مختار قرية «زرنوقة»: النكبة مريرة والحرب على غزة أشدّ

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: تمر الذكرى الـ77 لأحداث «نكبة» فلسطين، التي وقعت في عام 1948، وغزة تعيش أحداثا أكثر مرارة، ويواجه الفلسطينيون فيها عدوانا إسرائيليا هو الأعنف والأطول منذ بدء الصراع، ولا يزال مستمرا منذ 19 شهرا. خلاله، عاش الفلسطينيون واقعا مشابها لما واجهه الآباء والأجداد؛ إذ اضطروا للسكن في معسكرات خيام، ولا يزال كثير منهم فيها حتى اليوم، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما كان قائما قبل عشرات السنين. ويستذكر كبار السن، ممن عاشوا فترة النكبة الأولى، ولا يزالون على قيد الحياة، آلام النزوح القسري من المدن والبلدات، التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية عام 1948، وهي أحداث قاسية عاشوها في طفولتهم، ويشاهدون تكرارها اليوم في كهولتهم، بل بشكل أشد قسوة.
فالجوع الناتج عن قلة الطعام، والسكن في الخيام، يتكرران اليوم في غزة بعد مرور 77 عاما. الطفل الجائع عام 1948 أصبح اليوم شيخا له أبناء وأحفاد، يشاركونه الجوع، وقد أضيف إليه الخوف المستمر من الموت في كل لحظة. أحد أطفال النكبة، الذي أصبح اليوم كهلا يواجه صعوبات الحياة في ظل الحرب، هو سعيد عيد، مختار قرية زرنوقة، وهي إحدى القرى التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية ودمّرتها كما فعلت مع بقية المدن والبلدات آنذاك.

غادرها طفلا جائعا وهو اليوم شيخ جليل

تحدثت «القدس العربي» إلى المختار عيد، وهو من الشخصيات المعروفة وسط قطاع غزة، وكان قد عمل مدرسا في مدرسة ثانوية، وأشرف كذلك على فرقة فنون، قدّمت عروضا وطنية هادفة. تحدث عن آلام النكبة التي لا تزال حاضرة في وجدانه. يقول عيد، وهو يسند ظهره إلى كرسيه عندما طلبنا منه أن يصف حياة الناس خلال النكبة الأولى: «الواقع في ذلك الوقت كان مريرا جدا. بلا شك، الفلسطيني كان يعيش في بلدة، لديه أرضه وزرعه وحياته، وفجأة يجد نفسه خارجا من بلدته وأرضه إلى منطقة أخرى، حتى لو كانت داخل فلسطين، فقد كان لذلك أثرٌ كبيرٌ في النفوس». وتحدث عن ذلك التحول الكبير الذي جعل مئات الآلاف من الفلسطينيين لاجئين بلا أرض ولا مال ولا مأوى، خلال أيام قليلة. وفي سياق حديثه، أشار إلى استمرار المعاناة الناتجة عن النكبة لسنوات طويلة، حتى بدأ اللاجئون التكيّف مع الواقع المفروض عليهم، وقال: «تدريجيا، تطورت الحياة وأصبحت ممكنة للعيش»، وكان يتحدث عن السنوات التي سبقت العدوان المتواصل حاليا على غزة.
ويضيف مختار قرية زرنوقة: «تنقّل الناس وقتها في سكنهم، من الخيام إلى بيوت الطين، ثم إلى بيوت مغطاة بالزينكو، وبعدها إلى بيوت مسقوفة بالإسمنت». وبيّن أن هذا التطور استغرق سنوات طويلة حتى تمكن اللاجئ من بناء سكن مستقر في المكان الجديد. استعاد الذاكرة إلى بدايات الهجرة القسرية التي أجبرت فيها العصابات الصهيونية سكان مئات القرى والمدن على النزوح، وأوضح أن الحياة في مناطق اللجوء، سواء في غزة أو الضفة الغربية، أو في الدول العربية المجاورة، كانت صعبة للغاية. وذكر المساعدات الغذائية التي كانت تقدَّم في البداية من منظمة «الكويكرز»، ثم من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، وقال: «كانوا يوزّعون الطعام وبعض المساعدات الأخرى على اللاجئين، لكنها لم تكن كافية لسد الجوع». ويؤكد: «الواقع كان مريرا؛ تعرضنا للكثير من الإذلال والمهانة خلال فترة النكبة. كانت هجرة قسرية دعمتها بريطانيا ومكّنت من خلالها إسرائيل من احتلال أرضنا».
في فترة النكبة الأولى، كان جميع الفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة قراهم ومدنهم يعانون من نقص الغذاء وتفشي الأمراض، وعاشوا ظروفا قاسية في خيام النزوح، بلا عمل ولا مال، ينتظرون المساعدات الإغاثية، في واقع يشبه ما يعيشه الناس اليوم في غزة، ومثال على ذلك مناطق أخرى في الضفة والشتات.
ورغم حديث المختار عيد عن قسوة تلك المرحلة، إلا أنه قال: «إذا نظرنا إلى ما عشناه عام 1948، وما نعيشه الآن، سنجد أن الواقع الحالي أكثر صعوبة وقسوة»، وأضاف: «الوضع اليوم أصعب من أحداث النكبة».
وتحدث أيضا عن معاناة الحصول على الطعام، في ظل الحصار والفقر، وتطرق إلى مأساة النزوح الداخلي في غزة، قائلا: «صعب جدا أن تترك بيتك، وأنت لا تملك شعورا بأنك ستعود إليه. تترك بيت الأسرة الذي أصبح جزءا منك»، وأضاف: «النزوح أمر مذل للغاية، لا إنسانية فيه. عندما تنقل أبناءك وأحفادك، تشعر بوجع وألم عميقين». وبملامح يعلوها الحزن، أشار إلى ما يعيشه الناس في غزة الآن، وقال إن الحرب ما تزال مستمرة، ومعها يتواصل الموت والجوع والدمار، لكنه، كغيره من الفلسطينيين، لا يزال متمسكا بالأمل في العودة إلى قريته، ويحرص على نقل هذا الأمل إلى أبنائه وأحفاده.
وفي سياق حديثها عن خطط التهجير التي تحاول إسرائيل تنفيذها في غزة، من خلال دفع السكان للهجرة إلى دول أخرى، سألته «القدس العربي» إن كان سيقبل بذلك في ظل الحرب والقتل والجوع، فأجاب: «غزة الآن جزء من وطني، وأشم فيها رائحة بلدتي القريبة التي أحلم بالعودة إليها». وأضاف: «لن أترك أرضي ولا مكاني، لأنني أعلم تماما حجم المهانة التي سأواجهها في الخارج»، مشيرا إلى أن لدى الناس هنا أملا كبيرا بالعودة، وهذا ما نُعلّمه لأبنائنا.
وزرنوقة، قرية فلسطينية مهجّرة، أُخذ اسمها من الكلمة العربية «الزرنوق» وتعني النهر الصغير. هجّر سكانها على يد العصابات الصهيونية، كما حدث في بقية القرى والبلدات الفلسطينية خلال النكبة. وكانت تقع في وسط فلسطين، بالقرب من منطقة السهل الساحلي، وترتفع 35 مترا عن سطح البحر.
واختتم المختار عيد حديثه لـ»القدس العربي» باستذكار فترة شبابه، حين أسس إلى جانب عمله كمدرّس في المدارس الثانوية، فرقة مسرحية أطلق عليها اسم «حناظل»، وقدّمت مجموعة من الأعمال التي تحاكي الواقع الفلسطيني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية