دمشق ـ «القدس العربي»: زار الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة، أحمد الشرع، الكويت أمس الأحد،، وعقد مباحثات مع أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، تناولت سبل تنمية العلاقات بين البلدين.
وتأتي هذه الزيارة في سياق تعزيز علاقات دمشق مع دول الخليج، لا سيما الكويت التي احتفظت بموقف داعم للثورة السورية.
علاقات راسخة
وقالت وكالة الأنباء الكويتية إن أمير الكويت والرئيس الشرع، عقدا في قصر بيان جلسة مباحثات رسمية تناولت «العلاقات الأخوية الراسخة التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين وسبل دعمها وتنميتها في المجالات الكافة».
ونقلت الوكالة عن وزير شؤون الديوان الأميري الشيخ محمد عبد الله الصباح قوله إنه جرى «التأكيد على أهمية ترسيخ التعاون الثنائي بين البلدين وتوسيع أطره بما يخدم مصالحهما المشتركة». كما تم خلال اللقاء بحث مستجدات الأوضاع في سوريا والتأكيد على ضرورة تعزيز جهود المجتمع الدولي لضمان أمنها واستقرارها وصون سيادتها ووحدة أراضيها.
وتكتسب الزيارة أهمية من حيث توقيتها، حسب الباحث السياسي عباس شريفة لـ «القدس العربي» كونها تأتي في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وبعد أشهر من تسلم الشرع مقاليد الحكم في دمشق إثر الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024.
وتعكس الزيارة «سعي القيادة السورية الجديدة إلى إعادة تموضعها عربيا، وإطلاق مسار جديد لإعادة الانخراط في النظام الإقليمي والدولي» وفق المصدر.
كما أنها تأتي «من منطلق تمتين العلاقة مع الدول العربية بشكل عام، ومع دول الخليج العربي بشكل خاص، وذلك في سياق اقتصادي».
وحسب المتحدث، فإن الزيارة تهدف إلى تحقيق عدة غايات، أبرزها تعزيز العلاقات الثنائية بين دمشق والكويت، وفتح العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء، واستقطاب الدعم الاقتصادي لإعادة إعمار البنية التحتية السورية، مع تسليط الضوء على فرص استثمارية أمام رؤوس الأموال الخليجية، وفتح قنوات التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية الحساسة.
سياسة الانفتاح
ووفق مدير «مركز حوار للدراسات الاستراتيجية» أحمد القربي، فإن «هناك سياسة عامة الآن للحكومة الانتقالية في سوريا تقوم على الانفتاح، وتحديدا على دول الخليج، خصوصا تلك التي دعمت الثورة السورية، كالكويت وقطر».
محللون تحدّثوا لـ«القدس العربي» عن الاستثمار واستعادة العلاقات مع الخليج
وأضاف لـ«القدس العربي»: «زيارة الشرع إلى الكويت تأتي في إطار تدعيم العلاقة مع دول الخليج، وتعتبر استكمالا لزيارات سابقة إلى السعودية وقطر والإمارات والبحرين، ما يجعل الكويت المحطة الخامسة وربما الأهم سياسيا واقتصاديا». وتوقع أن تكون الزيارة قد ركزت على ملفين أساسيين: الاستثمار وإعادة الإعمار، بالإضافة إلى دعم القطاع الإنساني.
وقال: «الكويت تاريخيا، لها دور مهم في دعم الجهود الإنسانية في سوريا، ولذلك من المتوقع أن يكون قد طرح التعاون في هذين الملفين بقوة خلال الزيارة».
مصداقية
وبالإشارة إلى خصوصية الدور الكويتي في الملف السوري، قال المحلل السياسي سامر كعكرلي لـ «القدس العربي» إن الكويت احتفظت بموقف داعم لتطلعات الشعب السوري دون التورط في تفاصيل الصراع، ما أكسبها مصداقية نادرة لدى كل الأطراف في سوريا.
وأضاف أن هذه الميزة تؤهل الكويت للعب دور محوري في تعزيز السلم الأهلي، خاصة وأنها لم تكن طرفا في النزاع، مشيرا إلى أن «الكويت يمكن أن تسهم بفعالية في تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، عبر تقريب وجهات النظر وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي المتوازن».
كما سلط الضوء على التجربة الكويتية في إدارة التنوع الطائفي، قائلا: «رغم أن نحو 30٪ من الكويتيين ينتمون للمذهب الشيعي، إلا أن ولاءهم للدولة الكويتية أثبت مصداقية التجربة، وهو ما يمنح القيادة الكويتية ثقة مضاعفة في التوسط بين مختلف الأطراف السورية».
أفق اقتصادي واسع
اقتصاديا، تُعد الكويت لاعبا بارزا في مجال الاستثمار الإقليمي، إذ تمتلك واحدا من أكبر الصناديق السيادية في العالم، ويُقدّر رأسماله بأكثر من 700 مليار دولار. وفي هذا السياق، شدّد كعكرلي على أهمية هذه الزيارة في فتح باب الاستثمار الخليجي في سوريا، قائلا: «بعد فتح الاستثمار الكويتي، ستتبعها الاستثمارات الخليجية، فسوريا في حاجة ماسّة اليوم إلى الطاقة والصناعة وتأهيل البنى التحتية».
وأشار إلى مبادرات سابقة كاستثمار قطر بمبلغ 7 مليارات دولار في قطاع الكهرباء السوري، مما يفتح الباب أمام دور كويتي محتمل في قطاعات البنية التحتية، العقارات، والموانئ. وذكر أن شركات كويتية، مثل مجموعة الخرافي، سبق وأن حاولت دخول السوق السوري، لكنها اصطدمت بالفساد المتجذر في عهد النظام السابق.
كما يُتوقع أن يلعب الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية دورا في دعم التعليم والصحة في سوريا، وهو صندوق لطالما نشط في تمويل مشاريع إنسانية في المنطقة، وسبق وأن قاد مؤتمر المانحين لسوريا بنجاح كبير في السنوات الماضية.
توقيت مفصلي
وأضاف كعكرلي: تأتي الزيارة في سياق سياسي بالغ الدقة، بعد الإطاحة بالنظام السابق في دمشق، ومع بدء مرحلة انتقالية تسعى فيها القيادة السورية الجديدة إلى بناء شرعيتها داخليا وخارجيا. وقد اختارت دمشق أن تكون الكويت من أولى وجهاتها الخليجية الرسمية، في رسالة تؤكد على رغبة في إعادة بناء علاقات سورية عربية متوازنة.
وتشير مجمل المعطيات، حسب المتحدث، إلى أن زيارة الشرع إلى الكويت ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل تمثل فرصة سياسية وإنسانية حقيقية لإعادة توجيه العلاقات السورية الخليجية نحو مسارات أكثر اتزانًا وشراكة. وتبدو الكويت في موقع مثالي لقيادة هذا التحول، بما تمتلكه من رصيد سياسي نزيه، وشبكة علاقات إقليمية متوازنة، وخبرة في العمل الإنساني والدبلوماسي.
وحسب كعكرلي، زيارة الشرع تأتي في سياق إعادة تموضع سوريا في محيطها العربي، واستعادة العلاقات الطبيعية مع دول الخليج عبر بوابة الاقتصاد والسياسة المتوازنة.
ويرى أن هذه الزيارة قد تشكل مقدمة لسلسلة اتفاقيات مستقبلية تهدف إلى إعادة الإعمار، وجذب الاستثمار، وترسيخ السلم الأهلي، في وقت لا تزال فيه سوريا تواجه تحديات جمة داخليا وخارجيا.
ومن المتوقع أن تكون هذه الزيارة بداية لمرحلة جديدة من الشراكة العربية السورية، على أسس براغماتية ومصالح متبادلة، في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية والانكفاء الدولي المتزايد عن الساحة السورية.
أما الكاتب والباحث السياسي أحمد الهواس فاعتبر أن زيارة الشرع استكمال لجولة خليجية، بعدما سبقت ذلك زيارة قطر والسعودية والإمارات، حيث افتتح الشرع بزيارة للسعودية أولا بوصفها الدولة الأكبر في الجزيرة العربية والخليج، وزار قطر والإمارات والبحرين. فلا بد من زيارة أيضا للكويت، وهذه الزيارة لا شك لها أهمية كبيرة سواء في منطقة الخليج أو من حيث إنها قوة نفطية كبيرة.
وعبّر المتحدث عن اعتقاده في تصريح لـ«القدس العربي» بأن زيارة الكويت قد يكون من نتائجها مساهمة جيدة في دعم عادة الإعمار، في سوريا، وتمتين العلاقات السورية الكويتية لأن القيادة السورية الحالية تريد علاقات متوازنة مع جميع الدول العربية.