ضمن سلسلة من حالات الاختطاف والإخفاء القسري المسجلة في حق عدد كبير من الناشطين والصحافيين والسياسيين في ليبيا، جاءت قضية اختطاف النائب الليبي إبراهيم الدرسي، لتجدد المطالبات بوضع حد للانتهاكات المسجلة في البلاد، والتي أنتجها الانقسام السياسي والفوضى العارمة في البلد الذي تديره سلطتان إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب.
والدرسي نائب في مجلس النواب الليبي منذ عام 2014، وكان يشغل رئاسة لجنة الشؤون الدينية والأوقاف وعضوية لجنة المرأة والطفل. وسبق له أن عمل إماما وخطيبا وناشطا اجتماعيا، وله حضور بارز في الحياة المدنية ببنغازي.
وعادت قضية اختطاف النائب الليبي إلى المشهد المحلي بعد تداول مقاطع فيديو مروعة، ظهر فيها النائب وهو مكبل بسلسال من حديد في رقبته، كما بدا هزيلاً وبسن مكسور يدل على تعرضه للضرب، وظهر في الفيديو هو يستنجد حفتر ونجله ويعدهم بالانصياع لكل أوامره إذا أطلقوا سراحه.
وقد نشر الصور موقع «أفريك آسيا» الفرنسي حيث وصفها بالمسرّبة، وظهر فيها الدرسي في وضعية مهينة وهو معتقل ويرتدي ملابسه الداخلية، مع تقييده بسلسلة حول عنقه، ونقل الموقع أن الصور تعود لعملية توقيف للنائب، فيما نشر مقطع الفيديو صحافي غربي شهير وأشار إلى أنه يعود إلى ستة أيام في أعقاب اختطافه.
وبالعودة لبداية القصة ومساء 18 أيار/مايو من عام 2024، انقطع الاتصال بين الدرسي وذويه بعد مغادرته لاحتفال أقامته قيادة حفتر في بنغازي بمناسبة مرور عشر سنوات على «عملية الكرامة»، التي شارك فيه الدرسي برفقة عدد كبير من النواب، من بينهم رئيس مجلس النواب، بالإضافة إلى حفتر وأنجاله ولفيف من القادة العسكريين المقربين منه.
وتُتهم القيادة العسكرية في شرق ليبيا بالوقوف وراء حملات ممنهجة لإسكات الأصوات المعارضة، خاصة تلك التي تنتقد الفساد أو تحتج على هيمنة العسكر على الحياة السياسية.
ولا يزال مصير الدرسي غامضاً بعد مرور قرابة سنة على اختطافه في بنغازي، فيما لا تتعامل الجهات الأمنية التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر مع الحادث بوضوح وسط مخاوف في أوساطها من إمكانية أن تتسبب الحادثة في دفع ملف الاختفاء القسري والاختطافات في معسكر شرق ليبيا إلى الواجهة.
الذكاء الاصطناعي
مع الجدل الذي أثارته القضية القديمة المتجددة، نفى جهاز الأمن الداخلي فرع بنغازي بشكل قاطع صحة الصور والتسجيلات المتداولة، مؤكدا في بيان رسمي أن ما نشر «مفبرك ومسيء»، ويهدف إلى النيل من سمعة أحد أعضاء السلطة التشريعية وبث البلبلة في الرأي العام.
وأكد الجهاز أن الجهات المختصة باشرت تحقيقات عاجلة لتتبع مصدر هذه الصور ومحاسبة من يقف وراء نشرها، محذرًا من الترويج لمواد مضللة تمس بالأمن الوطني وبالكرامة الشخصية للمواطنين.
وتحققت «القدس العربي» من حقيقة الصور المنشورة وأظهرت نتيجة التحقق أن الصور ومقاطع الفيديو صحيحة وغير مفبركة بالنظر للعناصر الموجودة في الصور وعقب تحليلها، ورغم كون نتيجة المواقع المختصة بكشف المحتوى المنتج من قبل الذكاء الاصطناعي غير دقيقة وقد تعطي نتائج متناقضة إلا أن جميع المواقع الشهيرة كانت نتيجة التحقق من خلالها بأن الصور غير مفبركة وهذا ما يعزز صحة تحليل الصور وعناصرها الذي أجرته «القدس العربي».
وبالإضافة إلى تحليل الصور استطاعت «القدس العربي» الوصول إلى أحد أفراد عائلة النائب الليبي وقد أكدت العائلة لـ«القدس العربي» بأن مقطع الفيديو صحيح استناداً إلى علامات موجودة في جسم النائب تميزها العائلة وقد بدت واضحة في المقطع ما يؤكد صحته.
كما أن التناقض في ردود الفعل من السلطات في الشرق الليبي، تؤكد حقيقة الصور ومقطاع الفيديو، ففي الوقت الذي نفى فيه الأمن الداخلي صحتها، حيث أعلنت وزارة الداخلية بالحكومة المكلفة من البرلمان ومقرها بنغازي في بيان أنها تابعت، منذ اللحظات الأولى، هذه التسريبات، مؤكدة البدء فوراً في إجراءات البحث والتقصي والتحري وتشكيل «لجنة تحقيق عليا بالتنسيق مع جهاز الأمن الداخلي وكافة الجهات الأمنية المختصة» لمتابعة ملابسات الحادثة وكشف هوية الجناة.
وأشارت الوزارة إلى أن «التحقيقات الأولية» تفيد بأن التسريب تم بطريقة منسقة من «جهة إجرامية مجهولة تتبع عصابة منظمة»، بهدف «تضليل الرأي العام وتشويه صورة القوات المسلحة العربية الليبية وقياداتها».
فيما قال رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد إنهم لم يتأكدوا بعد من صحة المشاهد المنشورة للدرسي، مشيرا إلى أن بثّها حاليا هو محاولة للتوظيف السياسي، وفق قوله.
وقال حماد معلقا على تسريبات الدرسي في اجتماع أمني موسّع، إن النائب الدرسي من أبرز الداعمين لعملية الكرامة وموقفه واضح من الإرهاب والتطرف، مضيفا أن الحدث يستدعي فتح تحقيق من النائب العام للوصول إلى الحقيقة، على حد قوله.
امتناع عن التعليق
حاولت صحيفة «القدس العربي»، التواصل مع عدد من المسؤولين المخولين بالتصريح من قبل سلطات الشرق الليبي فضلاً عن عدد من النواب، وقد أكد أحدهم والذي رفض ذكر اسمه، أنهم تلقوا تهديداً صريحاً بالامتناع عن التصريح أو الحديث الإعلامي عن هذه القضية، مشيرين إلى أنهم يخشون مواجهة نفس مصير الدرسي وسهام سرقيوة وغيرهما من الشخصيات الشهيرة التي أعتقلت بعد انتقاد السلطات في الشرق، موضحا أنهم يعانون من تضييقات من قبل السلطات.
واضطر مجلس النواب الليبي إلى التعليق ببيان عام جدا حول القضية بعد الجدل الكبير الذي أثارته، حيث لم يشر كجهاز الأمن التابع له بأن الصور مفبركة بل عبر عن استهجانه الشديد للصور ومقاطع الفيديو «البشعة والصادمة» التي تم تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ونُسبت لعضو المجلس المختطف، إبراهيم الدرسي، إلا أنه أكد فقط عدم التأكد من مدى صحتها حتى الآن.
وطالب مجلس النواب في بيانه، بشكل قاطع، الأجهزة الأمنية المختصة كافة بـ»الاضطلاع بدورها ومتابعة وتكثيف التحقيقات بشكل عاجل» حول هذه التسريبات، مشددا على ضرورة التأكد من صحة هذه المواد المتداولة، وكشف مصدرها، والأسباب التي أدت إلى نشرها في هذا التوقيت، وتحديد الجهات التي تقف وراءها ومن هي الجهات المستفيدة منها.
قبيلة الدرسة وحفتر
شهدت منطقة البياضة مسقط رأس النائب الليبي إبراهيم الدرسي، حالة من التوتر والقلق الشعبي، بعد تنفيذ قوة أمنية عملية مداهمة واعتقالات طالت عددًا من أبناء قبيلة الدرسة، وذلك في ساعة متأخرة من ليل الإثنين، وسط أنباء عن قطع خدمات الإنترنت عن المنطقة.
وقالت مصادر محلية لـ«القدس العربي»، إن القوات الأمنية اعتقلت أربعة من شباب قبيلة الدرسة، على خلفية ظهورهم في مقطع مصور تم تداوله عصر الإثنين، يدعون فيه أبناء القبيلة للمشاركة في اجتماع قبلي موسع مقرر عقده يوم الثلاثاء 6 أيار/مايو، لمناقشة تطورات قضية النائب إبراهيم الدرسي والمقاطع المسربة التي ظهرت له مؤخرًا.
وجاءت الاعتقالات بعد ساعات من إصدار بيان قوي من أبناء الدرسة في البياضة، حملوا فيه السلطات الليبية مسؤولية مصير النائب الدرسي، وطالبوا بالإفراج الفوري عنه من دون قيد أو شرط، مع محاسبة من وصفوهم بالمتورطين في اعتقاله أو التستر على ما يتعرض له.
ولم يتسن لـ«القدس العربي» التحقق من هذه الأنباء، إلا أن مصادر محلية متطابقة أكدت صحتها.
ووسط التوتر يؤكد مسؤول سابق في قيادات حفتر بأن سلطات المنطقة الشرقية وهم الحكومة ومقربون من حفتر يحاولون جاهدين احتواء غضب قبيلة الدرسة بعقد لقاءات متتالية معهم، وأوضح المسؤول السابق أن قوات حفتر اعترفت لقيادات القبيلة بأن مقطع الفيديو صحيح بعد الضغط الذي رأته منهم، إلا أنهم أكدوا أن حفتر وأبناءه غير متورطين فيها.
وعلى غرار إدعاءات حفتر، يؤكد المسؤول السابق في قيادة حفتر، أن نجله صدام هو المسؤول بشكل مباشر على إعطاء الأوامر لاختطاف النائب بعد انتقاده السلطات في آخر ظهور له العام الماضي، موضحاً أن السلطات تتهرب من التحقيق لتورطها.
ويقول الناطق السابق باسم عملية الكرامة، محمد الحجازي أن هناك جهات تحاول إخفاء جريمة تعذيب إبراهيم الدرسي، ولهذا التقوا مع قبيلة الدرسة، مضيفا أن هذه الجهات مُرتبكة وتتخبط، وفقدت كل البوصلة والاتجاهات، لهذا يتكلمون بسيناريو جديد لا يمكن أن يقبله عقل، عرفت به من خلال لقائهم مع وفد قبيلة الدرسة حيث اعترفوا خلال اللقاء بأن هذا هو الدرسي، وأن المشاهد غير مزيفة بالذكاء الاصطناعي، وقالوا إن من اختطفته عصابات إجرامية من الجزائر.
وفي مقطع فيديو سابق متداول ومسرب يقول أحد مشائخ قبيلة الدرسة مخاطباً أبناء القبيلة، بأن النائب إبراهيم الدرسي محتجز لدى قيادة حفتر، مضيفا أنه لم يخرج من منطقة الاحتفال قائلا «لن تنفعنا كثرة الخوف».
غضب محلي ودولي
وشهدت الحادثة ردود فعل محلية ودولية تطالب بالكشف عن هوية المتورطين والتأكد من صحة الفيديوهات المسربة، خاصة بعد تبني السلطات التابعة لحفتر رواية أن المشاهد مفبركة بالذكاء الاصطناعي.
وفي طرابلس؛ أدانت حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة أيضا ما ورد في هذه التسريبات، مطالبين بالتحقيق ومحاسبة المتورطين.
كما أدانت أحزاب سياسية بينها العدالة والبناء وتيار يا بلادي ومنظمة رصد الجرائم في ليبيا بشدة ما وصف بـ»التسريبات الصادمة والمؤلمة» التي تظهر النائب الدرسي «مكبلا وممددا على الأرض»، معتبرين أن هذه التسريبات «جريمة كاملة الأركان ضد الإنسانية»، تتحملها «السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية» في المنطقة الشرقية.
ودعا حزب العدالة والبناء إلى «الإفراج الفوري» عن النائب إبراهيم الدرسي، مؤكداً أن «احترام حقوق المواطنين الإنسانية والقانونية أمر لا يمكن التخلي عنه مهما كانت الظروف»، رافضا أي محاولة لـ«تمييع القضية» أو استغلالها سياسيا.
فيما أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها البالغ إزاء الفيديو المُتداول للنائب إبراهيم الدرسي «مُحتجزًا ومُقيّدًا بالسلاسل وعليه آثار تعذيب واضحة».
وقالت البعثة إنها طلبت من خبراء الأدلة الجنائية الرقمية التابعين للأمم المتحدة تقييم صحة الفيديو، معبرة عن «تعاطفها» مع عائلته وزملائه في هذه المحنة التي يمرون بها، وهم يتعرضون لهذا الفيديو المُقلق، على حد وصفها.
ودعت البعثة السلطات الليبية إلى الشروع فورًا في تحقيق مُستقل وكامل في الاختفاء القسري، مؤكدة استعدادها لدعم تحقيق مُستقل في الاختفاء ومزاعم التعذيب، وفق قولها.
من جهته أعرب الاتحاد الأوروبي والبعثات الأوروبية في ليبيا عن قلقهم إزاء تسريبات الدرسي، ودعوا، في بيان مشترك، إلى فتح تحقيق عاجل في القضية وتحديد مكان وجوده.
وأدانوا بشدة استمرار استخدام الاحتجاز التعسفي في ليبيا، مشددين على ضرورة تقديم المسؤولين عن اختفاء الدرسي إلى العدالة.
وشددوا على أنه ينبغي للسلطات الليبية ضمان الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين بدون محاكمة وإجراء تحقيقات بما في ذلك قضية النائبة سهام سرقيوة.
فيما قال المجلس الرئاسي إن المشاهد التي نشرت لعضو مجلس النواب إبراهيم الدرسي توثق أوضاعا غير قانونية أو إنسانية وتمس كرامة المواطن الليبي وتثير التساؤلات الجدية بشأن ظروف اختفائه ومكان احتجازه ومعاملته.
وأعرب الرئاسي في بيان له، عن قلقه إزاء استمرار الغموض المحيط بالقضية وسط غياب نتائج ملموسة من الجهات ذات الاختصاص، والتشكيك بمصداقية التسريبات، وفق قوله.
وأضاف الرئاسي أن هذه القضية وقضايا أخرى مشابهة لم تعد تحتمل مزيداً من التأخير، مشددا على ضرورة فتح تحقيق شفاف ونزيه وشامل بإشراف لجنة تحقيق مشتركة دولية ـ وطنية، بحسب قوله.
كما شدد الرئاسي على ضرورة ضمان الوصول للحقائق كاملة وتحقيق العدالة، ومحاسبة جميع المتورطين في أي أفعال تنتهك القانون أو تقوض الثقة العامة في مؤسسات الدولة، داعيا رئاسة مجلس النواب لتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في حماية الأعضاء وإرادتهم الحرة.
ولا يزال مصير الدرسي غامضا بعد مرور قرابة سنة على اختطافه في بنغازي، وسط تكتم الجهات الأمنية التابعة لخليفة حفتر، وغياب كامل للمطالبة بالكشف عن مصيره من قبل ذويه وقبيلته بعد أن كانت المطالبات نشطة خلال الأيام الأولى من اختفائه.
وأثار شكل وطريقة اختفاء الدرسي التي بينتها الفيديوهات المتداولة شكوكًا حول علاقة اختفائه بتصريحات له قبل أيام لقناة فضائية محلية ضمن حديثه عن ملف الإعمار في مدينتي بنغازي ودرنة، انتقد خلالها ما وصفها بسيطرة شريحة على السلطة في شرق ليبيا، مقابل تهميش بقية أبناء شرق البلاد، في إشارة إلى أبناء حفتر الذين يديرون ملف الإعمار في المدينتين.
وعلى الرغم من ظهور الدرسي مجددًا قبل ثلاثة أيام من اختطافه في تصريحات أخرى غيّر فيها من لهجة انتقاده إلى الثناء على جهود أبناء حفتر في ملف الإعمار في بنغازي ودرنة، فإن العديد من النشطاء تساءلوا عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن أسباب صمت قيادة حفتر عن التعليق على الحادث.
وحينها أعلن مجلس النواب في بيان أنه يتابع بقلق حادثة اختفاء إبراهيم الدرسي، مطالباً النائب العام بالتحقيق في الواقعة.
وعند اختطافه دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا السلطات المختصة إلى تحديد مكان النائب إبراهيم الدرسي، وتأمين إطلاقه فورًا، مطالبة بإجراء تحقيق شامل في ملابسات اختفائه، ومحاسبة المسؤولين بموجب القانون.
ويربط مراقبون بين ما حدث للدرسي وما حدث لزميلته النائبة سهام سرقيوة التي لا يزال مصيرها مجهولا منذ اختطافها في 17 تموز/يوليو 2019، حيث أكدت تقارير محلية أن جهات محسوبة على حفتر أشرفت على إعدامها بشكل مباشر ومقصود.