«تدفق» فيلم اللاتفي غينتس زيلبالوديس … سيمفونية الصمت ومأساة التكيف

لندن – «القدس العربي»: في فيلم «Flow» (تدفق) (2024)، الحائز جائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة لهذا العام، يغامر المخرج اللاتفي غينتس زيلبالوديس بعيداً عن معجم السرد التقليدي، ليكتب قصيدة سينمائية بصرية، لا تستند إلى الكلمات، بل إلى الإيماءات، وخرير المياه، وحفيف الأشجار، وهمهمة الرياح، وإلى الغياب التام للإنسان، والنظرات الخائفة القلقة لمخلوقات فقدت عالمها القديم. لا يقدم زيلبالوديس فيلما عن البقاء، بل ربما عن استحالته، أو إخفاق كل محاولة لإنقاذ الأرض ومخلوقاتها.
منذ اللقطات الأولى، ينزع «تدفق» كل أدوات الطمأنينة من المشاهد: لا حوار، لا تفسير، لا ملاذ، ولا منقذ. كل ما هناك قطة سوداء وحيدة، تهرب فوق أرض غمرها الطوفان، وتلاحقها المياه كلما ظنت أنها نجت بنفسها. في صمت هذا الفيلم، كل خفقة جناح أو ارتطام قطرة ماء تحمل معنى أكبر مما يمكن لأي حوار أن يبلغه. يُجبرك الفيلم على أن ترى، لا أن تسمع؛ أن تشعر بدلاً من أن تفهم. هذه الجرأة المتمثلة في صمت الفيلم، وثقته في استيعاب المشاهد لهذا الصمت تكشف طموحا فنيا كبيرا. يختفي البشر تماماً من الفيلم. أما القطة السوداء ومن تصادفه في رحلتها من الحيوانات والطيور، فهم في دهشة وصدمة. القط لا يبتسم، ولا يبكي، ولا «يتكلم» بلغة سينمائية رخيصة. هو يتحرك كما تفعل القطط الحقيقية: بخوف، بفضول حذر، بتعب. كل حركة، كل وقفة، محملة بأثقال الوجود. وتدريجياً، تتجمع حول القط شخصيات أخرى: كلب أعرج، طائر جريح، وحوش صغيرة وغريبة، في تحالفات هشّة، لا يحكمها الولاء بل الحاجة للبقاء. لا توجد صداقة حقيقية هنا، بل ميثاق مؤقت تفرضه كارثة كبرى.
لو أردنا أن نقرأ «تدفق» كاستعارة، فإن الطوفان ليس مجرد كارثة بيئية، بل يبدو كتطهير لا يحمل وعداً ببداية جديدة. لا نرى دمارا قد حاق بكل شيء، كما هو دأب الكثير من الأفلام، التي تتناول نهاية العالم. نرى فقط آثارا تدل إلى أن الإنسان كان موجودا، ثم اختفى وجوده، وتبقى بعض الآثار الدالة على أنه عاش على الأرض يوما: بعض التماثيل، بعض الآنية، بعض المباني. زال الإنسان ولم يبق سوى المياه التي يرتفع مستواها وتغمر الأرض. العالم في «في تدفق» لا يعيد ترتيب نفسه كما تفعل عادة القصص بعد الخراب، بل يواصل الانهيار بوتيرة بطيئة. السماء تنهمر دون توقع. الجبال تنهار. الأشجار تغرق. لا توجد يد خفية تعِد بالخلاص. وهذا الرفض العميق لبعث الأمل المجاني، هو ما يمنح الفيلم ثقله الوجودي الحقيقي.
على مستوى التكوين البصري، يقدم «تدفق» نهاية العالم، كما ينبغي أن تكون. الألوان باهتة كذكرى قديمة: الأزرق الذي يتحول إلى الرمادي، البني الطيني، لمحات خجولة من الأخضر العتيق. الضوء لا يأتي كخلاص، بل كوميض قصير عبر غيوم كثيفة. زاوية الكاميرا دائماً منخفضة، قريبة من مستوى نظر الحيوانات، ما يمنحنا إحساساً دائماً بالهشاشة: كل شيء ضخم وخطر. كل تفصيلة هنا تسير نحو غاية واحدة: أن نشعر بأننا في عالم لم يعد لنا فيه مكان. الموسيقى التصويرية للفيلم، التي كتبها اللاتفي ريهاردس زالوبي، عمل آخر من أعمال الصمت المسموع. هي ليست مصاحبة للحدث، بل هي استباق له، أو نحيب خلفه. مزيج من الأنغام الإلكترونية الخافتة والآلات الوترية المجهدة يخلق مزاجاً من الخوف الطفولي: خوف لا يستطيع أن يصرخ. في مرات عديدة، تختفي الموسيقى تماماً، وتُترك وحدك مع صوت الريح والماء ـ حتى تتساءل إن كان الفيلم يتنفس أم يحتضر.
يقدم «تدفق» عالماً يذكرنا بتحفة ستوديو غيبلي والمخرج الهولندي ميكائيل دودوك دو ويت «السلحفاة الحمراء» (2016)، ويبدو أن الفيلمين ينتميان إلى العالم الروحي نفسه، لكنهما يتحدثان لغتين مختلفتين عن الوحدة والفقد.
في «السلحفاة الحمراء»، الصمت محمل بالقبول. رجل يُحتجز على جزيرة مهجورة، يحاول الهرب، يُفشل البحر كل محاولاته، حتى يستسلم، ويكتشف أن الحياة، حتى إن كانت مفروضة عليه، يمكن أن تحتوي على جمال داخلي، وعزاء غير متوقع. أما في «تدفق»، فالصمت محمل بالرفض واليأس. العالم لا يعرض على الكائنات الباقية فرصة للتماهي مع مصيرها. لا توجد جزيرة للراحة، ولا حياة جديدة تنبثق من الحطام. هناك فقط محاولة مريرة لعبور الطوفان، عبور من دون وعد، أو حتى فكرة عن الوصول. وإن كانت الجزيرة في «السلحفاة الحمراء» رحماً جديداً يولد فيه الإنسان من جديد، فإن الماء في «تدفق» قبرٌ مفتوح، لا يواري جسد العالم المنكسر. هكذا، يقف الفيلمان وجهًا لوجه: واحد يهمس بأن التسليم للحياة ممكن، حتى بعد الخراب. والآخر يصرخ، بصمت، أن لا خلاص، ولا أرض جديدة تنتظر من نجا. «تدفق» تجربة وجودية خالصة، تتطلب من المشاهد أن يتخلى عن توقعاته المسبقة، وأن يسمح للحزن أن يتسلل بهدوء إلى داخله. إنه عمل نادر يذكرنا بأن بعض الكوارث لا تحدث بضجيج أو انفجارات؛ بل تحدث مثلما ينفد الهواء من الرئتين: بصمت، وببطء، ودون رجعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية