار التي قد تتشكل في شخص أو محبوب غائب، تتمنى أو تترقب حضوره، ولكن تكرار الغياب، واستمرار الانتظار يشكلان في هذه النافذة مساحة من الصمت المثقل بالغياب، والمفضي إلى الموت التدريجي، وكأنها تمثل إشارة مثقلة بذاكرة للغائبين الذين لم يحضروا في أوانهم، بالرغم من الانتظار. فحركة الستارتين في نص (ذاكرة نافذة) تكشف عن حضور مقترح للفاعلية بفعل الحركة والريح، والاستعداد للتحليق، بعيدا عن النافذة بتاريخها المثقل بالخيبات.
تتمثل أهمية القصيدة القصيرة في هذا الديوان في انفتاحها على المراقبة، لتجذير نسق موضوعي عام، بعيدا عن الانحياز وسطوة حضور الذات من خلال ضمير المتكلم، وتتمثل أيضا في اعتمادها على بنية متلاحمة مشدودة لا تخلو من التوتر الدلالي، لكونها غالبا تتشكل في حدود جملة وحيدة، تتمدد بنائيا، بالإضافة إلى أن القفلة الفنية تجعلنا في غالبية النصوص نعيد قراءة النص مرة أخرى وفق توجه جديد، ووعي مختلف، للقراءة الأولى، وعي لا يتمسك بحدود المكوّن اللفظي، فهناك دائما في مثل هذه النصوص القصيرة، تجليات وإبدالات لصناعة المفارقة التي تطهّر إحساسنا بالعالم وخيباته المتوالية، وتجعلنا ندرك العالم إدراكا خاصا قادرا على الوعي بالتفسخات المحيطة.
المينا منّور: «لا نهر أمنحه ملوحتي»
الكتب خان، القاهرة 2025
193 صفحة.