الرباط ـ «القدس العربي»: «الفضاء العمومي: تربية، فن، ثقافة. في قلب الجامعة، يتحول الفضاء العمومي إلى منصة نابضة بالحياة، حيث تلتقي الفنون، وتُزهر الثقافة، وتُغرس قيم التربية الجمالية. من المسرح إلى الموسيقى، ومن التشكيل إلى الشعر، نعيش لحظات تُجسّد الإبداع في أبهى صوره».
هكذا مهّدت كلية علوم التربية التابعة لجامعة محمد الخامس في الرباط لتظاهرتها التي احتفت بالفنون والتربية والثقافة ضمن النسخة التاسعة للملتقى الدولي للتربية الجمالية، الذي اعتُبر مناسبة بارزة جمعت نخبة من الباحثين والفنانين والممارسين التربويين، من داخل المغرب وخارجه، لمناقشة التفاعل الخَلاّق بين الجماليات والتربية في الفضاءات العمومية.
وجرى اختيار الفضاء العمومي ليكون شعار الملتقى لهذه السنة، تأسيسا على نظرة مميزة له، ترى فيه سياقا متعدد الإمكانات ومركب الأبعاد منفتحا على مقاربات شتى مؤهلة لفتح حوار جاد حوله يقوده الأكاديمي التربوي ويساهم فيه الفنان المبدع.
فكرة الملتقى المحتفية بالفضاء العمومي، وفق الأستاذ الجامعي عبد الله المطيع، ورئيس اللجنة التنظيمية للملتقى، انبثقت من نقاش فكري أثير السنة الماضية حول ثقافة الماء، حيث تأكد أهمية الحديث حول الفضاء العمومي باعتباره فضاء للتعايش وتقبل الآخر إلى جانب التعبير الفني والثقافي.
وأبرز الأستاذ بكلية علوم التربية متحدثا لصحيفة «القدس العربي»، أن الفكرة جرى بلورتها عبر ثلاثة مستويات، بداية من حفل الافتتاح الذي يعكس ثمرة إنجازات الطلبة وإعدادهم طيلة الموسم الجامعي، ما يشكل مناسبة لتقديم مشاريعهم التربوية والفنية أمام الحضور، وانتقالا إلى لقاءات «الماستر كلاس» رفقة خبراء ومبدعين في جملة من المجالات، إلى جانب ندوات علمية وفرجات فنية وثقافية التي تكون على هامش الملتقى.
وأفاد المطيع أن حفل الافتتاح الذي شهده فضاء «منتزه الحسن الثاني» في الرباط، حضره زهاء 1300 مشارك بينهم أكثر من 500 طالب وطالبة، وتضمَّن فرجات في الزجل والموسيقى ومعرضا لإنجازات الطلبة البيداغوجية إلى جانب معارض للفنانين التشكيليين. ما شكل تجربة جمالية انفتحوا عبرها على الجامعة والحياة الجامعية بإبداعاتهم وأنشطتهم، وحضر الفنان والباحث والأكاديمي في الفضاء العمومي.
الفن في الفضاء العام
هذه الفرصة التي أُتيحت للفنانين داخل الفضاء العمومي دفعت الفنان التشكيلي محمد عرابي وهو طالب باحث بـ «ماستر التربية الجمالية والتدبير الثقافي» بكلية علوم التربية، وشارك بمعرض تشكيلي بمنتزه «الحسن الثاني»، إلى التأكيد على كونها مناسبة فريدة للتفاعل مع الجمهور خارج السياقات المعتادة، ما يعمق فهم دور الفن في الفضاء العام.
وأبرز عرابي متحدثا لـ «القدس العربي»، أن إحساس البعد الجمالي كان طاغيا ليس فقط في الأعمال المعروضة، بل في روح التبادل والحوار التي ميزت الملتقى. ما أتاح توسيع آفاق المتحدث باعتباره باحثا وفنانا ومكنه من الربط بين الجمال والمعرفة، وبين الإبداع والمساءلة.
إلى ذلك تُجدّد كلية علوم التربية عبر ملتقاها المحتفي بالفضاء العام، التأكيد على انفتاح المؤسسة الجامعية على محيطها سعيا إلى تبادل الخبرات العلمية الجادة والتجارب البحثية الفضلى في مقاربة الظواهر والقضايا الراهنة ضمن السياق المغربي والدولي بخلفيات تربوية وتعليمية؛ إذ لا يزال الفضاء العمومي تحديا كبيرا أمام جميع المؤسسات والشرائح باعتباره أفقا متجددا يفجر الأسئلة والرؤى، ذلك أنه ليس مجرد أمكنة وساحات مادية، بل هو رسائل في التربية والفن والثقافة. كما شكل الملتقى فرصة للخبراء والباحثين من المغرب وخارجه، للتأمل الموسع في أسئلة الفضاء العمومي، وتدارس رسائله، ورصد التمثلات المختلفة له، والتأملات المتنوعة حوله، مثلما هو فرصة للفنانين والطلبة لإنشاء تحف جمالية على أرض الواقع تجسد مواهبهم وطاقاتهم الإبداعية.
بالنسبة للدكتور عبد الكريم الشباكي، منسق «ماستر التربية الجمالية والتدبير الثقافي»، فإن هذه المحطة كانت فرصة للطلبة الباحثين من أجل تجسيد لوحات فنية وممارسة الجمال والإبداع داخل الفضاء العمومي مباشرة. فضلا عن تمكين الطلبة والطالبات من مهارات الاندماج حيث يصبح الإبداع جزءا من الفضاء العمومي.
وأبرز الشباكي ضمن تصريح لـ «القدس العربي»، أن الفضاء العمومي الذي يقدم في أماكن أخرى كفضاء للسرقة والعنف والقبح، أردنا من زاوية مغايرة أن نُسبغ عليه نظرة جديدة وجمالية تليق بنا جميعا، إذ أن الفضاء الجميل يُحيل مباشرة على النفس الطاهرة والفكر النبيل والإرادة والطموح الأمثل والأسمى، وهي أمور جديرة بنا كمغاربة وطلبة وأساتذة.
ما أعرب عنه الدكتور الشباكي، هو نفس ما سارت إلى تأكيده الباحثة في التربية الجمالية، عايدة باباخاي، مؤكدة أن الملتقى شكل مناسبة فريدة لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الفضاء العمومي والتعبيرات الفنية والثقافية، ولطرح تساؤلات جوهرية حول دور التربية الجمالية في إعادة تشكيل هذا الفضاء كحيز للتفاعل والمشاركة والمواطنة الجمالية.
وأوضحت باباخاي متحدثة لـ «القدس العربي»، أن أبرز ما أثار انتباهها يتعلق بكيفية إدراج المفاهيم الجمالية ضمن تصورات حديثة للفضاء العمومي، لا باعتباره فقط مجالاً مادياً، بل كنسيج رمزي تتقاطع فيه الممارسات التربوية مع الإبداع الفني، وتتجلى فيه الثقافة كأداة لإعادة المعنى؛ لافتة إلى أن انفتاح الملتقى على أبعاد متعددة فلسفية وسوسيولوجية وتربوية وفنية، يؤكد راهنية المشروع الجمالي في مجتمعاتنا، ويعزز القناعة بأن الجمال لم يعد ترفاً معرفياً بل ضرورة تربوية وثقافية.