المؤرخ صالح عبد الجواد: الحلّ الإسرائيلي هو التهجير

حوار: سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

رام الله – «القدس العربي»:  يُعدّ الحديث مع المؤرخ الفلسطيني الأكاديمي صالح عبد الجواد مساحة رحبة لتناول قضايا متنوعة وربطها ببعضها بعضا، فهو متابع جيد للتاريخ وتطورات اللحظة سياسيا، وصولا إلى موضوع المنصات الرقمية. إنه مؤرخ فلسطيني يمتلك قدرة كبيرة على تقديم مقاربات جديدة وغير تقليدية، وهو ما يجعل من حوار «القدس العربي» معه نوعا من التنقل بين موضوعات شتى ترتبط بواقع الفلسطينيين السوداوي.
وفي هذا الحوار الذي نخصصه بين حدثين، النكبة عام 1948 وما تلاها، وصولا إلى السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 وامتداداته حتى اللحظة الراهنة.
وصالح عبد الجواد بروفيسور في العلوم السياسية ومؤرخ فلسطيني، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث مرات، وكذلك ثلاث مرات في السجون المصرية أيام انخراطه في الحركة الطلابية المصرية مطلع السبعينيات، عندما كان طالبا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وهو الابن الأول للمناضل الوطني الفلسطيني عبد الجواد صالح.
يقدّم في هذا الحوار مجموعة من المواقف الإشكالية والجريئة، التي تبدو مغايرة لما يفضّل الجمهور الفلسطيني والعربي سماعه؛ إذ يتحدث عن علاقة تجربة النكبة الموحشة وحب الغزيين لغزة المذهل، معتبرا أن ذلك أنقذ القطاع من التهجير.
ويرى أن إسرائيل لن تقبل أن تستمر بوصفها دولة «أبارتهايد» (فصل عنصري)، حيث ترى أن الحل المثالي لها هو تهجير جميع الفلسطينيين وطَيّ صفحتهم نهائيا. وفي ما يلي نص الحوار:

*كيف تنظر إلى المرحلة التي وصل إليها العالم مع ما يشهده من تحولات؟
ـ يمكن القول إننا نعيش في أكثر حقبة من حقب العالم ظلاما. عمليا، الناس حتى اللحظة غير قادرة على استيعاب التحولات في بلد مثل أمريكا. قد تملك تأشيرة للسفر إليها، لكنك تُمنع من الدخول في المطار بحجة أنك معادٍ للسامية بسبب منشورات على حسابك على فيسبوك. الأمر مخيف، والعالم في حالة من الجنون.

« لن تقبل وصم دولة الـ»الأبارتهايد»

*آخر بحث قرأته استخدم مصطلح «إبادة رقمية» بحق المحتوى الفلسطيني على المنصات، أو المضمون المتضامن مع الفلسطينيين. أنت صاحب مفهوم الإبادة الاجتماعية؟
ـ فعلا، هناك أنواع مختلفة من الإبادة تعرّض لها الشعب الفلسطيني، كما ذكرت: «الإبادة الرقمية» إلى جانب «الإبادة في التعليم» وأنواع أخرى. أنا من الأوائل الذين استخدموا مصطلح «السوسيوسايد» (socioside) أو «الإبادة الاجتماعية للشعب الفلسطيني». يُعتبر نموذج «السوسيوسايد» النظري من أهم ما قدّمه صالح عبد الجواد، وهو تعبير على وزن مصطلح «جينوسايد» الذي يعني الإبادة الجماعية، بحكم أن لكليهما هدفا واحدا رغم اختلاف الأساليب، وهو التدمير الكلي، أو الجزئي لجماعة قومية أو عرقية أو دينية. كان ذلك قبل 40 أو 45 سنة، وقد رأيت من خلال أبحاثي واهتماماتي المختلفة أن الهدف الإسرائيلي الأساسي هو ترحيل الفلسطينيين.
*ما أسباب أو مؤشرات تنبؤك بهذا الأمر؟
ـ الأمر مرتبط برؤيتي وفهمي لكيفية تطور الأمور ميدانيا. مثلا، نسمع اليوم كثيرا عن صمود المقاومة الفلسطينية في غزة، لكنني أرى أن الإسرائيليين معنيون بإطالة أمد الحرب. لا أقول ذلك إنكارا لوجود المقاومة أو فعاليتها، بل لفهم الموقف الإسرائيلي تحديدا. يمكن هنا أن نأخذ مثالا مرتبطا بحرب عام 1967؛ لقد فهمت إسرائيل أن ما منع التهجير الكامل هو أن الحرب انتهت بسرعة. هم (الإسرائيليون) توصلوا إلى هذا الاستنتاج، وهو استنتاج لا يُكتب عنه علنا، لكنهم أدركوه. أنا قادر على قراءة عقلهم، ليس من خلال الكتابات التي يُنتجها الإسرائيليون أو نكتبها عنهم، بل من خلال الممارسة والتجارب المختلفة ومساحات الاهتمام. الأمر يحتاج إلى عقل تحليلي يسمح لصاحبه باستشراف المستقبل وفهم أشياء تختلف عمّا يدركه عامة الناس، وحتى المثقفون. مثال آخر: لقد تنبأت، في محاضرة قبل حوالي تسعة أشهر، أن حكومة الاحتلال ستصطدم مع جهاز الشاباك. أنظر إلى أن (جهاز الأمن الداخلي) الشاباك، رغم كونه جهازا أمنيا يوصف بالعقلانية، يتبنى رؤى تُجنّب منع العمال الفلسطينيين من العمل في الداخل الفلسطيني المحتل، في حين يرى (وزير الأمن القومي إيتمار) بن غفير ووزير المالية (بتسلئيل) سموتريتش ونتنياهو العكس.

تجربة النكبة الموحشة وحب غزة المذهل أنقذ القطاع من التهجير

وصل الأمر إلى صدام مع «الشاباك» بسبب السياسات تجاه الفلسطينيين. نؤكد هنا أن التهجير الذي يُخطط لغزة هو ذاته الهدف في الضفة، لكن المختلف هو الوسيلة، والحدة، وآلية التنفيذ. وكلها مسائل ثانوية أمام وضوح التصور الإسرائيلي.
تاريخيا، أول ما رأيتُ الإسرائيليين داخل الضفة الغربية عام 1967، كانوا «لطافا» مقارنة بما وعيناه لاحقا، لكنهم ارتكبوا مجازر في قرى اللطرون الثلاث. نحن نعلم أن المواطنين تم تهجيرهم، لكن الحقيقة أن مجزرة حدثت، وهي غير معروفة للغالبية. بشكل عام، يمكنك أن تلاحظ أن الفعل الإسرائيلي يقوم على التدرج «شوي شوي» في تنفيذ السياسات الاحتلالية. نحن نتحدث عن عقل تدريجي للاحتلال، يتقدم رويدا رويدا، ويتحرك في الاتجاه نفسه منذ سنوات طويلة.
هذه استراتيجية واضحة لمن يتابع، والغريب أن الإسرائيلي يُعلن ذلك بطرق عدة. خذ مثلا «قانون القومية»، إنه يعكس جوهر السياسة الإسرائيلية.
*لكن كان هناك أمل، ولو بسيط، في أوسلو؟
ـ شخصيا، حتى منتصف الثمانينيات، كنت أرى أن الدولة الفلسطينية مسألة صعبة بسبب سياسات الاستيطان. وعندما وُقّعت اتفاقية أوسلو، منحتها فرصة لبضعة أشهر.
لكن، حين ترى ما حدث، وتحديدا مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، تدرك أن الدولة أو السلام مسألة مستحيلة. هذه المجزرة، إلى جانب أحداث أخرى، أحدثت لديّ تحولا في قراءة كل ما له علاقة بالعملية السياسية والسلمية.
الحادثة/ المجزرة، وما تلاها من اغتيال رابين، وعدم تطبيق الممر الآمن بين غزة والضفة، وقصة المطار، وعدم إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، إلخ، كلها أحداث ومؤشرات مهمة كان يجب قراءتها بعمق. بالعودة إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي، حيث قتل متطرف يهودي المصلين في رمضان وهم سجود، والسؤال: لماذا تقتل المصلين؟ لماذا أطلق الجنود النار على المصلين، الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم؟ لقد قتل الجنود ما لا يقل عن سبعة مواطنين. لماذا جرى القتل في الشوارع؟ ولماذا قتل فلسطينيون في المقبرة؟ لقد قتلوا ثلاثة. لماذا فرض منع التجول في الخليل؟
طبعا، مجزرة الخليل، وبعد أربعين يوما، جاء الرد في عملية استشهادية في قلب إسرائيل، عملية العفولة.
من هناك، فقدت عملية السلام زخمها، توقفت، ودخلنا في ديناميكيات جديدة مختلفة.
والغريب أن الناس، أي المثقفين، ولكي يكونوا قادرين على قراءة ما كان يحدث، كانوا بحاجة إلى رؤية وعقل موسوعي.
*كيف كانت رؤيتك لما بعد 7 أكتوبر؟ هل توقعت ما حدث؟ وهل كانت هناك توقعات بأن يقوم الفلسطينيون بفعل عسكري كالذي حدث في «طوفان الأقصى»؟
ـ لم أستوعب بداية ما حدث، لكن رد فعلي كان «الله يسترنا»، لماذا؟ عندي نماذج وتجارب منذ عام 1948 وحتى اليوم لأشياء مشابهة، الناس في البداية كانت تمر بحالة نشوة لكن تعقبها حالة من الانكسار. الهجوم لم أتوقعه ولم أتوقع الأداء المذهل عسكريا من ناحية الإعداد بالنسبة للمقاومة. مسألة أخرى، لقد توقعت التدمير الجنوني من الاحتلال الإسرائيلي، فمنذ عام 2006 كان موضوع التدمير الكامل بالنسبة لي محسوما في ظل قوة النار الهائلة لدى إسرائيل، ولكن ليس القتل، كنت أتوقع تدميرا هائلا في ظل مبدأ «عقدة الضاحية» عند الاحتلال، هم أعلنوا من ذلك الحين في عدة مرات التهديدات التي تقول إنه ستكون هناك عودة للعصر الحجري في غزة. لكن المفاجئ هو التغول في القتل.
أنا كشخص قرأت النكبة وجدت أنه لم يكن بالأساس هدف القتل، في حرب عام 1948 كان هدفهم تهجير القرى. كانوا يتركوا مخرجا شرقا أو غربا، كي يخرج المواطنون. أما في الحرب الحالية أصبح القتل هدفا. جزء من الاختلاف بين الحدثين (النكبة والعدوان بعد 7 أكتوبر 2023) هي أن الإسرائيليين في الحالتين كانوا يريدون تهجير الشعب، المشكلة في النكبة، أن وعي الناس كان محدودا. كما كان الفلسطينيون يعولون على الجيوش العربية. في غزة بعد الطوفان توقعت أن تكون هناك ضربة فظيعة على مستوى التدمير. كان في ذهني تدمير حي مع تبليغ السكان بالخروج. لم يكن في ذهني أن تستمر الأمور لأسابيع أو عدة أشهر أيضا.
لقد كتبت وتحدثت بوضوح يوم 10 أكتوبر. لقد تحدثت عن بعض الأخطاء التي قامت بها «حماس». في الحقيقة لقد نفذت جرعة عنف زائدة عن الحد. هنا أذهب إلى مقال قرأته يوم 15 أكتوبر على صفحة «يديعوت أحرونوت»، وكان المقال مسنودا بعدة فيديوهات وصور، وكان يقول إنه بعد 7 أكتوبر خرجت طائرات أباتشي من قواعدها وقصفت المقاتلين، وهناك فيديوهات كانت توثق وهي ترش السيارات وتحولها لشعلة نار وحديد متفحم. حتى كانت هناك صور لمقاتلين وهم مجرد هياكل عظمية متفحمة.
ما لفت انتباهي أنه بعد 45 دقيقة طُلب من الطائرات الهبوط والتوقف عن المهمة الموكلة إليها، لماذا حدثت العودة للقواعد؟ لقد عرفت في تلك اللحظة أن الإسرائيليين قتلوا جزءا كبيرا منهم، وأن هناك شيئا يقف خلف تراجع القوات.
المسألة الثانية ترتبط بعملية أن القتل لا يتم بشكل عشوائي، دوما أطرح سؤال لماذا؟ صور الأقمار الصناعية تظهر أن هناك منزلا، أو بناية مدمرة والبناية التي جوارها قائمة؟ وهي أسئلة مستحقة يجب التفكير فيها.
كتبت بداية مقالا حول استثنائية الإبادة الجماعية، وتحدثت عن الإبادة من ناحية البث المباشر والجلاد الذي لا يحاسب، وعن مشاركة الديمقراطيات الغربية بعملية الإبادة وعن العقيدة العسكرية، لقد نشر المقال في مجلة «إضافات»، وكان هناك مقال ثان نشر في مجلة «معهد أبحاث الأمن القومي الفلسطيني»، وهو مخصص للحديث عن عملية التهجير.
من البداية كانت لدي تساؤلات حول: من نفذ العملية؟ وبعد أن رأيت صور الطائرات التي تقصف المقاتلين، حيث لم يكن هناك أي فرصة بالنجاة، واحدة من أبرز المشاكل بالنسبة لي تتمثل في أن جزءا كبيرا من المعلومات مصدرها إسرائيل، وهذا عليه علامة سؤال.
*وماذا في مسألة إطلاق الحرب الشاملة على قطاع غزة بسرعة هائلة؟
ـ الحروب الحديثة، وأذكر مثال الحرب ضد العراق عام 1991، لقد عمل الأمريكيون لمدة ستة أشهر لتأسيس حالة من البناء والتحضير للحرب. لكن أنظر لما حدث بعد 7 أكتوبر، من بعد ظهر اليوم نفسه كانت آلة التدمير والنار الإسرائيلية جاهزة، كان هناك عملية تزييت جاهزة لآلة الحرب. كل شيء كان جاهزا وانطلق، وكأن الآلة كانت مضبوطة ومستعدة. هذا لا يحدث في العادة. أساسا جزء من هزيمة وأداء إسرائيل السيئ سنة 2006 في جنوب لبنان أنهم تصرفوا وفق آلية الانتقام، ولم يحضروا. الحرب الحديثة تقول إنها تحتاج لتحضيرات ليست بالبسيطة، هنا أجدني مقتنعا بما تقوله «حماس» من أن الضربة لقطاع غزة كانت مقبلة بغض النظر عن الأمور. لكني هنا أيضا لا أصدق أن الإسرائيلي تفاجأ استخباراتيا.
*ماذا عن مخططات التهجير في دولة الاحتلال، كيف تقرأ سلوك الاحتلال الجنوني؟
ـ ما أعرفه وأفهمه من سلوكيات إسرائيل يجعلني أتوقع التالي، الذي مفاده أن إسرائيل لن تقبل بأن تكون دولة «أبارتهايد» وفق السوسيوسايد (socioside). وجزء من مأزق النظام السياسي الإسرائيلي أننا نعيش وضعا كالذي نعيشه، وإسرائيل ليس لديها ترف أن تقبل بهذا الوضع، أي ان تكون دولة أبارتهايد. أنا لا أتوقع أن تقبل إسرائيل بأن تبقى توصف بإنها دولة «أبارتهايد»، وبالتالي إسرائيل ستعمل على التخلص من أي شيء يجعلها تبقى مصنفة بأنها أبارتهايد، وبالتالي الحل هو التخلص من الناس كما تفعل اليوم في غزة والضفة. وهذه رؤية موجودة لدى الاحتلال من زمان. إسرائيل لن تسمح بالاستمرار بذلك، أنا أكاد أنتحر لأنني أشعر بأن هذه الحقيقة غير معروفة لكل إنسان، أي لا يستنتجها، ومن يمكنه فعل ذلك هو من يفهم إسرائيل وعلاقاتها، إنهم لا يستطيعون الاستمرار في توصيفهم بإنهم دولة «أبارتهايد»، وبالتالي كان يجب التخلص من هذا الوضع السياسي الذي وجدت نفسها فيه، وهو وضع تريد أن يتم التخلص منه مرة واحدة وإلى الأبد، وفي النهاية الناس ستنسى والعالم سيتجاوز عن ذلك.
ثانيا، إسرائيل لن تقبل أن تقصف بالصواريخ كما حدث في «سيف القدس»، ومن ثم «طوفان الأقصى»، رغم أنها لا تشكل أي خطر وجودي عليها. صحيح أنها ليست عبثية لكنها غير فاعلة، لن تقبل إسرائيل من تنظيم فلسطيني أن يفعل بها ذلك مرة ثانية. وهذا موضوع يحيلنا إلى قصة مواجهة إسرائيل، لقد دخلنا في مواجهتين مع الاحتلال، الأولى في معركة النفق والثانية في الانتفاضة الثانية، في النهاية أين وصلنا؟ جاؤوا لنا بقوى أمنية وفق تصور «جندي دايتون» أو «الفلسطيني الجديد».
هنا أقول إنه في بعض المرات المقاومة (العسكرية) لا تقود بالضرورة إلى وضع أفضل لنا. وهنا أنا لا أطالب أن نستسلم أيضا، بل يجب العمل على إعادة المعادلة، مثلا إن كنا مستعدين للتنسيق الأمني، يجب أن يكون في اتجاهين مثلا. الخلاصة هنا أنه ليست لدينا خيارات كثيرة، وعلينا أن نتعلم من تجاربنا.
هنا أود أن أضيف أنه كان لديّ موقف من قبل 7 أكتوبر، وأكدت عليه بعدها، ومفاده أن العمل العسكري في الضفة الغربية غير قادر على دعم وإسناد العمل العسكري في غزة، فمهما يحدث في الضفة لن يشتت ويشغل أكثر من 20 ألف جندي، لكن من يعرف عدد الجيش الإسرائيلي مع الاحتياط يدرك أن هذا الرقم بسيط جدا.
*طيب ماذا عن درس النكبة عام 1948، كيف فهمت النكبة؟
ـ أول درس مهم هو كيف تورطنا بالحرب، لقد أخذ الإسرائيليون قرار النكبة، وبدأ العد العكسي لها عام 1940، العد العكسي لـ7 أكتوبر بدأ قبل موعده بكثير، هم دوما بحاجة للتبرير، مع التأكيد أنه ليس هناك من تبرير منطقي، لكنهم يصنعون التبرير. وهذا أمر تفعله كل الأنظمة، الأمريكيون تورطوا في حرب فيتنام من خلال حادث مفتعل، وهكذا، كان واضحا بالنسبة لي أن الإسرائيليين يريدون توريطنا. فوضع «الأبارتهايد» مضر بسمعة ومكانة إسرائيل، فيما «حماس» تضربهم بالصواريخ. شخصيا كنت ارتعب من العمليات التي كانت تسعد المواطنين، لقد كنت على معرفة أين ستذهب الأيام بنا مع إسرائيل. لا بد من الاعتراف بأن العقل الفلسطيني كارثي، يكون الفلسطيني «مبسوطا» على عملية أو اثنتين كل ست أشهر مثلا، لكن من كان يتوقع أن تصل مخيمات شمال الضفة لما وصلت إليه؟ ما كان يحدث في المخيمات قاد وأعطى مبررا للاحتلال. هنا أؤكد أنه لا شيء يمكن أن يمنح الاحتلال مبررا لما يقوم به، لكنهم استخدموا ما حدث في المخيمات مبررا لتدميرها، أعطاهم مبررا لتوظيف هذه الأشياء وفق مشروعهم.
*ماذا عن زمن الحرب؟ قلت إنك لم تتوقع أن تطول إلى هذا الحد؟
ـ في ندوة في بيت لحم قبل أشهر طويلة، تحدثت عن فكرة لها علاقة بالنكبة، ومفادها أن الإسرائيلي معنيّ بإطالة أمد الحرب، بمعنى أنهم لا يريدون حسم الأمور، فعدم الحسم يسمح لهم بتمرير مشروع التهجير. سقف التطرّف أصبح عاليا جدا، لدرجة أن سقف «الشاباك»، كجهاز أمني رئيسي، لم يعد مقبولا للإسرائيليين.
الناس يرون أن حالة الشاباك تعكس حالة ديمقراطية، وهذا صحيح من ناحية وجود صراع بين مؤسسات الدولة (الإسرائيلية)، لكن الحقيقة أن الشاباك لم يعد منسجما مع الحالة العامة في إسرائيل.
*وماذا يفعل الفلسطيني إذن في ظل هذه القراءة المغايرة؟
ـ لا أعلم. الأكيد أن جرعة العنف لها علاقة بما يحدث اليوم «حزب الله» انتصر على الإسرائيليين عبر ضربات بسيطة كانت تستنزفهم. أنا، منذ البداية، كنت أفهم أن ما حدث في أكتوبر كان خطأ كبيرا، وأن إسرائيل ستستثمره. صحيح أنني لم أتوقع أن يكون حجم القتل والإبادة بهذا الشكل، ولا أن تستمر الحرب بهذه الطريقة. كنا نحمل تصورا قديما بأن إسرائيل تخوض حروبا قصيرة، لكن ما يجري اليوم يخالف كل التصورات.
*طيب، في رأيك، وبمقارنة ما حدث بالنكبة عام 1948، وما يحدث اليوم وطوال ما يقارب العامين في غزة، ما الذي منع الناس من الهروب والتهجير الحقيقي؟
ـ يمكن تفسير الأمر بأنه لم تكن هناك خيارات للتهجير، فالحدود لم تكن مفتوحة. لكن الأهم، وهذا ما اكتشفته مؤخرا، أنني بعد 7 أكتوبر تعرّفت إلى مواطنين من غزة أثناء تدريسي لهم عن بُعد، ووجدت أنهم متعلقون جدا بغزة. اكتشفت أنهم، رغم الحصار والجوع، لديهم حب وشغف تجاه غزة. هناك مسألة ثانية تتعلق بالوعي، فالنّكبة وما تلاها خلقت وعيا عميقا في نفوس الناس: إذا تركتَ بيتك فلن تعود إليه، وستعيش في مخيم، سواء في سيناء أو البقعة، وستحصل على كرت مؤن، وستعيش في بيئة فيها مجارٍ وحمامات على الدوار.. إنها تجربة فظيعة. العيش في المخيمات ترك أثرا وندوبا في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.
لكن الأهم هو حب غزة المذهل. أهل غزة يحبونها كثيرا، بل يمكنني القول: أكثر مما نحب نحن الضفة. لقد اكتشفت حبا هائلا من الغزيين لغزة، فاجأني هذا الأمر حقا.
هناك تعلّق بالحياة فيها، بطريقة الطبخ، بتفاصيل الهوية اليومية. هذا التعلّق، رغم ما فيه من نوع من «التعالي»، ساهم في منع التهجير حتى الآن.
*ماذا عن التهجير في الضفة؟ هناك ممارسات كثيرة تضعنا على المحك؟
ـ تسألني؟ طبعا، التهجير قائم فعليا. هناك الجدار، وهناك منع الوصول لما بعده، وهناك واقع المقدسيين الذين اضطروا للسكن في «مخيم» كفر عقب بين القدس ورام الله… وهناك وهناك. تخيّل أن كيلو لحم الخروف أصبح بـ120 شيقل، لماذا؟
لأن المستوطنين يدخلون إلى القرى التي تربي الأغنام وينفذون عمليات سرقة.
لماذا لا يستطيع الناس الربط بين هذه الأشياء؟ لماذا هذا الانفصال؟ علينا أن نعيد قراءة المشهد الميداني.
كيف فُرضت علينا ضريبة القيمة المضافة؟
كيف تحوّل المزارعون إلى تجار؟
كيف تصاعد الاستيطان؟
كيف تحولت السجون من سيئة إلى أسوأ؟
سياسة القبضة الحديدية، البطاقات الممغنطة، منع سكان الضفة من دخول القدس وإسرائيل…
خلاصة ما يجري في الضفة: أمر غير معقول.
هناك تبلّد، الناس غير قادرة على قراءة ما يحدث، وهذا مذهل في سوئه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية