دمشق- “القدس العربي”: خلال جولة ميدانية في الشارع ومؤسسات الدولة السورية ولا سيما في العاصمة دمشق، تبرز مجموعة من المشكلات التي تشكل قاسما مشتركا لدى معظم المواطنين، تتركز في عدة محاور أساسية تمسّ حياتهم بشكل مباشر، وتعكس أزمات مزمنة أو ناتجة عن التغيرات التي طرأت على بنية الدولة وإدارتها بعد الحرب.
على رأس هذه الأزمات، إشكالية الكوادر الإدارية، حيث يشكو المواطنون من ضعف كفاءة المديرين والموظفين الجدد في الدوائر الحكومية.
وحول هذه الإشكالية يقول الباحث السياسي عبد الرحمن رياض لـ “القدس العربي”: تفتقر هذه الكوادر الجديدة إلى الخبرة اللازمة لإنجاز المعاملات بكفاءة، ما يؤدي إلى تعطيل سير العمل أو بطئه بشكل ملحوظ، وفي المقابل، فإن استمرار نفس الوجوه في الدوائر الحساسة يكرّس الفساد الإداري ويمنع تجديد الدماء في المؤسسات.
فما سبق يخلق وفق رأي المتحدث والمراقب من كثب، تناقضا بين الحاجة إلى التغيير والواقع المفروض الذي يعتمد على عناصر مترهلة أو متورطة في تجاوزات سابقة.
والأزمة الثانية تتمثل بتدني الرواتب وانتشار الرشوة، وفي هذا الإطار يقول المتحدث: لم يواكب دخل الموظفين ارتفاع تكاليف المعيشة، ما جعل من تقاضي الرشوة وسيلة “مبرّرة” في نظر البعض لتأمين الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة.
ورصدت “القدس العربي” انتشار الرشوة في بعض المؤسسات الحكومية في العاصمة دمشق، رغم محاولة الكوادر الجديدة السيطرة على هذه الظاهرة، من خلال الرقابة الشديدة، ونشر تعليمات وملصقات جدارية تنبه الموظفين والمراجعين على حدا سواء، من تعاطي الرشوة.
ولكن في الوقت نفسه، فإن للموظفين القدامى أساليبهم الخفية، التي تتيح لهم الإفلات من العقوبة، التي تغطي النخب الفاسدة المسؤولة، وهو ما ظهر جليا خلال مراقبة ومتابعة “القدس العربي” مراحل إصدار جواز سفر.
وفي هذا الصدد اعتبر عبد الرحمن رياض، أن ما يغذّي هذا الواقع انعدام المحاسبة واستمرار الأزمة الاقتصادية، ليخلق بيئة حاضنة لسلوكيات غير قانونية باتت تُمارس على نحو شبه علني.
ومن بين الأزمات الخانقة، أزمة المياه في سابقة لم تعهدها دمشق من قبل، إذ يعاني السكان من انقطاع مياه الشرب، وفق جدول تقنين صارم، حيث تُضخ المياه لمدة سبع ساعات كل يومين فقط.
وشكّل هذا الواقع بحسب مصادر أهلية لـ “القدس العربي” صدمة لدى سكان المدينة الذين لم يعتادوا على نقص المياه، ما يعكس تدهورا في إدارة الموارد أو عجزا بنيويا في البنى التحتية.
يضاف إلى ذلك، أزمة الكهرباء، التي تشهد حالة من التقنين بلا وجود حلول، حيث شهدت ساعات التقنين الكهربائي ارتفاعا ملحوظا، لتصل حسب روايات الأهالي لـ “القدس العربي” إلى سبع ساعات قطع مقابل ساعة ونصف إلى ساعتين من التغذية الكهربائية فقط. وقد أثر ذلك في جميع جوانب الحياة، من التعليم إلى العمل وحتى الصحة، وزاد من اعتماد الأهالي على مصادر بديلة مكلفة أو غير آمنة.
يؤرق المواطنين، في العاصمة السورية، فوضى قطاع النقل والمواصلات، الذي أصيب بالتسيّب، وضعف الرقابة، ولا سيما أنه المحرك الرئيسي للمدينة.
ورصدت “القدس العربي” زيادة أعداد المركبات على الخطوط الداخلية، مقارنة مع السنوات السابقة، ورغم ذلك فإن قطاع النقل يعاني من فوضى في التنظيم وتجاوزات قانونية، حيث يتحكم السائقون ممن يستغلون الوضع من أجل الاغتناء السريع، وسط فقر مدقع يعاني منه معظم الناس، كما يستخدم العديد من السائقين سيارات خاصة دون تراخيص رسمية للعمل كسيارات أجرة.
وفي هذا الإطار يقول الباحث السياسي عبد الرحمن رياض لـ “القدس العربي”: ازدادت ظاهرة كتابة كلمة “تكسي” على زجاج السيارات الخاصة لبدء العمل بشكل غير قانوني. كما أن الاعتماد المستمر على “السرافيس” والمركبات الفردية يبرز الحاجة إلى خطة شاملة لتحديث الأسطول عبر إدخال باصات كهربائية تقلل من الفوضى وتدعم النقل العام المستدام.
وأضاف: يتقاطع معظم من تم الحديث معهم حول هذه المشكلات اليومية التي تزداد تعقيدا في ظل غياب حلول استراتيجية أو إجراءات ملموسة لمعالجتها. ورغم وعي المواطنين بحجم هذه التحديات، فإنهم لا يمتلكون الأدوات اللازمة لصياغة حلول فعالة، إذ غالبا ما تصطدم أفكارهم بصخور القوانين الصارمة، أو بانعدام البنية التحتية القادرة على الاستجابة، أو بجدران العقوبات الدولية التي تزيد المشهد تعقيدًا.
فمن المؤكد أن “هؤلاء أناس بسطاء، لا يطلبون أكثر من حياة كريمة تواكب الحدّ الأدنى من معايير العالم الخارجي، في وقت تزداد فيه الفجوة بين طموحاتهم والواقع الذي يعيشه بلدهم”.