علي حاردان في ذاكرة عُمان

صباح الخير أو مساء الخير يا صديقي علي بن سهيل حاردان (1958-2008)، الشاعر والصحافي والمحرر، الكاتب المساهم في دوريات عربية عديدة وبينها هذه الصحيفة «القدس العربي».
لا أعلم شيئا عن زمنكم، مثلما لا أعرف توقيتكم النهاري أو الليلي، لذلك قلت لك صباح ومساء، كما أنني لست متأكدا من استعمال هذه العبارات في محل إقامتكم. هذه التعابير تندلق يوميا من أفواه البشر وبكل اللغات، عند الصباح والمساء، حتى يخيل لي أنها كانت في الأصل طقوسا دينية تؤدى عند حلول الضياء وانزياح الظلام، ثم انتزعت منها هالة القدسية وبقيت كلمات مجردة بلا آمال ولا غايات تصعد إلى السماء.
على كل يا صديقي أكتب لك في هذا الشهر الذي يجمع النجاحات والخيبات معا. أحد عشر شهرا أخرجهم من حساباتي، وأنتظر شهر أيار/مايو الذي ترتفع فيه درجات الحرارة والرطوبة ويعجل بالكوارث الطبيعية في ظفار.
فإذا انقضى الشهر ولم يحدث لي أمر، فإني أحتفل بالنجاة من أهوال مايو، وإذا وقعت المصائب أبحث عن طرق أخرى للخلاص. أتعايش مع الألم كمن يحمل في ذاته مرضا مُعديا يدرك أنه هلاكه كامن في ذاته، وأحيانا أتجاهل كل الهواجس ببراءة الطفولة وحنكة الكهولة.
سلواي يا صديقي في هذا الشهر هي الكتابة إليك. في الكتابة اليك أحرر نفسي من كل منغصات الدهر، وشجون الزمن. أكتب وأكتب وأكتب. فقط هذه الحروف هي التي تُعينني على التحمل، وحدها الكلمات من تتحملني حين أفرّ من نفسي ومن الآخرين.
أشحن المعاني بأسراري وبوحي الذي لا أجد أحدا يستحق إخباره بما يعتمل داخلي إلا الكلمات، التي توفر مساحة شاسعة لاستقبال فائض التبرم المُعفى من صكوك الغفران.
بمرور الأيام أكتشفُ أنني لم أتعاف من آثار الطفولة والصبا، بالرغم من النكران والجحود. إذ اكتشفت خضوعي الطوعي لطباع تشكُلي الأولى، السير وحيدا، التفرد في اتخاذ القرار، مصاحبة النفس أكثر من الآخرين، طمر الأسرار والتخلص منها في جُب الغياب.
أيقنت مؤخرا أنني مسكون بطبائع الرعاة الإبليين، التخلي، والترحال، والحنين، فلا أجد نفسي إلا منساقا خلفهم. آخذ من الحياة فرحتها ولحظتها وأترك خلفي الرماد، وما يُثقل الكاهل ويعيق المسير.
يمشون بخفة الأرواح ولا ينظرون خلفهم خشية أن تثقلهم الذاكرة بمنغصات الحنين.
يطول الحديث في مسارح البوح ولا أجد الوقت لسردها هنا، سنحتفظ بزاد القول للقاء، لعل اللقاء يحرضنا على المكاشفة والتصريح، وأحدثك بما جرى لي في غيابك من هزائم وانتصارات. مع أنني أصفها لك كل حول.
لن أخبرك بالأخبار السياسية ورواية الأحداث على الساحات العربية، لا أريد أن أثقل عليك يا صديقي، فالوجع أزلي والجراح غائرة تتعمق ولا تتعافى.
دعني أحدثك عن الأدب والثقافة آخر حصوننا التي نحتمي في أكنافها، فبها نحيا ونشقى، ونأمل ونتأمل. في بداية هذا العام أصدرتُ رواية عنوانها «اسمه الأسمر»، وللمفارقة فإن البطل اسمه علي الأسمر، مثلما أحد أبطال روايتي السابقة «الأحقافي الأخير» اسمه علي. انتبهت مؤخرا أنني أكرر اسم علي في رواياتي، فهو اسم يليق أن يُكتب ويحفظ أيضا. وهو كذلك سهل في التدوين.
بالنسبة للرواية يا صديقي لا أدري كيف أصفها، هل هي جنس أدبي أم ترياق للذين يلوذون بكنف الكلمات لتحميهم من هول الأقدار وصروف الأدهار. الرواية يا صديقي تتسع للتجارب والذكريات الجميلة والمواقف الأليمة التي لا تُنسى.
وليس ذلك فحسب بل هي خلاصة التجارب والرؤى التي يستشعرها الكاتب ويجسدها كأحداث وقعت للأبطال من حروف وكلمات، لكن الكتابة تبث فيهم دماء من أحبار وأرواح من الخيال، ثم يتركها لحكم القراء.
سألني أصدقاء عديدون عن ديوانكم الشعري «الإبحار إلى ضلكوت» – الذي لم تهدنِي إياه – وبما أن النسخ غير متوفرة، فأودّ أن نعيد طباعتها من جديد، بالتنسيق طبعا مع الأشقاء. حتى لا نحرم الحالمين بالإبحار إلى ضلكوت من غواية الكلمات وسطوة الشعر وأثر الكلمات.
ضلكوت التي تقول عنها:

«ما اخترتك وطناً
ما اخترتك وجعاً
إني أتيت بلا خيار
ضلكوت يا قلقي ويا عشقي
الذي يقتات ناراً
لا تسأليني
الآن لا يجدي الحوار
أني أحبك هكذا
جرحا يلازمني ووعداً واصطباراً

آه يا ضلكوت
حيّرتني حين حارت
فتجلتْ في سطور
بعد أن دمعي استعارت».

نعم يا صديقي أتذكر العديد من المواقف معك، مع أن ذاكرتي بدأت في التنكر لي بين الحين والآخر.
هل تبقى شيء لم أحدثك عنه؟ مبدئيا هذا الذي أتذكره في لحظتي الراهنة، هذا زبدة القول وأهم ما لدي في اللحظة الراهنة. إذا تذكرت شيئا سأعلمك به يقينا. رغم أني لا أطيق التفاصيل التي تُحكى، لأنها تستنزف عضلات لسانية معتقدة، وتُبذر مخازن لفظية هائلة دون جدوى.
لهذا نعمل على توفير المعاني للأيام المنتظرة.
*روائي من عُمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية