رواية «منزل الذكريات» للفلسطيني محمود شقير: الوطن بوصفه نصا سرديا مستعادا

إذا كان الناقد جيرار جينيت، قد أكد على أن النصوص لا تُقرأ في فراغ، بل ضمن شبكة من العلاقات النصية والتاريخية، فإن رواية «منزل الذكريات» للكاتب الفلسطيني محمود شقير، الصادرة عن دار نشر هاشيت أنطوان 2024 تنتمي بوضوح إلى ما يمكن أن نُسميه بـ»النص المتناص»، الذي يحاور نصوصا ثقافية وسردية وتاريخية، ليعيد إنتاج معنى الهوية الفلسطينية، ضمن شبكة من العلامات، تتوسطها اللغة بوصفها أكثر من مجرد وعاء للقول: إنها حدث سردي، ومرآة أيديولوجية، وأداة مقاومة. وفقا لجينيت، فالهوية في النص ليست معطى جوهريا، بل هي بناء سردي تنتجه «نقطة نظر» تحكم العلاقة بين الراوي والزمن والمكان والخطاب. ومن هذا المنطلق، فإن ثنائية اللغة والهوية في «منزل الذكريات» تتجسد في تفاعل بين زمن القصة (الذكريات المعيشة والمفقودة) وزمن الخطاب (السرد الذي يستعيد ويعيد تشكيل هذه الذكريات)، حيث تُستثمر اللغة العربية بوصفها وسيطا بين ما كان وما ينبغي أن يُستعاد.

نص «ميتابنائي»: سردية وطن بين اللغة والهوية

لا يُمكن فصل الحكاية عن طريقتها في السرد، إذ يتحول الزمن، والمكان، والهوية إلى أنساق خطابية تُنتجها بنية النص لا مرجعيته الواقعية. ومن هذا المنطلق، «الجينيتي» لا يعرض محمود شقير في روايته «منزل الذكريات» الوطن بوصفه مكانا موضوعيا، أو خريطة جغرافية، بل كـ»نص ماضٍ» تُعيده الذاكرة وتُعيد تشكيله، من خلال سرد متعدد الطبقات. إن المنزل المقدسي في الرواية لا يُقدَّم كمكان فحسب، بل كبنية ميتابنائية، تستدعي تفاصيله الدقيقة، الجدران، الأثاث، الروائية، بوصفها عناصر خطابية تتكاثف لتخلق وهم حضور وطن غائب.
هنا، يُصبح زمن الخطاب أداة لاسترجاع وطنٍ مفقود عبر تقنية «الاسترجاع السردي الداخلي»، حيث تُبنى الحكاية على تكرار لحظات ماضية، ليست متصلة بخيط زمني مباشر، بل تُستدعى عند الحاجة السردية، وفق نظام «التواتر الزمني» كما يراه جينيت، حيث تُروى حادثة واحدة مرات متعددة، بلغة واحدة، ومن زوايا مختلفة، ما يمنح الماضي قوة دلالية تتجاوز الحنين لتُصبح فعلا من أفعال المقاومة السردية. فاستحضار البيت القديم، وأصوات اللغة العربية فيه، يحدث بتكرار سردي يُضاعف قيمة اللغة، بوصفها حدثا يتكرر، لأن الحنين يعجز عن احتوائه مرة واحدة. هذا التكرار هو استراتيجية سردية مقاومة، كما أنه تمثيل سردي لفقدان مستمر، لا يُعالج سوى بإعادة الحكي، وإعادة التذكُّر.

الصوت السارد: مصفاة سردية لصياغة التجربة الجمعية

أما مسألة الهوية، فليس في الرواية سؤال ثابت، بل هناك تحول سردي مستمر. فالنص يطرح من خلال تعدد الأصوات والشخصيات تساؤلات وجودية حول كيفية توريث الانتماء في غياب الأرض الأصلية، ويفعل ذلك لا عبر تأمل مباشر، بل عبر خطاب غير مباشر حر يعكس صراع الشخصيات في الشتات. تلك الشخصيات لا تُنقل كما هي، بل تُعاد كتابتها من خلال صوت الراوي، الذي يعمل كـ»مصفاة سردية»، تُعيد صياغة التجربة الجمعية عبر بنية ذاتية تُراوح بين السيرة والرواية.
تغدو شخصية الأب، حاملا سرديا للذاكرة، إذ ينهض بدور الراوي البديل في طبقات سردية داخلية، حكاياته المنقولة شفاهة، تصبح نصوصا فرعية تبني عليها الرواية بنيتها العليا. فالأب لا يُمثل فقط الجيل الذي عايش النكبة، بل هو جهاز سردي وظيفته تثبيت العلاقة بين الماضي والحاضر، بين الحكاية والهوية. الرواية لا تُغفل، كذلك، «التقاطع الزمني»، حين تنتقل بسلاسة بين محكيات الماضي (الحياة في القدس) ومقاطع من الحاضر (المخيم، المنفى)، لتُظهر الفلسطيني، لا بوصفه ضحية ثابتة، بل كفاعل في الزمن، قادر على التكيف والإبداع رغم القطيعة الوجودية.
أما على مستوى الصوت السردي، فيظهر جليا اعتماد شقير على راوٍ داخلي، يملك وعيا مزدوجا: وعيا سرديا يعيد صياغة التجربة، ووعيا أيديولوجيا يُحاور القارئ من داخل النص، لا خارجه. تقنية «الراوي الضمني»، تتيح للسارد أن يكون جزءا من القصة، لكنه لا يكتفي بالسرد، بل يُمارس فعل التأويل.

الاسترجاع الداخلي ـ إنتاج علاقة اللغة بالهوية

يتعامل النص مع اللغة، لا كمجال دلالي فقط، بل كمكوّن سردي يُحدّد شكل الرواية بقدر ما يُحدد مضمونها. إن استدعاء اللغة العربية ـ كما تُوظف في النص ـ هو نوع من التضمين الماكر لمفردات الهوية، حيث تتحول اللغة من أداة تمثيل إلى علامة سردية تُهيمن على المتن، وتُعيد ترميز علاقة الفلسطيني بالمكان والتاريخ والذات، حيث يُعيد شقير عبر السرد إنتاج علاقة الهُوية باللغة، من خلال بنية سردية تقوم على الاستذكار والاستعادة، ما يسمى بـ»الاسترجاع الداخلي»، حين يستعيد النص حوادث ماضية تقع ضمن زمن القصة، لكنها تُروى لاحقا من خلال الحنين، ما يجعل اللغة في الرواية مشروطة بزمن فقدان مستمر، لا بزمن سرد مستقر. هذا الفقد يجعل اللغة نفسها سردية ومفقودة في آن، كأنها وطن مصغّر.

حضور اللغة الأخرى ـ مُعادِلات سردية لهويات مهددة أو هجينة

إن النص دائما محايث لنصوص أخرى، تُكوّن سياقه أو تشكّل تهديدا له، في «منزل الذكريات»، تُقابل اللغة العربية بلغات الشتات ـ الفرنسية، الإنكليزية، العبرية ـ وهذه ليست مجرد شيفرات تواصل، بل مُعادِلات سردية لهويات مهددة أو هجينة. شقير لا يضع هذه اللغات في موقع معادٍ فحسب، بل يُوظف وجودها ضمن بنية السرد ليُنتج توترا هوياتيا، يُبرز مقاومة اللغة الأصلية للذوبان. وهنا تصبح الازدواجية اللغوية عند بعض الشخصيات، أو افتقارهم إلى التحكم الكامل باللغة العربية، مؤشرا سرديا على تآكل العلاقة بين «اللغة ـ الوطن ـ الهوية». هذا ما يمكن أن نراه تمثيلا لتحول الصوت السردي من «الراوي العليم» إلى راوٍ تجريبي متعدد الألسنة، يُراوغ اللغة كما يراوغ الهوية.

نص ميتا سردي ـ تفكيك وإعادة كتابة زمن النكبة

في «منزل الذكريات»، ليست اللغة مجرّد وسيط لسرد حكاية فلسطينية، بل هي حكاية الحكاية نفسها. فالنص الأدبي يُخضع اللغة لتوتر دائم بين الحضور والغياب، بين ما يُقال وما لا يُقال. وهذا التوتر هو نفسه الذي يحكم علاقة الفلسطيني بلغته وهو في المنافي: يكتبها ليستعيدها، ينطقها ليُؤكّد وجوده، ويورثها ليؤجّل موتا آخر. وتُقدّم اللغة في الرواية، من هذا المنظور، بوصفها حكاية قائمة بذاتها. اللغة ليست وسيطا، بل بنية شعرية سردية، تُلامس حدَّ الشعر أحيانا، حين تصبح الأوصاف امتدادا لزمن توقف يتعمد فيه السارد إبطاء السرد لخلق لحظة تأمل. هذه اللقطات الوصفية لا تُضيف إلى القصة معلومات، لكنها تُكثّف البعد الانفعالي للنص، وهو ما يمنح الرواية جماليتها الخاصة.
لا يمكن قراءة «منزل الذكريات» إلا كنص ميتاسردي، يُمارس فيه السارد تأريخا ذاتيا، وتفكيكا لزمن النكبة، وإعادة كتابة لوطن مسلوب، وفق أدوات سردية تُهيمن عليها الذاكرة لا التوثيق. إنها رواية تُعيد تموضع الفلسطيني، لا فقط داخل الجغرافيا، بل داخل اللغة، والزمن والنص. ومن هذا المنطلق، تُجسّد الرواية مفهوم النص «جهاز منتج للمعنى».

زمن الخطاب – الحاضر مقام للغياب والمستقبل فراغ سردي

في «منزل الذكريات»، يتبدّى الحاضر لا بوصفه زمنا ذاتيا قائما بذاته، بل كـ»بنية خطابية» مشروطة بامتداد الزمن الماضي، وهو ما ينسجم مع هيمنة «الاسترجاع السردي»، حيث يتموضع الزمن الحاضر في الرواية ضمن نسق زمني تابع للماضي، لا مستقلّ عنه. فالسارد لا يعيش اللحظة الراهنة إلا بوصفها انعكاسا مؤجلا لماضٍ لم يُدفن بعد؛ إن جسده يتموضع في الزمن الحاضر، لكن وعيه يُعاد تشكيله من خلال العودة النصية المتكررة إلى الماضي، ما يُنتج تزامنا زائفا بين الماضي والحاضر داخل بنيته الخطابية.
يغدو حضور شخصية «سناء»، الزوجة المتوفاة، بمثابة شيفرة سردية لحضور الماضي في نسيج الحاضر. فهي ليست شخصية فاعلة في زمن القصة، لكنها تتجلى عبر زمن الخطاب، بوصفها استدعاء سرديا متكررا يعيد صياغة الحاضر من خلال صوت الغائب، ويحول كل تفصيل يومي إلى بؤرة لتكثيف الزمن الماضي. بذلك، يفقد الحاضر في الرواية استقلاليته الزمنية، ويُختزل إلى ظلّ سردي لزمن ذهبي مفترض، كما لو أن الرواية تمارس نوعا من الحذف الزمني للحاضر عبر استبداله بالماضي المُتخيَّل.

الاستباق السردي – المستقبل نسيج غائب لا يحظى بتمثيل سردي

أما المستقبل، فينتمي إلى ما يمكن تسميته بـغياب» الاستباق السردي»، أي التغييب المتعمد لأيّ بُعد توقّعي أو إشاري للزمن المقبل. فالسرد هنا لا يعمل على بناء خطاطة مستقبلية، بل يترك الزمن المقبل كمجال سردي مُلغى، أو على الأقل مؤجَّل التحقّق. بهذا المعنى، لا يُقدّم المستقبل بوصفه حدثا محتملا داخل القصة، بل كـ»فراغ دلالي» لا يحتله شيء، بسبب فقدان المرجعية السياسية والوجدانية، التي تتيح تصوّره. وعليه، فإن بنية الزمن في الرواية ليست خطية ولا تصاعدية، بل هي بنية دائرية مقلوبة، تتمركز حول الحاضر بوصفه مساحة تكرار وتدوير، والماضي كمصدر للمعنى، والمستقبل كنسيج غائب لا يحظى بأي تمثيل سردي. هذا التلاعب بالزمن لا يُقصد به خلق تشويق أو حبكة معقدة، بل هو تعبير عن حالة وجودية جماعية، حيث يصبح الزمن الفلسطيني زمنا معطوبا، لا يمكن فيه تخيّل مستقبل، ولا حتى عيش حاضر خارج قبضة الذاكرة.
كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية