تعتبر مدينة بيت لاهيا الواقعة إلى أقصى شمال غرب قطاع غزة بمحاذاة الحدود الفاصلة مع إسرائيل، من أجمل مدن قطاع غزة الزراعية والريفية، وظلت حتى قبل نشوب الحرب مزارا عربيا ودوليا، لما تضمه المدينة القديمة من معالم أثرية عريقة كالمقابر والكنائس والأديرة، إلى جانب تميزها بزراعة التوت الأرضي (الفراولة)، وهذه النبتة الحمراء ذات الشكل واللون المميز، جعلت مدينة بيت لاهيا تسمى مدينة الذهب الأحمر، حيث تشتهر لوحدها عن باقي المدن الفلسطينية بزراعة الفراولة، وتصدر سنويا كميات كبيرة إلى أوروبا وبعض البلدان العربية.
واختلف المؤرخون حول سبب تسمية بيت لاهيا بهذا الإسم، حيث نسب البعض التسمية إلى أنها مشتقة من كلمة الآلهة، حيث كانت المدينة سابقا بيت الآلهة والمعابد، ويقول آخرون إن المدينة نظرا لجمالها وأماكن التنزه فيها جعلها مدينة للهو، لذلك سميت باسم بيت لاهيا، وهذه التسمية هي الأقرب وفق مؤرخين، حيث تعرف المدينة بجمال بساتينها وطبيعتها الجغرافية، وزراعتها للعديد من أصناف الفواكه إلى جانب التوت الأحمر مثل العنب والصبار والرمان والتفاح، إلى جانب زراعة الحمضيات مثل البرتقال والليمون بالإضافة إلى زراعة الزيتون والعديد من المزروعات الأخرى، كما تعتبر مياه الأمطار من مصادر المياه الرئيسية للري إلى جانب المياه الجوفية، حيث تقع المدينة على خزان مياه جوفي يمتد حتى الشريط الساحلي، وتعتبر بيت لاهيا مدينة الفائض المائي، وهذا يميزها أيضا عن باقي مدن قطاع غزة، حيث تستفاد من مياه الأمطار التي تبدأ بالهطول مطلع تشرين الأول/أكتوبر حتى نهاية آذار/مارس من كل عام، وهذه الكميات الكبيرة من المياه تميز الإنتاج الزراعي للمدينة.
سكنها الرومان والكنعانيون
عبر آلاف العصور سكن بيت لاهيا الرومان والكنعانيون والفرس ومن ثم المسلمون، وعام 1948 احتلها الإسرائيليون عندما غزوا فلسطين، وكانت بيت لاهيا قبل النكبة تعتبر ثاني أكبر مدينة من حيث عدد المساجد والأملاك في اللواء الجنوبي من فلسطين، وامتدت أراضيها حتى بلدة بيت حانون وصولا إلى قرية برير داخل الخط الفاصل، وتسببت هجرة اليهود إلى فلسطين في قطع جزء كبير من أراضيها فصغرت مساحتها، ومع انسحاب الاحتلال الإسرائيلي جزئيا عام 2005 من قطاع غزة، أصبحت المدينة جزءا من القطاع وأضيف لها العديد من القرى المجاورة كالسلاطين والعطاطرة، والسيفا وأصلان والقرية البدوية، وحارة المنشية والحطبية ومشروع بيت لاهيا، وعاد سكانها لإحياء المدينة من خلال زراعتها بالفواكه والحمضيات لاسيما التوت الأحمر (الفراولة)، حيث تبلغ مساحة المدينة قرابة 24 ألف دونم بعد ما كانت تبلغ 38 ألف دونم، لكن الاحتلال اقتطع جزءا من مساحتها، وما زال يسيطر على الجزء الذي تم ضمه إلى ما يعرف معبر إيرز الفاصل بين غزة وإسرائيل، ورغم ذلك ما زالت أطماع الاحتلال حاضرة، حيث ينوي إعادة السيطرة على المدينة تحت ذريعة إنشاء حزام أمني على طول وعرض القطاع، وهذه خطوة يهدف الاحتلال منها إلى سرقة ما تبقى من موارد طبيعية في المدينة، وحرمان سكانها ومزارعيها من إحيائها مرة أخرى، نظرا لما تجنيه المدينة من مردود اقتصادي سنوي وفير على المزارعين.
ولا تزال بيت لاهيا منذ بداية الصراع مقصدا للأطماع الإسرائيلية، حيث سرق الاحتلال قبل الخروج منها تلالا رملية، حيث تحيط بالمدينة كثبان رملية مرتفعة يصل ارتفاعها ما بين 25 إلى 50 مترا فوق سطح البحر، كما سرق المياه الجوفية عبر مد خطوط أرضية عميقة لسحب المياه، ومنذ بداية أول حرب على غزة مطلع العام 2008، بدأ الاحتلال باستهداف المدينة من خلال التوغل البري وتجريف المحاصيل الزراعية لضربها اقتصاديا، لكن بعد كل حرب يعود المزارعون لاستصلاح أراضيهم وتعود الزراعة فيها من جديد، وهكذا هو الحال حتى قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لكن منذ بدء حرب الإبادة، سارع الاحتلال إلى تدمير المدينة بالكامل وتسويتها بالأرض، وأعدم كل مقومات الحياة وجعلها كومة من الرماد، بعد أن دمر كل المباني العمرانية والأراضي الزراعية، وكل آبار المياه والخطوط الأرضية.
سلة غزة الغذائية
مع توقيع اتفاقية أوسلو أواخر عام 1993، جعلت السلطة الفلسطينية البلدة جزءا من محافظة الشمال، مع اعتمادها تقسيما إداريا جديدا في القطاع، ثم أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات تحويلها إلى مدينة وإنشاء مجلس بلدي فيها، ومع دخول انتفاضة الأقصى أواخر عام 2000، بدأت تتعرض المدينة لسلسلة من الهجمات والتجريف والتخريب بين وقت وآخر واستمرت العمليات إلى اليوم، على الرغم من وجود بلدات محاذية مع إسرائيل، إلا أن بيت لاهيا كانت وما زالت محط الأطماع الإسرائيلية، بسبب ما تحتويه البلدة من معالم تاريخية، إلى جانب تربتها الخصبة التي تتيح زراعة العديد من المزروعات الثمينة والنادرة، ونتيجة للتضييق الإسرائيلي على حرية عمل سكان المدينة وبالأخص المزارعين وإطلاق الأعيرة النارية صوبهم خلال عملهم داخل أراضيهم، فضلت نسبة كبيرة منهم خلال السنوات الماضية العمل داخل إسرائيل في مهن عدة، أبرزها الزراعة والخياطة والبناء حفاظا على أرواحهم، واليوم وبعد التجريف الهائل للمدينة نتيجة العملية البرية فيها، لم تعد المدينة قابلة للحياة ولا يمكن استصلاح أراضيها بسهولة.
في تعقيب على الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة وتحويلها إلى كومة من الرماد بعد ما كانت من أجمل مدن غزة، يقول رئيس بلدية بيت لاهيا المهندس علاء العطار إن «الاحتلال الإسرائيلي يتعمد خلال كل جولة تصعيد عسكري، قصف المناطق الزراعية في المدينة وتخريبها لضرب الاقتصاد الزراعي، لكن منذ بداية الحرب أقدم الاحتلال على تدميرها بالكامل، بهدف ضرب القيمة الجمالية للمدينة وضرب اقتصادها الزراعي، كونها تشتهر بالعديد من المزروعات التي تفتقد إليها بلدان عدة من العالم، مثل الفراولة التي تعتبر بيت لاهيا موطنا لها».
وأوضح في حديثه لـ«القدس العربي» أن «مدينة بيت لاهيا تعتبر سلة غزة الغذائية، كما تضم العديد من المعالم الأثرية العريقة التي مضى عليها آلاف السنوات، حيث يوجد في المدينة الكنيسة البيزنطية والمقبرة الرومانية وتل الذهب وبعض الأديرة، حيث تشكل المدينة كنزا أثريا، خاصة في ظل الاكتشافات المستمرة لبقايا المقابر القديمة والقطع الأثرية داخل الخرب المهجورة مثل خربة حمودة شرقها وخربة السحلية غربي المدينة، حيث عثر قبل نشوب الحرب بأشهر قليلة على بقايا قطع أثرية داخل الخربتين خلال أعمال تنقيب أجريت».
وبين أن «الاحتلال تعمد خلال تصعيده على المدينة طمس كل المعالم الجمالية والأثرية لبيت لاهيا، من خلال تجريف كافة الأراضي الزراعية وشوارع المدينة، بالإضافة إلى استخدام الروبوتات المتفجرة لنسف المنازل والبنى التحتية، وتحويل المدينة إلى جبال من الرماد وبقايا المنازل المهدمة، لتختفي عن الوجود، وتختفي بذلك معالمها الأثرية ومزارعها الخضراء الجميلة».
وأشار إلى أن «المدينة تحتاج إلى عامين وأكثر كي يتم إزالة الركام الذي خلفه الاحتلال وما زال يخلفه من عمليات النسف والتجريف لما تبقى من مبانيها، أما المساحات الزراعية فقد دمرت ولا يمكن إصلاحها بعد الآن، نتيجة تدفق مياه الصرف الصحي إليها، كما وتم تدمير كل مصادر الحصول على المياه من آبار جوفية وبرك تجميع مياه الأمطار، عدا عن تحويل الاحتلال تلك الأراضي إلى مكب للردم واستخدامه كسواتر لحماية الجيش».
مقبرتان
من الحقبة الرومانية
يقول الخبير في التنقيب عن الآثار فضل العطل «تعتبر مدينة بيت لاهيا من المدن الأثرية الجميلة التي تضم عددا كبيرا
الكنوز الأثرية للعصور التي سكنت فلسطين قديما وأبرزها الرومانيون، حيث كانت المدينة تحتفظ ببقايا هذه المعالم ومنها الكنيسة البيزنطية التي تم ترميمها عدة مرات، إلى جانب مقبرتين تعودان للحقبة الرومانية، ومساجد قديمة تم ترميمها للحفاظ على التاريخ العريق للمدينة من الاندثار».
ولفت العطل في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن «الاحتلال تعمد حتى خلال جولات التصعيد السابقة، إلحاق الأذى والضرر المتعمد بالمعالم الأثرية الموجودة في بيت لاهيا، فهناك تل الذهب تم قصفه مرات عديدة، كذلك الكنيسة البيزنطية تعرضت أجزاء منها للهدم إثر شظايا الصواريخ والارتجاجات الأرضية العنيفة للصواريخ، وتم إجراء عمليات إصلاح عليها لكن خلال حرب الإبادة المستمرة، لم يعط الاحتلال المجال أمام الفرق المختصة لإنقاذ ما تبقى من معالم بعد الدمار الهائل الذي أصاب المدينة، بل هدم كل ما تبقى من معالم أثرية وطمس هوية المدينة التاريخية».
وقد ازدادت أحوال المزارعين سوءا، فأكثر من 700 مزارع تبددت آمالهم وأحلامهم، بعد ما لحق بالمدينة دمار كبير وانتهى عملهم في هذه المهنة التي يعتمدونها في أرزاقهم، لاسيما الفراولة، التي تشكل ركيزة اقتصادية أساسية للمدينة ومزارعها. ومع عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة، إستصلح عدد من المزارعين أراضيهم في مدينة بيت لاهيا، وبدأوا في زراعتها رغم قلة الإمكانيات، وما أن بدأت الحياة تعود تدريجيا للمدينة، حتى عاد الاحتلال ليدمرها بالكامل، ويهدم معها طموح المزارعين وإصرارهم على البقاء، وإحياء المدينة التي تمثل لهم رمز أثريا.
يقول المزارع عاطف أغا «تعتبر الفراولة درة الشمال زراعيا، وبالتحديد مدينة بيت لاهيا ذات التربة الخصبة والمناخ المعتدل، حيث بدأت زراعتها في غزة مع بداية ستينيات القرن الماضي بمساحات صغيرة وإنتاج سنوي كان يصل إلى طن ونصف، ومع النجاحات التي حققها المزارعون تم توسيع المساحات الزراعية وزاد الإنتاج إلى ما يقارب من 17 طنا سنويا، وهذا المحصول يعتبر من الأهم لمزارعي بيت لاهيا، فهو مرغوب عالميا ومدر للمال، وجودته عالية وإنتاجه مبكر، حيث يمكن زراعته بعد انتهاء الحصاد مباشرة، ونتيجة لكونه محصولا وفيرا، يتعمد الاحتلال في كل موسم تعطيل تصديره، لمنع عشرات العمال من الاستفادة من الموسم خلال عملهم في حصد الفراولة وفرزها وتغليفها ونقلها استعداد للتصدير».
ولفت لـ«القدس العربي» إلى أن «الاحتلال قتل أحلامنا، بل وتعمد قتل واستهداف المزارعين ليس فقط خلال عملهم داخل أراضيهم، بل استهدافهم وهم أمنون داخل منازلهم مع عائلاتهم، إلى جانب تدمير كافة الجرارات والمعدات الزراعية وحرقها، بالإضافة إلى ذلك جرف الاحتلال كل المعالم التاريخية القريبة من المناطق الزراعية، حيث كان في المدينة موروث تاريخي عريق من أديرة وخرب وغير ذلك من بقايا الحضارات التي سكنتها قديما، وكان المزارعون يحافظون على هذا التاريخ ويحرصون على بقائه إلى جانب الجهات المختصة، لكن الاحتلال لم يبق أي معلم في المدينة، وهكذا هو الحال في باقي مناطق القطاع الذي يتعرض للإبادة».
وبين أن أرضه التي تقع على مقربة من موقع زيكيم العسكري الإسرائيلي أقصى شمال غرب غزة، كانت تتعرض خلال التصعيدات العسكرية السابقة للتخريب بفعل القصف الإسرائيلي لها، لكن «رغم ذلك أعود إلى استصلاحها والعمل فيها وإنتاج المحاصيل وأبرزها الفراولة رغم كل المضايقات، لكن اليوم وبعد ما جرى من إبادة مرعبة للمدينة، لم يعد بالإمكان استصلاح أراضيها، وبدأت وبعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها التفكير بالهجرة والبحث عن عمل خارج قطاع غزة». ومنذ بدء حرب الإبادة على غزة مطلع أكتوبر 2023، سارع الاحتلال لتدمير القطاع من خلال القصف الجوي وتجريف الأحياء خلال عمليات التوغل البري، في مقابل ذلك ركز على تدمير المواقع التاريخية الأثرية في مختلف مناطق القطاع، وقصفها بالصواريخ المحرمة، وجعل قطاع غزة منطقة منكوبة غير صالحة للحياة.