فيلم «الرحيل ذات يوم» نسيج بصري وصوتي متناغم يعكس العالم النفسي لشخصياته

كان ـ «القدس العربي» : افتتح فيلم «الرحيل ذات يوم» للمخرجة الفرنسية أميلي بونان الدورة الثامنة والسبعين لمهرجان كان السينمائي، التظاهرة السينمائية الأكبر في العالم التي تستمر بين (13 إلى 24 مايو/أيار الجاري). ويمكننا القول إن «الرحيل ذات يوم» من أفضل الأفلام التي افتتحت المهرجان في الأعوام الأخيرة. يمزج الفيلم بين الحنين، خاصة الحنين إلى تجارب الحب السابقة والتجريب الموسيقي، في محاولة لاستحضار سحر السينما الفرنسية الكلاسيكية، ولكن بصوت معاصر. الفيلم، وهو أول تجربة روائية طويلة للمخرجة الفرنسية أميلي بونان، ينتمي إلى نوع صعب يتطلّب توازناً دقيقاً: دراما موسيقية رومانسية تتعامل مع ثيمات الهوية والانتماء، والفقد والرغبة في البدء من جديد.
تدور القصة حول سيسيل، وهي امرأة شابة أصولها من بلدة صغيرة ليست بعيدة كثيرا عن باريس، ولكنها تقيم وتعمل في العاصمة، سيسيل طاهية ذات موهبة في الطبخ، بدأت تعلقها بالمطبخ في مطعم والدها الصغير، ولكنها شاركت في برنامج شهير للطهي والمطبخ الراقي وربحت فيه، وهي الآن تستعد لافتتاح مطعمها في باريس، الذي تطمح أن يكون مطعما راقياً يقدم خدمة رفيعة. تضطر سيسيل (جولييت أرمانيه، في أداء محبب للقلب) للعودة إلى قريتها الصغيرة للاطمئنان على صحة والدها، بعد وعكة صحية ألمت به. وتفتح زيارتها تلك لقاءات مع الماضي الذي لم يُغلق تماماً. اللقاء المتجدد مع حبها الأول رافائيل، يوقظ داخلها شعوراً قديماً بالحنين لمكان ترى أن طموحها أكبر بكثير من معطياته، كما أن مرض والدها، الذي كان معلمها الأول في الطهي والذي شهدت في مطبخ مطعمه بدايات عشقها للمطبخ، يضعها أمام مأزق نفسي ووجودي لا يمكن تجاوزه بسهولة.


ما يميز «الرحيل ذات يوم» ليس قصته بقدر ما هو الطريقة التي تُسرد بها تلك القصة. إيميلي بونان لا تهدف إلى استعراض حبكة تقليدية تتقدم بشكل خطي، بل تبني الفيلم على مزيج من اللوحات العاطفية والموسيقية، حيث تمتزج مشاهد الطهي، والتذكّر، والغناء، في نسيج بصري وصوتي متناغم يعكس العالم النفسي لشخصياته. وتبدو بونان منشغلة أكثر بتصوير المزاج العام للحظة، لا تطورها الزمني.
جولييت أرمانيه، في أولى بطولاتها السينمائية، كان لها حضور طاغ، وما يميز أداءها في هذا الفيلم، هو القدرة على استخدام الغناء كلغة شعورية، تترجم من خلالها الانكسارات والرغبات، حتى عندما لا تبلغ الأغاني ذروة موسيقية مؤثرة، فإنها تظل تعبيراً عن اللاوعي العاطفي لشخصية سيسيل، ما يمنح الفيلم بعداً داخلياً غنياً. أما شخصية رافائيل، التي يؤديها باستيان بويون، فتمثل النقيض لما وصلت إليه سيسيل. رافائيل، حبيب سيسيل السابق في سنين الصبا والمراهقة أيام المدرسة، بقي في بلدته الصغيرة، لديه طموح ولكن طموحه متجذر في بلدته تلك وهو قانع بحياته فيها. التفاعل بينه وبين سيسيل محكوم بما لم يُقل أكثر مما قيل، وفي هذا التوتر الصامت يكمن جوهر الفيلم. فالمواجهة الحقيقية ليست بين شخصين، بل بين احتمالين لحياة، بين ما كنا عليه وما صرنا إليه.
من أبرز عناصر التميز في «الرحيل ذات يوم» هو التوظيف الذكي والمغاير للأغاني داخل السرد، فبدلاً من تأليف موسيقى جديدة للفيلم، اختارت المخرجة مجموعة من الأغاني الفرنسية الشهيرة والرائجة، التي يعرفها الجمهور مسبقاً، لكنها قدمتها في الفيلم على لسان وبصوت الشخصيات الرئيسية في سياقات جديدة حمّلتها معاني إضافية. تلك الأغاني لم تكن مجرد زينة صوتية، بل أداة درامية بامتياز، تعبر عن مكنونات الشخصيات وتملأ فجوات الصمت، وتكشف ما لم يكشفه الحوار المباشر من مشاعر. تتحول الأغاني الكلاسيكية التي ألِفَ المشاهد الكثير منها، إلى لحظات بوح تقول كلماتها وأنغامها ما تود الشخصيات قوله. يوضح «الرحيل ذات يوم»، وهو الفيلم الروائي الطويل لمخرجته، وأول فيلم في مسيرة مخرجته يفتتح المهرجان، طموح بونان الفني الكبير، فهي لا تقدم فيلما موسيقياً غنائياً يحاول التجديد فحسب، بل تقدم دراما عاطفية، وامرأة في لحظة اختيار بين الماضي والحاضر والمستقبل، وفي لحظة اختيار بين أن تصبح أما، أم أن تنهي حملها.
سيناريو الفيلم، رغم جماليته اللفظية، يعاني من بعض الفجوات، خصوصا في علاقته بالماضي، حيث نشعر بأن هناك تاريخاً لم يُكتب أو يُروَ كما يجب. خيانة رافائيل لسيسيل في الماضي، مثلًا، تُذكر بشكل عابر، وتُغفر بشكل أسرع مما ينبغي، دون بناء درامي يُبرر التحول العاطفي، الذي تقوده سيسيل. كذلك، علاقاتها الأخرى مع حبيبها الحالي في باريس تبدو مُسطحة ومجرد أدوات لنقلها إلى نقطة العودة، دون عمق سردي.
يذكرنا الفيلم في طرحه وحساسيته للموسيقى بفيلم، هو إحدى العلامات الفارقة في السينما الفرنسية، نعني فيلم «مظلات شيربورغ» لجاك ديمي، الذي يُعد مرجعاً أساسياً للأفلام الغنائية، التي وظفت الغناء ليعبر عن مكنونات شخوصه. فيلم ديمي كان تجربة فريدة في جعل الحوار بالكامل مغنّى، ما أعطى الموسيقى وظيفة درامية كاملة، وليس مجرد خلفية. كما أن معالجته للحب والفراق والبدايات الجديدة وكيف يبدل القدر الحيوات والمصائر جاءت أكثر واقعية، رغم الشكل الغنائي. يتبنى «الرحيل ذات يوم» مقاربة أقل تعمقاً، حيث تتداخل الموسيقى والغناء مع المشهد دون أن تستحوذ عليه بالكامل، وهو ما قد يراه البعض ابتكاراً والبعض الآخر ضعفاً في الهوية الأسلوبية. لكن على الرغم من بعض الثغرات يبقى لفيلم «الرحيل ذات يوم» سحر خاص لا يمكن إنكاره. إنه عمل عن التصالح مع الماضي، والاعتراف بأننا نعيش دوماً في حالة من الشد والجذب بين ما حدث وما كان سيحدث، بين البقاء حيث الجذور، أو الذهاب وبدء حياة جديدة، بين حب الماضي وسنين الصبا، وبين الحب الحالي والارتكان إليه. الموسيقى في الفيلم تُستخدم كذاكرة، كصوت داخلي، أكثر من كونها مجرد أداء خارجي، وهذا ما يجعل بعض مشاهده مؤثرة فعلاً.
ما يصيّر «الرحيل ذات يوم» فيلماً متميزا، ليس كونه فيلماً مثالياً، بل كونه عملاً جريئاً في اختياراته، يقدم تجربة صادقة. هو فيلم عن الوقوف عند مفترق طرق بين المألوف والجديد، بين العودة والمغادرة، ورغم النهاية التي قد يعتبرها البعض مغلقة أو يسيرة، فإنها تحافظ على توتر السؤال الأساسي للفيلم: هل يمكننا يوماً أن نعود كما كنا، أم أن العودة نفسها وهم جميل؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية