لعل أظهر ما يميز هذا الكتاب الشعري «مهمة لاكتشاف النهار» (دار أبعاد للطباعة والنشر، لبنان 2024، إشراقات: سلسلة شعرية يختارها ويشرف عليها أدونيس)، للشاعرة والرسامة التونسية أفراح الجبالي، هي هذه المزاوجة المحكمة بين الأشياء في «وجودها في الكون» و»وجودها في كوخنا الخاص»؛ وهو بيت الشعر الذي تسكن فيه الشعرية وتسكن إليه، حيث النهار نفسه مزيج من شفيف العين أو الرؤية وعتمتها في آن. على أن نص أفراح لا يكتنه إلا في سياق تجربتها شأن كل قصائد النثر، على تفاوتها واختلافها، فهي أعمال فردية «خالصة». وهي التي تنتمي إلى «الجيل الذي يمثل الموجة الثالثة في حركة «القصيدة النثر»، كما أفضل أن أترجم المصطلح الأجنبي باعتماد «الوصف بالمصدر»، وليس التركيب بالإضافة كما هو سائد.
ونحن نقف في أكثر نصوصها، على شعرية ذات رأسين، أو هي تُطل في اتجاهين اثنين: اتجاهٍ مُنشد إلى «المعنى» وإلى مواثيق الكتابة وتقاليد القراءة؛ حيث النص يجسم موضوعا، أو يستنطق فكرة، واتجاهٍ يجعل أساس الكتابة الصورة الاستعارية بعيدة المأخذ، إذ يوشيها استرسال خيالي لا منطق له إلا منطق النص، من حيث هو نشوء وتكوين أو حركة حرة؛ قد تترجم في جانب منها انتشار الذاتية الشعرية، وهواجس الذات وحالاتها الوجدانية، في «درامية» تحتفي بالأشياء والتفاصيل الصغيرة؛ ورهان جريء على الأشكال الحديثة، بكل مكوناتها وتحولاتها؛ في بنية الخطاب الشعري.
على أنه إذا كان من الصعوبة بمكان حشر الشاعرة في مدرسة، أو تيار شعري بعينه؛ فهذا لا يعني أيضا أن تجربتها الشعرية خارج كل تصنيف؛ وهي الحريصة على أن يكون نصها في سياقه التاريخي، أو ما أسميه «شعرية الحياة»؛ لا فقط بمعنى أنه يؤرخ لزمانه أو يشهد له وعليه، وإنما بمعنى أنه يصدر عنه في لغته وبلاغته. وأمثلة ذلك كثيرة، وليس لي أن أسوقها في هذا الحيز: «كلما هبت الريح/ تردد شجيرات القصب/ قصة حبي لك/ والحفرة توغل في الوادي/ الراعي يأخذني ذبيحة…»، أو «الأزرق هو لهيبك/ في الوضوح النهاري الذي لا يقول/ وإن للمستطيل المحروق شيئًا مما في الازرق…» وهذا يطرح على الشاعر/ الشاعرة عامة مهمة شاقة جدا، وهي أن يتقصى عن زمنية «شعرية» يتجاوز بها زمان القصيدة العربية السائدة في هذا الطوفان «النثري» الذي لا راد له، ويغادر بفضلها أيضا زمانه هو، ليلج ما نسميه «الزمنية الشعرية»، أي الزمنية التي نرى ضمنها إلى القصيدة العربية من داخلها. ولعلها من دون ذلك سطح أبكم.
تلتقط أفراح الخيط هذا الحبل السري الواصل بين الذات والشعر، لغة الرموز وصانعها؛ الرموز التي بها نحيا ونعيش ونلعب. والشعر عندها حياة، بل هو المعيش نفسه واعية بأن عمل الشاعر/الشاعرة هو فعل القول، وليس المناسبة بين القول والفعل. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن شعرية نصها هي «شعرية الحياة» كما أسلفت حتى وهي «تتغنى» بغربة المكان أو الرحيل أو بالموت أو بالحب حيث القصيدة تقول هذا الشيء أو ذاك الذي يتعذر قوله في لغة المعيش والتخاطب والتواضع؛ حيث نلوذ عادة بالصمت لنقوله و«الصمت إن ضاق الكلام أوسع»، أو نفصله عن العالم حتى يقال ويعاد قوله أول مرة. هذه الإشارة تعزز رأيي في أن القصيدة عندها «لا تتعلق بالتخاطب» وإنما هي «تنشئ قولا، وبيانا لا يستمد سلطته إلا من نفسه». وقد يتساءل القارئ بلسان الفلسفة: «من يتكلم هنا؟ وبأي عالم تتزين التسمية؟ وإزاء ماذا ينبغي أن نشارك هكذا في اقتسام حالة تعجب؟ ولا شيء في هذه الكلمات، بالممكن تبليغه»؟ أليس اكتشاف النهار سوى اكتشاف الليل نفسه؟ والجواب السائغ أن القصد عند الشاعرة هو التلفظ بالكائن أو بالفكرة، إلى الحد الذي يتلاشى فيه الموضوع ويتبدد، كما تتبدد الأشياء في ضوء النهار: «يُصهر التمثال في زاوية أسفل الدرج/ حيث تماثيل الرياضيين تزدحم/ مع آلهة تدور حول نفسها»، ولعل في هذا مكمن النبرة الحديثة في شعرها، وأنا أقرأ ما يرشح به النص من جهة، وما يخفيه أو يضمره من جهة أخرى؛ وأعني «ذاكرة الزمن» نفسه. وأما الملاحظة الأخرى التي يثيرها سؤال القارئ «من المتكلم»، أو المتلفظ؟ فهي تتعلق عيانا بسلطة يمكن تعيينها هي سلطة شيء «مثبت» وسط حقل من المجهول «عالم الموت»، أو حتى «عالم الحب» ذاك الذي يطرح على نفسه سؤال منشئه أو أصله؛ أي هذه الحمأة الأولية، حيث تُضرب جذورنا.
إن القصيدة «تمسرح» سؤال سلطتها الخاصة بها، حسب حدس الشاعرة؛ وهي تنشر مساحة من مقروئية «إشكالية» عند الذين يقفون على عتبة هذا النوع من الشعر المختلف، لا يبرحونها؛ وغير إشكالية عند الذين يخاطرون بتخطي العتبة، أو الساكف إلى بيت النص أي بيت الشعرية. ومن هنا يتسنى القول إن القصيدة «لا موضوع لها» سوى القصيدة، أو هي تلغي الموضوع من حيث هو قادح معنى أو حامل دلالة، أو لأقل هي أقرب إلى «الرسم الحركي» أو الكتابة المتحررة من الأعراف الفنية التقليدية؛ أو هي تتميز بنوع من «الانسياح» اللغوي الذكي، والاسترسال الخيالي، الذي لا ينهض له منطق أو سند إلا من النص نفسه؛ ذلك أن المقصود عند الشاعرة هو «فعل الشعر» وليس موضوعه، أو هذه الحركة اللغوية الحرة، من حيث هي غاية في ذاتها. والشعر بهذا المعنى نشوء وتكوين وحركة حرة، حتى لو أفضي إلى الاستهانة بما استتب من أنساق اللغة وأعرافها. وفي هذا ما يؤكد أن القصيدة لا تسعى إلى عرض موضوعية عالم، وليكن عالم النهار والليل المتخفي في مطاويه؛ يمكن اقتسامها؛ وإنما تكابد العمق المرن لسؤال الشعر والمهمة التي ينهض بها بكل أصواتها وأصدائها.
وهذا يشبه تقريبا ما يقوله بعض الفلاسفة «باديو» من أن قسما كبيرا من القصيدة «يهدف تحديدا إلى نبذ الموضوع، وإلى أن يكف الفكر عن أن يكون في علاقة بالموضوع»؛ والموضوع في السياق الذي أنا به هو ما يقابل الذات؛ في عمل مخالف أو إبدال ينزع إلى تذويب الموضوع، بتوزيعه الاستعاري/الكنائي أو الرمزي اللامتناهي: «لم أنزل/ تنزل الشمس/ تقطع صفحة الميناء البوني ممدودة/ بيضوا آخر النهار» وهو في تقديري أشبه بالمجموع غير المتناهي في الرياضيات، أي الذي يكون عدد عناصره غير محدود. غير أن هذا لا يسوق إلى القول بـ«لزومية» القصيدة، وكأنها إطلاقا في حالة الفعل اللازم غير المتعدي؛ فمحو الموضوع أو تذويبه، ليس دليلا ولا قرينة على تخل أو عدول شعري عن «القول» أو عن «التفكير»؛ وإنما هو محصلة نزوع إلى تسمية «ما هو كما هو». والمقصود هذا الكائن أو هذا الكون أو هذا الوجود الذي يتعذر حده، إلا انطلاقا من فرضية طرحية، بالمعنى الرياضي؛ أو إخراج شيء من شيء: حيث إخراج النهار من الليل هو إخراج الحياة من الموت، في هذا الكتاب المتميز.
وفي هذا المستوى أي النزوع أو التوق والطموح، تتميز القصيدة من حيث هي «تفكير في الفكر»، أو هي «فكر الفكر»؛ أو هي فكر أي شعر في حالة فعل. لأقل «فكر محسوس». وبعبارة أخرى لعلها أقل تعقيدا فإن «شعرية» هذا النص إنما تعضدها الرغبة في تفكير شيء ما حتى لو كان الفكر نفسه، وأما القصيدة فتفكر هذا الشيء حتى يكون شيئا ما.
ما أختتم به هذا المقترب هو ما ترسخ لديّ من أن ما تفكر فيه القصيدة هو «قصيدة الكون التواجدية» تلك التي لا تصور الشيء أو تشهد له وحسب، وإنما تتوق إلى أن تكون الشيء نفسه الذي تستدعيه أو تستلهمه. وكأن من أبرز وظائف الشعر أن يعيد إلينا وعي الأشياء وعيا كليا، ويبعث زمنا جديدا من الكتابة، زمن ما قبل اللغة، حيث كانت علاماتنا أشياء. ومن ثمة كانت مطلقة، ولكن المسافة بين العلامة والشيء، تم قطعها. ونعني الشيء الذي لا تنتظمه أي موضوعية. لعلها إذن الكتابة التي تحاول أن تحوز خصائص الشيء نفسه، أو شعرية بنيته لا محتواه، في سياق من دلالاته تعزيز التسمية وتقوية الإحساس بها أو تكثيفه؛ بكل ما يمكن أن تفضي إليه التسمية من تثبيت الوجود وسد ثغراته ومهاويه. ولا تضاد ولا تعارض ولا تقابل بين النهار والليل، بل إن هذا هو ذاك، بل هما رمزان متوالجان، بل قد يكون النهار أشد غموضا أو أشد وحشة؛ في هذه القصائد «الليلية» كما يتهيأ لي: «في مدينة أخرى/ لا شيء يولد لا شيء ينام/ عندما تنبح الذاكرة المثقوبة/ لا تصد شيئا في الواقع/ أتمشى بيدين مسرحتين/ الوقت لا أثر له/ الظل والرائحة والأحلام».
كاتب تونسي