كان – « القدس العربي»: في «العميل السري» يقدم المخرج البرازيلي كليبر مندونسا فيلو، الحائز جائزة الإخراج في مهرجان كان لدورته الثامنة والسبعين (13 إلى 24 مايو/أيار 2025) عملاً سينمائياً متكاملاً يُحاكي الذاكرة، بقدر ما يُحلل الواقع السياسي والاجتماعي للبرازيل في أواخر السبعينيات. الفيلم، الذي يستغرق 160 دقيقة، لا يكتفي بسرد قصة بوليسية أو درامية، بل يغوص في عمق التاريخ، وينسج من تفاصيل الحياة اليومية زمن الحكم العسكري نسيجاً درامياً مشبعاً بالتوتر والحنين والسخرية المريرة.
تدور أحداث الفيلم في عام 1977 في مدينة ريسيفي، وهي المدينة التي عاش فيها مندونسا وهو لا يزال طفلاً. هذا البعد الشخصي يظهر بوضوح في تفاصيل العمل: من توق الطفل ابن بطل الفيلم لمشاهدة فيلم «الفك المفترس» (Jaws)، الذي كان في دور العرض في البرازيل آن ذلك، إلى التصوير الحسي للحياة تحت القمع، في ظل حرارة خانقة ومناخ سياسي لا يقل اختناقاً. يستخدم المخرج أجواء الكرنفال الاحتفالية الفوضوية كغطاء سردي لحوادث القتل والاختفاء القسري، وهي استعارة ذكية لكيفية تزييف الأنظمة الاستبدادية للواقع. يؤدي واغنر ماورا، الذي حاز جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان، في أداء مميز بالغ الحساسية دور مارسيليو، وهو شخص غامض له أكثر من هوية، يفر من الشمال للالتحاق بابنه في ريسيفي، هارباً من خطر لم يُفصح عنه مباشرة. وفي طريقه، يتوقف عند محطة وقود، ليجد جثة مغطاة بكرتون قرب مضخة البنزين، في مشهد سريالي لا يعيره رجال الشرطة أدنى اهتمام، ما يكشف بوضوح عن واقع عبثي فقدت فيه الحياة قيمتها.
رغم عنوان الفيلم، «العميل السري»، إلا أن العمل لا يتبع قواعد أفلام التجسس التقليدية. لا نجد المطاردات، بل ما يقدمه مندونسا هو نوع من التجسس المعنوي والوجودي، حيث الشخصيات العادية تصبح حاملة لأسرار كبرى، وصمتها أبلغ من الكلام. مارسيليو لا يُعد العميل السري بالمعنى المباشر، بل هو شخص يعيش في تخفٍ بهوية مستعارة، يعيش في مأوى سري يضم العديد من الأشخاص في مثل ظروفه. فهم مدنيون اضطرتهم معارضتهم للنظام، أو امتلاكهم لأسرار يريد النظام الاستيلاء عليها، للنزوح والعيش بهويات زائفة في مأوى سري في ريسيفي. يحصل مارسيلو، الذي كان أكاديميا وباحثا في حياته الأصلية، على وظيفة في مكتب السجل المدني. هناك يبدأ رحلته للبحث عن ملفات قد تقوده لفهم ماضٍ عائلي معقّد، خصوصاً ما يتعلّق بوالدته. أهمية هذا البحث لا تتضح إلا في نهاية الفيلم، عندما يظهر ماورا في دور جديد، حديث ومختلف، يكشف عن طبقة إضافية من السرد.
تختلط الأزمة في الفيلم، حيث تستمع فتاتان بدقة إلى تسجيلات صوتية لمارسيلو، نظنهما في بادئ الأمر مكلفتين بالتنصت على محادثاته من قبل النظام العسكري، ولكننا نكتشف لاحقاً أنهما طالبتان جامعيتان تعملان على أرشفة أصوات من تعرضوا للتجسس والتنصت في الحقبة الديكتاتورية. ربما يود ميندونسا أن يكشف لنا أن الماضي ما زال حاضرا رغم نسيانه أو محاولات طمسه. ففي الفيلم خط مواز من النقد الاجتماعي، يظهر جلياً في ملاحظات مارسيليو خلال عمله الجديد. يرى بوضوح التمييز الصارخ بين الطبقات: كيف يُحمى الأغنياء وتُهمّش الطبقات الكادحة، وكيف يمكن التخلص من شخص مثله دون أن يُسأل أحد. هذا الإدراك لا يُقدَّم مباشرة، بل يُنسج بذكاء ضمن مشاهد الحياة اليومية، ليشكّل ما يشبه الأطروحة النقدية للواقع البرازيلي القديم والجديد. يقدّم الفيلم حبكة فرعية عبثية لكنها دالة، حيث تكتشف ساق بشرية في أحشاء سمكة قرش يتم صيدها، ما يُفجّر حالة من الهوس الشعبي، والقلق في الصحف وعلى شاشة التلفزيون.
تتحول القصة إلى حالة من الفزع العام، وتُوظف سياسياً لصرف الانتباه أو تخويف فئات معينة في المجتمع، وللتستر على حملات القتل والاختفاء القسري التي يشنها النظام. ما يظهره الفيلم بجلاء هو أنه في أزمنة القمع والديكتاتورية، يطال القمع والظلم الجميع سواء، كان ناشطاً سياسيا معلناً، أم مدنيا شاءت ظروفه ألا يرضى عنه النظام لسبب من الأسباب.
