قبل أن ينطق القاضي أواخر الشهر الماضي بالأحكام الابتدائية التي صدرت في أولى القضايا التي حصلت في عهد الرئيس قيس سعيد وحوكم فيها قادة بارزون في حركة النهضة إلى جانب عدد آخر من الوجوه السياسية المعروفة وجرت عن بعد أي بدون حضور المتهمين إلى قاعة الجلسات، كان الحكم البات والنهائي على تجربة الإسلاميين التونسيين في السلطة قد صدر. ورغم أن عدة منظمات حقوقية بادرت بانتقاد تلك الأحكام بشدة ومن بينها منظمة العفو الدولية التي وصفتها في بيان أصدرته في التاسع عشر من الشهر الجاري أي يوم التصريح بها بأنها «مهزلة للعدالة» وبأنها تظهر «تجاهل السلطات التام لالتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان ولحكم القانون» إلا أن لا أحد في تونس كان ينتظر أحكاما أخف أو كان يرجح وبالمثل فرضية صدور أحكام بالبراءة في حق الموقوفين خصوصا الإسلاميين منهم. ومن المؤكد أنها ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها قادة بارزون في حركة النهضة وتصدر فيها المحاكم أحكاما مشددة بحقهم. فقد كتب جزء كبير من تاريخ حركتهم منذ نشأتها قبل أكثر من نصف قرن داخل أروقة المحاكم ومخافر الشرطة وزنازين السجون والمعتقلات. لكن الجديد الآن هو أن المحاكمات الأخيرة التي شملت وجوها وقيادات من الصف الأول فيها لم تخصص لهم وحدهم كما حصل في عدة مرات في الماضي، بل ضمت إلى جانبهم وفي القضايا نفسها شخصيات معارضة كانت وإلى وقت قريب من أشد خصومهم السياسيين، كما أنها جرت في ظروف محلية وإقليمية ودولية مختلفة تماما عن سابقاتها، وبدت ومن جانب آخر وكأنها تدق جرس إنذار قويا عن قرب إسدال الستار على حقبة كاملة من مسيرة التنظيم الذي بدأ جماعة قبل أن يتحول إلى حزب مدني تونسي مثلما بات يقدم نفسه.
لكن هل يمكن أن تحسم تلك المحاكمات فعلا في مستقبل ومصير تلك الحركة وتحدد بالتالي وفي جزء كبير مكانها وموقعها غدا داخل الساحة السياسية التونسية؟ بالنسبة إلى السلطات لا يبدو الأمر حتميا أو تلقائيا. فهي لا تعتقد أن هناك ارتباطا عضويا ومباشرا بين المسارين القضائي والسياسي. إذ أن كل واحد من الوظيفتين التنفيذية والقضائية مثلما بات يطلق عليهما في الدستور الذي وضعه الرئيس سعيد، يبدو بالنسبة لها منفصلا عن الآخر. ولطالما شدد الرئيس التونسي نفسه وفي أكثر من مناسبة لعل آخرها مطلع آذار/مارس الماضي أي قبل نحو شهر من المحاكمة التي عرفت إعلاميا بقضية التآمر، حين قام بجولة في بعض أحياء العاصمة على أنه «لا يتدخل أبدا في القضاء» وأن «العدالة موجودة في قصور العدالة» على حد تعبيره. كما أن موقفه كان قاطعا أيضا في خصوص إمكانية المصالحة أو حتى الحوار مع من دأب على وصفهم بالخونة والمرتزقة وذلك من خلال تأكيده على أنه لا سبيل أبدا للعودة إلى الوراء، وترديده باستمرار وفي إشارة إلى الطبقة السياسية بكل أطيافها ومكوناتها بما فيها الإسلامية، أن «الشعب والتاريخ قد لفظها». لكن ذلك لا ينفي أن واحدا من بين الأسئلة التي ما زالت تخامر البعض إلى الآن هو ان كانت حركة النهضة وهي أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد قد ذهبت ضحية تجربة ديمقراطية يافعة وطرية العود أجهضت في المهد ولم يكتب لها أن تكتمل بفعل عدة اعتبارات، منها الداخلي ومنها الخارجي خصوصا في ظل وجود نظام إقليمي ودولي معاد لها، أم انها كانت في واقع الأمر ضحية إخفاقها في وقت ما في إدارة دواليب دولة لم تفهم نواميسها ولم تدرك متطلباتها والمشاغل الحقيقية لشعبها؟ من الواضح تماما أن المحاكمات الأخيرة التي حصلت في تونس وسلطت فيها أحكام ابتدائية ثقيلة على عدد من القيادات النهضوية المعروفة أعادت إلى الأضواء مثل ذلك الجدل.
غير أن الموقف من تلك المحاكمات لم يكن في الداخل التونسي واحدا. فإذا استثنينا ما عبرت عنه حركة النهضة مثلا في علاقة بالقضية التي عرفت إعلاميا بقضية «انستالينغو» والتي حكم فيها على رئيسها الشيخ راشد الغنوشي بالسجن لاثنين وعشرين عاما من أن «ما حصل محاكمة سياسية ظالمة تأتي في سياق مزيد التشفي والاعتداء على أبسط الحقوق والحريات وعلى أبسط أسس دولة القانون والحريات» و«تمثل اعتداء صارخا على استقلالية القضاء وحياديته وتسييسا فاضحا لإجراءاته وأحكامه» مثلما جاء في بيان أصدرته بالمناسبة، وما صدر في السياق نفسه عن جبهة الخلاص الوطني التي يقودها المحامي المعروف أحمد نجيب الشابي من مواقف مشابهة، فإن قسما آخر من المعارضين كانت له وجهة نظر مختلفة نسبيا خصوصا حول القضية المعروفة إعلاميا بالتآمر ومن بينها المعارض اليساري البارز وزعيم حزب العمال التونسي حمة الهمامي، الذي أكد في تصريحات إعلامية أن «من افتعلت لهم تهم مثل غازي الشواشي ـ الذي كان الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي ومن معه فنحن مع إطلاق سراحهم. أما الذين وجهت إليهم تهم ـ والإشارة هنا تعني أساسا قادة حركة النهضة –فنحن مع حقهم في محاكة عادلة». وهذا ما يعني أن جزءا من المعارضة التونسية على الأقل ما زال يكيل بمكيالين إثنين كلما تعلق الأمر بالإسلاميين وانه لم يستطع ورغم اتفاقه على انتقاد نظام الرئيس سعيد والتشكيك في نزاهة قضائه أن يخلص إلى الآن من رواسب خلافاته وصراعاته الأيديولوجية القديمة والعقيمة ومن حالة الاستقطاب والصدام التي طبعت عدة مراحل من التاريخ المعاصر لتونس بين القوى التي توصف بالمحافظة أو الإسلامية والتيارات التي تنسب عموما إلى الطيف الحداثي واليساري.
لقد أشار الرئيس التونسي وقبل شهر تقريبا من صدور الأحكام في قضية التآمر وخلال ترؤسه اجتماعا لمجلس الأمن القومي إلى حدوث نوع من التقاطع بين الأطياف المعارضة له حين تحدث عن توالي عدة أحداث داخل تونس قبل شهر رمضان «بالتزامن مع اجتماع في إحدى العواصم الغربية لم يكن أحد يهتم به» قائلا إن «كل هذا تزامن مع محاكمة المتهمين في قضية التآمر على أمن الدولة والصورة واضحة ولا تحتاج إلى توضيح» على حد تعبيره ومضيفا «لقد تحول خصوم الأمس إلى حلفاء وأصبح الأعداء الذين كانوا في الظاهر متناحرين أخوة وأصدقاء، العدو الذي كان لدودا بالأمس صار اليوم صديقا لمن لم يكن عدوه من قبل» وإن «اتفاقهم يشبه ذلك الاتفاق التاريخي في زمن حروب الردة عندما زعم أن نصف قريش سيكون من نصيب من ادعت النبوة والنصف الآخر لمن قبل بها زوجة». غير أنه وبعيدا عن منطق المؤامرات فإن المؤكد هو أن الإسلاميين فشلوا حتى الآن في تكوين جبهة موحدة في مواجهة النظام ولم يتوصل معارضو الرئيس سعيد إلى الاتفاق إلا على مسألة واحدة وهي إزاحته عن الحكم.
لكن كيف ينظر التونسيون إلى ذلك؟ وهل أن المعارضات بما أنه لا وجود فعليا لتكتل أو لجبهة واحدة للمعارضين، قادرة في هذا الظرف بالذات وبالانقسامات التي هي عليها ومع وجود شق منها في الداخل وآخر في الخارج على حشدهم وإقناعهم بخطاباتها؟ ربما يكفي أن نتصور هنا وفي ارتباط بملف حركة النهضة بالتحديد الوقع الذي كانت ستحدثه الأحكام القضائية التي سلطت في القضايا الأخيرة على بعض رموزها مثل الشيخ راشد الغنوشي ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض في صورة ما إذا جاءت تلك الأحكام مثلا في اتجاه مغاير وبرأتهم مما نسب إليهم من تهم. فهل كان الشارع التونسي سيقابلها برضا وارتياح؟ وهل كان بعض المعارضين لسعيد سيرون فيها خطوة في الاتجاه الصحيح؟ لاشك أن ذلك كان سيكون من الصعب أن يحصل. فالواقع يدل على أن موجة كراهية الإسلاميين أو ما يمكن ان يطلق عليه محليا «النهضافوبيا» لم تفتر بعد في تونس، وأن الدعوات التي اطلقت في الخامس والعشرين من تموز/يوليو الفين واحدى وعشرين، أي حين قام قيس سعيد بما اعتبره حركة تصحيحية للمسار بالزج بالنهضويين في السجون وحل حزبهم، ما زالت تجد اليوم صدى واسعا لدى قسم كبير من التونسيين بالنظر إلى ما أصاب صورة حركة النهضة في السنوات الأخيرة من تشوه وتآكل ملحوظ بفعل عدة عوامل، من بينها ترسيخ وسائل الإعلام المحلية لسردية العشرية السوداء التي حكموا فيها البلاد بعد هروب الرئيس الراحل بن علي، وهذا ما يضع الحركة في مواجهة عدة تحديات مصيرية، فهي لا تصطدم فقط بنظام سعيد وقضائه بل أيضا بعدم تحمس جزء من المعارضة التونسية لعودتها إلى الساحة السياسية وعدم تقبل جزء كبير من التونسيين أيضا لتلك العودة. وفي الظروف الحالية التي تعيشها بوجود معظم قياداتها في السجون أو خارج البلاد فإن التعامل مع تلك التحديات لا يبدو بالأمر الهين. لقد استطاعت حركة النهضة وخلال عهدي الرئيسين الراحلين بورقيبة وبن علي الخروج من محن وأزمات كبرى. لكن الفارق الآن هو أنها لم تعد تقف في مواجهة نظام فحسب، بل في القدرة على التعامل أيضا مع مناخ محلي وإقليمي غير مستعد للقبول بوجودها. فهل يؤدي ربما تغيير القيادات وتغيير الخطاب غدا إلى تغير صورتها المهتزة في أذهان التونسيين؟ قد يكون هذا سبيلها الوحيد للاستمرار في البقاء بعد محنة المحاكمات الجديدة.