من السجن إلى القصر وبالعكس ـ «فذكر إن نفعت الذكرى»

■ كثيرة هي الحوادث العظيمة والمفجعة التي شهدها العالم في السبعين سنة الماضية، منذ إنشاء المنظمة الدولية عام 1945. كان العالم قد خرج من حرب عالمية تحطمت فيها دول عريقة ونشأت على أنقاضها دول جديدة.
تغيرت كثير من الحدود وتقسمت كثير من الدول بين شرق وغرب أو شمال وجنوب. كان هدف الدول الخمسين التي أنشأت المنظمة الدولية ووقعت ميثاقها أولا قبل أن تستقبل العديد من الأعضاء، أن يكون العالم الذي يعيشون فيه وستعيش فيه أجيال عديدة من بعدهم محكوما بالقانون الذي ينطبق على الدول صغيرها وكبيرها، بدون أن يعني ذلك تدخلا في الشأن الداخلي لأي دولة، حسبما نصت عليه النقطة السابعة من البند الثاني من الفصل الأول من الميثاق.
القانون الدولي الذي أراد أن يضبط علاقات الدول ببعضها بعضا أشبه بإشارات المرور التي تنظم حركة السير. ولولا تلك الإشارات المنتشرة في كل شارع ودرب، لما انتظمت حركة الملايين من السيارات، وما حوادث التصادم في غالبيتها إلا نتيجة لانتهاك تلك القوانين، التي تؤدي أحيانا إلى موت أو إصابات أو خسائر مادية.
لقد كانت تلك القوانين، التي تنظم العلاقات الدولية قائمة على أساس القبول الطوعي لها من لدن كل دولة مستقلة، تمارس السلطة الحاكمة فيها سيادة الدولة على الأرض والشعب، وتعمل على حمايتها وترسيخها. لكن تلك السيادة لا تعني بالمطلق عدم التدخل فيها، فبمجرد توقيع ميثاق المنظمة الدولية تقرر سلطة الدولة أن تتنازل عن شيء من سيادتها المطلقة من أجل الصالح العام، حيث ينص الميثاق على استعداد تلك الدول أن تنفذ قرارات مجلس الأمن، وان تفي بالتزاماتها، حسبما ينص عليه الميثاق. ومن المعروف أن القرارات تؤخذ بالغالبية وليس بالإجماع، ما يعني أن الدولة ملزمة بتطبيق القرار، حتى لو لم توافق على مضمونه بالكامل، أو على إحدى فقراته. فمثلا عندما يعتمد مجلس الأمن قرارا بحظر تصدير السلاح إلى بلد ما متهم بالعدوان يصبح الانصياع لهذا القرار ليس خيارا، بل إلزاما. وعندما يطبق حظر اقتصادي على بلد ما لردعه عن عدوان قام به يصبح تنفيذ المقاطعة الاقتصادية إجراء ملزما للجميع، بغض النظر عن الموقف الذاتي لهذا البلد أو ذاك.

نظام الحكم مرتبط بممارسة السيادة

لقد كانت مسألة اختيار نظام الحكم مسألة داخلية بحتة لا يجوز لأي دولة قوية كانت أو ضعيفة، جارة أو غير جارة، أن تعمل على الإطاحة بذلك النظام، حتى لو لم يكن نظاما عادلا مع شعبه ومنتهكا لحقوق الناس ومضطهدا للأقليات أو ممارسا للعنف المفرط. تلك مسؤولية تركت للشعب نفسه للتعامل معها، بدون تدخل خارجي. فإذا ما انتفض شعب ضد حاكم جلاد ظالم وقاهر لا يجد المجتمع الدولي مفرا من التعامل مع الحكم الجديد الذي أطاح بحاكم ظالم وقاهر. كما حدث مع شاه إيران وجعفر النميري وفرديناند ماركوس ومؤخرا مع زين العابدين بن علي وحسني مبارك.
تزامنت الحرب الباردة التي امتدت لأربعين سنة ونيف، مع انتشار حركات التحرر من الاستعمار. كانت الدول المستعمـِرة في معظمها تنتمي للقارة الأوروبية ومعظم الدول الخاضعة للاستعمار منتشرة في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينة. تشكلت حركات التحرر بقيادات في غالبيتها يسارية، فوجدت تلك الثورات دعما ماديا ومعنويا من كتلة الاتحاد السوفييتي. وما أن تنجز تلك الحركات مرحلة التحرر الوطني وتطرد الاستعمار حتى تنضم إلى عضوية الأمم المتحدة، وتجد نفسها أقرب إلى أحد المعسكرين. وكانت الدولتان الأعظم تغضان الطرف عما يرتكب الحاكم الموالي من جرائم ضد شعبه، ما دام منتظما في دعم مواقف الدولة العظمى، بل وكانت تغدق عليه العطايا والهبات والقروض حتى لو كان قاتلا ومجرما وسفاحا. وكانت الدولتان الأعظم تتدخلان في شؤون الدول قريبها وبعيدها، وتعملان على الإطاحة بالحاكم المعادي واستبداله بحاكم موالٍ، رغم أن في ذلك انتهاكا لسيادة الدول وانتهاكا للقانون الدولي، فما كان ينطبق على الدول المتوسطة والصغرى لا ينطبق على الدول العظمى، فكم مرة قامت الولايات المتحدة بالإطاحة بنظام لا يعجبها واستبداله بنظام مجرم في حق شعبه، كما فعلت في تشيلي، وكذلك فعل الاتحاد السوفييتي في الدول التي كان يعتقد أن تغيير النظام يخدم مصالحه العليا، كما فعل في أفغانستان.

الانقلابات والإطاحة بالحاكم المنتخب

ظل نظام الحكم بشكل عام مسألة داخلية خلال الحرب الباردة. وقد وصل إلى سدة الحكم في تلك الفترة زعماء حركات التحرر الذين قادوا البلاد إلى الاستقلال وكسبوا شعبية وشرعية سوغتها سنوات النضال المريرة ضد الاستعمار، أو ضد النظم الديكتاتورية المدعومة من دول الاستعمار أو الإمبريالية الأمريكية. فلا عجب أن وصل زعماء حركات التحرر إلى السلطة في الجزائر وتونس واليمن الجنوبي وزمبابوي وناميبيا وأنغولا وغانا وكينيا وتانزانيا وجنوب أفريقيا ويوغسلافيا والصين الشعبية وفيتنام ولاوس وكامبوديا وكوبا والسلفادور ونيكاراغوا والمكسيك وغيرها الكثير. لا غرابة في ذلك فمن قاد النضال ضد المستعمر يستحق أن يصل سدة الحكم على الأقل في بداية الأمر، إلى أن تستقر الأمور ويتم التوافق على دستور بتراضي غالبية الشعب، ينظم السياسة الداخلية ويقرر نوع الحكم الذي يلقى تأييدا جماهيريا. لكن المشكلة في بعض الزعماء السلطويين، خاصة في بلاد العرب أنهم استمرأوا حياة القصر بعد أن وصلوا إليه ولا يريدون أن يذهب لغيرهم. وقد خلقت هذه الحالات العديدة في دول العالم الثالث احتقانات خطيرة وتوترات داخلية وصلت إلى حد الانفجار على طريقتين: إما انقلاب يقوده العسكر أو انتفاضات شعبية تطرد الطاغية أو تضعه خلف القبضان غير مأسوف عليه.
الإشكالية التي واجهها المجتمع الدولي هي في كيفية التعامل مع حاكم شرعي منتخب يصل الحكم بطريقة شرعية، لا تزوير ولا تلفيق فيها، تحت عيون مراقبين محليين ودوليين يشهدون بنزاهة الانتخابات، ثم يحدث الانقلاب ضد تلك الحكومة التي تتمتع بالشرعية الدستورية. ولنمر على بعض الأمثلة العظمى في هذا المجال:
– فقد انتقل أحمد بن بيله من سجون فرنسا إلى فيلا جولي كأول رئيس للجزائر، وما لبث بعد أقل من ثلاث سنوات في الحكم أن اقتيد من الفيلا نفسها إلى السجن، رغم ما كان يتمتع به من شعبية طاغية بسبب دوره العظيم أثناء حرب التحرير الشعبية. وقد انتقدت العديد من الدول قادة الانقلاب، مثل مصر ويوغسلافيا وكوبا والاتحاد السوفييتي، إلا أن قادة الانقلاب برئاسة وزير الدفاع هواري بومدين استطاعوا تجاوز ردات الفعل على الانقلاب وتمكنوا من تحقيق العديد من الإنجازات وعززوا وحدة البلاد. فقد استطاع بومدين في سنوات حكمة (1965-1978) أن يضع الجزائر في قيادة دول العالم الثالث، وأصبحت العاصمة الجزائرية محج حركات التحرر في العالم ومركزا للدفاع عن قضايا الأمة العربية، خاصة فلسطين، معوضا إلى حد كبير غياب الزعيم جمال عبد الناصر. ومثله مثل ناصر توفي في ظروف غامضة ما زالت إلى اليوم تثير العديد من التساؤلات.
– خلع نواز شريف من القصر الجمهوري في إسلام أباد عام 1999 الذي وصله عن طريق الانتحابات الحرة النزيهة، حيث أطاح به رئيس الأركان وقائد الجيش برويز مشرف وأودعه السجن. وقد كانت ردات الفعل على الانقلاب باردة، بل تلقفت إدارة الرئيس بوش، خاصة بعد 11 سبتمر، رئيس الانقلاب وعملت منه زعيما وحليفا في الحرب على الإرهاب، ودعي إلى واشنطن ليلقي خطابا في جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، وهي مكرمة لا تعطى إلا لأقرب الحلفاء. ودارت الأيام وعقدت انتخابات حرة ونزيهة فعاد نواز من منفاه في السعودية ليرشح نفسه ويكسب الانتخابات في يوليو 2013 ويتم التحفظ على برويز مشرف ووضعه قيد لإقامة الجبرية بانتظار محاكمة عادلة.
– وصل قصر لامونيدا في سانتياغو عاصمة تشيلي سلفادور أليندي في أول انتخابات حرة ونزيهة وبغالبية ساحقة وصلت إلى 73٪ في نوفمبر 1970. لكن أطاح به انقلاب دموي قاده أوغستو بنوشيه في 11 سبتمبر 1973 أدخل البلاد في دوامة الموت والقتل والسجن.
ظل بنوشيه في الحكم سبع عشرة سنة شرد فيها أكثر من ثلاثمئة ألف وسجن عشرات الألوف وقتــــل ألوفا أخرى، خاصة من المثقفين والكتاب والشعراء، ومن بينهم أعظم شاعر في أمريكا اللاتينية بابلو نيرودا. تبين فيمــــا بعد أن الانقـــلاب كان من تدبير وكالة الاستخبارات الأمريكية لقمع التوجهات اليسارية لجيل من القيادات اللاتينية المتأثرة بالفكر الاشتراكي، مثلما قمعت انتخابات حرة في جمهوريات الدومينيكان وغواتيمالا وإكوادور وفشل انقلاب ضد هوغو شافيز في فنزويلا عام 2002. لكن دارت الأيام على بنوشيه ووضع في السجن وحوكم وقضى أرذل أيام عمره قيد الإقامة الجبرية إلى أن مات وحيدا ومعزولا.
– ويبقى أعظم قائد تاريخي انتقل من السجن إلى قصر الرئاسة الزعيم نيلسون مانديلا الذي قضى 27 سنة في سجون نظام الفصل العنصري. أطلق سراحه عام 1990 بعد أن أصبح السجين الحر الذي يسجن من زنزانته كل قادة الحزب الوطني العنصري في قصورهم في بريتوريا، فكان أول رئيس منتخب يصل سدة الحكم محمولا على أكتاف شعبه ويعد ألا يبقى في الحكم إلا دورة واحدة، وبالفعل بر بوعده وخرج من القصر عام 1999 بعد خمس سنوات يتيمة، ليحمله شعبه وشعوب العالم في قلوبهم وتبكي عليه الدنيا في أعظم جنازة شهدها القرن الحالي يوم 15 ديسمبر 2013 لتذكرنا بأعظم جنازة شهدها القرن العشرون للزعيم الخالد جمال عبد الناصر يوم 1 أكتوبر 1970.
لعل الطغاة، خاصة في بلادنا يعتبرون من سيرة الزعماء العظام، فدخول السجن قد يكون بطاقة للوصول إلى القصر ودخول القصر قد يؤدي بصاحبه إلى سجن أو قبر، لكن دخول قلوب الشعوب مرتبط بالإنجازات والانحياز إلى هموم الناس والتخفيف من معاناتهم والعمل على الرقي بالوطن، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، أكان الساكن في القصر قد وصله عن طريق الشرعية الثورية أو الشرعية الدستورية.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية