اولا وقبل كل شيء لست رافضيا او ناصبيا ولست ممن يكفر الوهابي او الشيعي ولست ايضا من انصار الحشد الطائفي كما انني لست من انصار الدولة. ليست لي النية كذلك التزلف لاي كان سواء في السعودية او العراق او ايران او امريكا فلست بحاجة لاحد من كل هؤلاء. لكنني ومعي الكثير من المخلصين لهذه الامة الحريصين في الحفاظ على هويتها العربية والتمسك بثقافتها الاسلامية. يخشون على مستقبل المملكة العربية السعودية على المدى القريب ويتوقعون من خلال قراءتهم للسياسات الداخلية والمعطيات الدولية والمخططات الاستراتيجية الغربية والصراعات الاجتماعية المذهبية الدينية القومية المناطقية بأن الكارثة لا سمح الله تقترب حثيثا وبصورة مقلقة الى ارض الحرمين الشريفين. ان تشبث السعوديين بنفس النهج السياسي الذي يسيرون عليه لا يواكب العصر. لا يمكن صمود مثل هذا النظام في عالم بات صغيرا يسمع ويرى المعلومة كل شخص لحظيا من اقصى الارض الى اقصاها. فمن الضرورة اذن انتهاج طريق التغيير السلمي السلس بكل سرعة خير من مفاجآت الاحداث التي لا يمكن السيطرة عليها بالتأكيد حين انفجارها وقد تنذر بامور لا تحمد عقباها.
نرى في كل مرة بأن آمالنا المتوضعة واحلامنا عندما كنا شبابا لبناء دولة المواطنة والعدالة والتقدم والرفاه الاجتماعي والاستقلال الحقيقي تبتعد بسرعة مخيفة ومرعبة فكوارث التخلف والحروب العبثية الداخلية بين المسلمين تزداد حدة وقوة بل تتحول يوما بعد يوم الى اكثر قسوة ووحشية. تحقيق هذه الآمال بطبيعة الحال ليست مستحيلة فقد سلكتها دول كانت متخلفة بالامس القريب كتركيا واندونسيا وماليزيا وايران وتمكنت على الرغم من الضغوطات الخارجية من تخطي مرحلة التخلف الى التطور الذي شمل معظم شرائح المجتمع دون ان تفرط بعقيدتها. ان مجرد تغيير الاولويات المتعلقة بالاوطان والمواطنين كفيل بتلمس معالم مسالك النهوض والتقدم والعدالة الاجتماعية والهوية الوطنية.
لنتذكر حديث السفينة الذي رواه رسول الله للمسلمين الاوائل عندما قال بان قوم ركبوا سفينة ذات طابقين كان القوم الذين ركبوا اعلاها يأخذون الماء من البحر بيسر والذين في اسفلها يضطرون للصعود الى الاعلى لجلب الماء. قال القوم الذين هم في اسفل السفينة دعنا نثقب ثقبا بالسفينة يجنبنا الصعود الى اعلاها. هنا وفي هذا الموقع جاءت حكمة الحديث الشريف عندما أردف لهم رسول الله بالقول لو ترك القوم الاشخاص الذين ارادوا ثقب السفينة وشأنهم غرقوا وغرقوا جميعا واذا منعوهم نجوا ونجوا جميعا.
علينا اذن واجب منع اليد التي تريد اغراق السفينة التي تمثل دولنا العربية. لا نريد في كل مرة ان نحذر المسؤولين ولا يسمعوننا فلقد بلغ السيل الزبى. لا بد ان يأخذ اولو الامر واهل الحل والعقد بزمام الامور ويتعظوا بالعبر والدروس السابقة التي مرت على دول الاقليم القريبة قبل فوات الاوان. تجارب الامس الكثيرة في منطقتنا تنبئنا عن مستقبل الغد الكئيب المظلم ما لم نتعظ ونغير المسار الذي كنا نسير عليه. لقد سبق ان حذرنا صدام حسين من مغبة الظلم واثارة الحروب ضد جيرانه وقد رأينا ورأى العالم معنا النتيجة المأساوية الكارثية بام اعيننا. اذ ما يكاد يخرج العراق من كبوة حتى يقع في كبوات اخطر وما ان يتخلص من احتلال حتى يقع في احتلالات اكثر قسوة وما ان يغلق بابا للحرب حتى تنفتح عدة ابواب لحروب اكثر فتكا. وكذا الامر بالنسبة الى كل من سوريا وليبيا واليمن.
لقد ضيعنا القدس الشريف لاسباب يعرفها القاصي والداني ولا نريد ان نرى اخر قلاعنا في مكة والمدينة تتهاوى تحت حراب الظلم والطغيان والقهر. نعتقد بأنه لا يزال هناك متسع ضيق من الوقت للقيام باصلاحات عميقة وسريعة للحفاظ على ارض الحرمين الشريفين. هناك حزمة من الاصلاحات الفورية لا بد من القيام بها لعل اهمها الوحدة الوطنية بين ابناء الشعب الواحد. اذن هناك شعوب غير متجانسة في المملكة هناك قسم كبير منها يشعر بالغبن والاجحاف والظلم. فلا يزال نظام الطبقات المنحدر من انظمة العصور الوسطى قائم على قدم وساق في السعودية بصورة غير معلنة. هناك مثلا اقلية تستغل العاملين فاغلبية العمال البسطاء لا يتمتعون بالحد الادنى من الحقوق المدنية. لكن وبالمقابل هناك طبقة اجنبية متنفذة غير منظورة من الامريكان وغيرهم تقرر السياسة الاستراتيجية الخارجية وتسيطر على الثروة النفطية للمملكة وتفرض ما يناسب مصالحها.
أمام هذه الظروف العصيبة ولاجل محاولة وقف الانهيار واعادة البناء الاجتماعي من جديد ليس امام المملكة سوى حلول قليلة جدا اهمها بناء دولة المواطنة بنشر العدالة لجميع المواطنين وليس للسعوديين فقط يقول تعالى لا يجرمنكم شنئان قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى. الاسراع في منح الجنسية السعودية للجاليات العربية والاسلامية التي تعمل في المملكة منذ ما لا يقل عن خمس سنوات. تسهيل زواج السعوديين من القاطنين المسلمين من الجنسيات الاخرى لتجديد شباب المملكة وترسيخ حب الوطن لديهم وزيادة الترابط العائلي وتقوية الاسرة. فك الارتباط بالولايات المتحدة الامريكية لأنها ليست الصديق الصدوق بل الخصم اللدود والاعتماد على الله وعلى الشعب السعودي والعربي والاسلامي.
ها نحن قد بلغنا اللهم اشهد ويعلم الله بأننا لسنا من الحاقدين او الاعداء ولا نبحث عن امور مصلحية شخصية انما ندافع عن مقدرات امتنا وبالخصوص بلاد الحرمين الشريفين وشعبه. ألا يكفينا ضياع فلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن والقائمة طويلة. لقد علمنا علم اليقين بان امريكا هي التي نشرت الفوضى الخلاقة وغير الخلاقة لا يهمها سوى الحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية والاقتصادية. ألم يقرأ اولو الحل والعقد الخطط التي رسمها دهاقنة السياسة الامريكية وشركاتهم النفطية لتمزيق السعودية من الداخل ومن المحيط الاقليمي. الا يعلم أولو الامر بان الامريكان قد غيروا تحالفاتهم الاستراتيجية في المنطقة فعدو الامس اضحى حليف اليوم وحليف البارحة امسى عدو اليوم. الا تدركون بان المعسكر الغربي لن يترك المنطقة التي لا تعتمد على نفسها الا بعد ان يهلك الحرث والنسل ليعيد المنطقة الى العصور الحجرية. ألا تعلمون بان الحق ينتزع انتزاعا والعالم الغربي لا يحترم الا القوي الذي يطالب بحقه. اين قنواتكم الدبلوماسية وبطانتكم التي كان من المفترض ان تحيطكم علما بمخططات الغرب والتي لم تعد سرية. كيف علمها بسطاء المسلمون امثالنا وغفلتها البطانة التي من المفترض ان تكون الناصح الأمين العارف بما يدور وراء الكواليس.
٭ كاتب عراقي
د. نصيف الجبوري