تعمق الذات واستعادة منسياتها في «المضارع الذي نسكنه»

يمثل الحوار لحظة استعادة للذات، تتعمق منسياتها وتحفر حيث صخر الذاكرة ينغرز عميقا. لما وقع بين يدي الحوار الذي أجرته الشاعرة والإعلامية نوارة لحرش مع الشاعر إسكندر حبش، المعنون «المضارع الذي نسكنه» (حوارات عن الكتابة والحياة) والمنشور في كتاب في 2024، شعرت أني متورط منذ البداية، حيث السنة 1963 تمثل المشترك الميلادي بيننا، ولما تعمقّت في الحوار، وجدت أن الحرب كان لها الأثر العميق في حياة إسكندر، واستذهنت طفولته في تلقيها للحرب بألوانها الطبيعية، في حين كنت الطفل الذي يتلقى دمارها على شاشة تلفزيون أبيض وأسود.

لبنان المكان الثابت الوجودي

يتأثث المشهد الوجودي سرديا في بداية الطفولة وهي تستقبل العالم، انطلاقا من أسطورة أريان التي لها ما يماثلها في واقع إسكندر الطفل، لفافة الخيط التي كانت تعطيه إياها أمه ليلهو بها، ريثما تنهي أشغال البيت. يبحث عن علاقة بين هذا وذاك، فلا يجد سوى التعقيد الذي يخلفه اللعب بلفافة الخيط. إنه تعقيد الحرب التي تركت آثارها وندوبها على اللبنانيين، خصوصا الفاعلين ثقافيا، الذين كانوا يرافقون اللحظة الهدمية بما توفر من وعي الذاكرة والقلم، أو الريشة.
يستعيد إسكندر اللحظة المتعلقة بانتمائه للبنان باعتباره الثابت الوجودي الناتج عن متغيرين حدثَا من هجرتين، هجرة العائلة من ناحية الأب من فلسطين وهجرة عائلة الأم من أرمينيا، ولهذا لم يفكر في الهجرة بسبب الحرب. هجرتان تكفيان كي يكون للذات موطئ وعي، يستطيع أن يستطلع العالم وأشيائه من المنبع، من ذاته العامرة بأمله وألمه في ربوع ما تفتق عليه وعيه. وربما يكون هذا السبب في تسمية منشور البدايات «ميكروب»، الذي رافقه فيه صديق العمر شبيب الأمين وهما على مقاعد الدراسة الجامعية، وأخلصا لأن يكون الهم الواحد مشتركا بين الكتّاب في «ميكروب»، يقول: «لم ننشر إلا لمن هم قريبون جدا من تفكيرنا. لم نؤسس حزبا بالتأكيد، ولا ميليشيا ثقافية.. كانت ميكروب لحظة مضيئة»، والفكرة برمتها تجعلنا على تماس مع الجروح النرجسية، بتعبير فرويد، التي خلفها الواقع اللبناني المنهار في نفسيات اللبنانيين، إلى درجة أن «الحزب» يصبح رديفا للاشمئزاز و»الثقافة» تصبح ميليشيا، أي إن فكرة السلاح هيمنت على تفكير الناس، إلى درجة محاولات الانسحاب من واقع الحرب إلى واقع على صورة «ميكروب»، اللحظة المضيئة في الزمن اللبناني المظلم.
كان المكان كآخَرٍ، مؤسسا في وعي إسكندر، كانت دمشق جاهزة كي تكون الحضن الجامع للتفكك في أرض الموت والدمار، «كانت دمشق، أيضا، فسحة مستقطعة بعيدا عن الحرب»، وهي إحالة دالة إلى معنى المدينة التي يتغياها إسكندر، مدينة مستقطعة، أي إنه فصلها في أحلامه وأحضر عناصرها مؤثثا إياها كما يجب أن تكون المدن، وهو ما يكشف عن وعي بالتشظي بحثا عن شيء يجبر الانكسارات، وكان الجسر بين دمشق وبيروت هو رفض الهجرة، بمعنى تشكل بصمة موطئ القدم والذات تعبر إلى ما تحبه من الأمكنة، لكن الذاكرة سوف لن تتحرك إذا لم تتأمل بصمتها، تلك الشيفرة التي تعني المدينة البدء بكل أسرارها.

توازن الكتابة مقابل لا توازن الحرب:

إن هذه المدينة البدء يدين لها إسكندر بشيء، أو بالأحرى يدين لحربها بذلك الشيء، لأنها علمته كيف يبقى «كائنا بشريا»، كان يهجر الحرب بخرابها الشامل إلى الكتابة: «لذا قلت، إن الكتابة في تلك الفترة، سببت لي توازنا مقابل اللاتوازن الذي كنا نعيشه»، مشيرا إلى القراءة أيضا. هناك علاقة بين بيروت والحرب، وما خلفتاه في واقع إسكندر من أيلولة إلى الكتابة والقراءة اللتين لا تحتويهما سوى عزلة أنيقة، فلحظة الحرب هي لحظة معيارية للاتوازن، قد يفقد معها الإنسان كل اتجاه نحو الذات، التي قد تنتحر رمزيا أو واقعيا في تلاشٍ معبرٍ عن اللاجدوى، التي يعيشها العالم والإنسان، ولهذا منحت بيروت إسكندر القدرة والفرصة على استبيان طريق الأدب: الذي هو «حياة أخرى، قد تكون حياته أجمل من حياتنا المادية بكثير».
يعود إسكندر دوما إلى لحظة الكتابة باعتبارها «علاجا»، واكتشاف الكتابة كان منقذا له من هلاك الحرب. كان يهرب من الحرب إلى «تحت السرير» وإلى «الحمام»، لكنه نقل بعد ذلك خوفه إلى «الورق»، ما يعني أن الكتابة هي صوت الرصاص حين يتوزع الخوف بين الناس، ولا يبقى فيهم سوى من يعتبر اللحظة لحظة إصرار على امتصاص الدوي، وتحويله إلى صوت للحياة. في الحوار مشهد دال على علاقة ما تستعيد فكرة هجرتين تكفيان، فلما زار مقهى «فلور» حيث كان يجلس سارتر وسيمون في باريس، بعد أن فتحت له القراءة معرفة الكثير من الأشياء، وجلس فيه وشرب القهوة، بعد مدة شعر بالضجر، وحتى القهوة لم تكن جيدة، فخرج منه ولم يعد إليه مرة أخرى. يبدو أن للحرب وقعها الخاص في تشكيل العلاقة مع الأمكنة ومع الكتابة، فرغم أن دمشق كانت فاتحة الطفولة السعيدة والقراءة والأصدقاء، إلا أن بيروت ولبنان على العموم كانا مركز جذب، رغم هجره بيروت إلى قرية صغيرة تفرغ فيها حاليا «للكتب والأوراق». في عمق إسكندر ربما ناقوس للحرب بكل واقعيتها ورمزيتها أيضا يحرك شهوته لـ»لذة النص» وجمال القراءة.

الزمن الحاسم لتفتق شعرية الذات:

أعطى بعضا مما كتب من شعر لأستاذه في المرحلة الثانوية، وانتظر الرد، بعدها ووجه بسؤال: هل أنت شاعر؟ يبدو أن أستاذه كما يقول قرأ ما أمده به من نصوص على تلاميذ قسم آخر، يقول: أحببت هذا اللقب «أن أكون شاعرا»، هي لحظة لتكريس مرجعية الوعي بقيمة الشعر والكتابة في حد ذاتها، فتلك البداية سوف تبقى على الدوام الهاجس الذي يدفع الشاعر إلى الوقوع في أتون تجارب متجددة، حتى لا يشعر بالفراغ الذي يخافه المبدعون. بيير ريفاردي بالنسبة له كان الزمن الحاسم لتفتق شعرية الذات، ومن ثمة بدأت رحلة الشاعر، لكنه كما يقول، لم يبق وفيا للشعر، إذ مارس الصحافة وكتب النقد ونشر حوارات وكُتُبٍ تتعلق بالرحلة، ولكن ألا يبدو كل ذلك مفعما بروح الشعر؟ لأن الشعر في جوهره ليس كتابة القصيدة، بل نفث روح الكلام في ثنايا المعنى، والتنقل عبر مجالات الفكر والكتابة، هو نوع كما يبدو لي من البحث عن اللامرئي في الكتابة، الذي يمنحها هامش الأسطرة، والغموض الفني الذي يجعل الشعر محاولة دائمة للفهم، وليس فهما منتهيا عند فكرة بعينها.
رغم محبة الشعر إلا إن إسكندر يرى أن هناك «أزمة ما في ثقافتنا، أننا أفردنا للشعر والشعراء، حيزا أكبر من الفلسفة مثلا». وأستغرب هذا الرأي منه، وهو المطلع على الثقافة الفرنسية، ويعرف أن غاستون باشلار كان فيلسوفا صديقا للشعراء، كان يقول: «من دون مساعدة الشعراء، ماذا يمكن لفيلسوف محمل بالسنين أن يقوله، وهو يصر على الكلام عن الخيال». الخيال هو العنصر الذي يكتسبه الشعر، ويحرر به فلسفته الشفيفة، التي تجمع بين «رجلي» باشلار باعتباره فيلسوفا، و»جناحيه» باعتباره شاعرا، والرجلان باديتان لكن الجناحين متخيلان. تكمن أسئلة الشعر في فردية الشاعر التي تعبر عن خصوصية ما، تماما كما خلوة الصوفي وهو يواجه أسرار المقام، وأسئلة الشاعر وتفكيره أعمق بكثير من هذه الناحية، لأنه يتعامل مع اللحظة بتأجيلها إلى أفق آخر يستحدث فيه الواقع بمعطيات الذات، أو إن شئت بمعطيات الشعر الذي من أهم خصائصه تحرير الداخل الإنساني، لأنه «حنين» يجمع شتات الأشياء بعلاقات متأتية من غيب الشاعر الشعري.

الترجمة بوصفها محبة:

ليس هناك قراءة من دون محبة، كما يقول جاك دريدا، وإسكندر حبش يقول: «لا أريد أن أترجم إلا الأشياء التي أحبها»، وبهذه المحبة تصبح الترجمة فعلا حيويا، يبحث في ما يشكل إضافة ثقافية ووظيفية للمترجَم له حتى يستطيع الاندماج في عالم عليه أن يكون جزءا منه بالضرورة وإلا سوف ينفصل عن حركة التاريخ. ولأن الترجمة محبة أيضا فإن إسكندر كل ما يهمه هو أن يقبل عليه القارئ، الذي يكتب بلغته، أما الآخر فهو يبحث عن صورته في ما يكتبه، ويرى بأنه تُرجم لأن دعوات كثيرة مثلا وجهت له لمهرجانات عالمية في الشعر تحتم على تلك الجهات أن تترجم شعره إلى لغات تلك البلدان، ولذلك يعتقد أن الترجمة هنا «ليست قيمة معيارية أبدا» بل يظنها نوعا من «حدث أنثروبولوجي».

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية