مرفأ غزة.. رماد الحرب وخيام النازحين في كل مكان وأرواح موجوعة تسكن على أطلال الذكريات

 أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة – “القدس العربي”:

تبدل حال ذلك المكان السياحي الجميل الذي قصده في فترات ما قبل الحرب غالبية سكان قطاع غزة، فلم يعد المرفأ الصغير المخصص لمراكب الصيادين غرب مدينة غزة، وبداخله منتزهات عامة بمساحات خضراء، وأخرى مطلة على البحر، كما كان سابقا، فرماد الحرب في كل مكان وخيام النازحين تملأ الساحات.

ففي مرفأ الصيادين والذي كان حتى للفترة التي سبقت الحرب يعد المعلم السياحي الأول لسكان غزة، تبدل الحال كما باقي مناطق القطاع إلى أفظع حال، فهنا لم يعد قائما سوى “اللسان البحري” الممتد لمئات الأمتار، يحيط بمياه البحر التي كانت تحتضن عدة مراكب صيد، دمر غالبيتها في هذه الحرب، لكن هذ “اللسان البحري” لم يعد سالكا للمشاة أو السيارات التي كانت تقطعه للوصول إلى نقطة النهاية، حيث ذكريات المواطنين مع الصور التي كانت تظهر جمال مدينة غزة بشاطئها ومنطقة “الكورنيش” وما بها من مرافئ سياحية ومطاعم.

نزوح على الأطلال

وكغيره من ساحات ومرافق غزة، تحول هذا المرفأ والذي يطلق عليه الغزيون اسم “ميناء الصيادين”، لمكان نزوح، حيث اضطرت العائلات التي فرت من الهجوم البري على مناطق المدينة الشرقية ومن بلدات قطاع غزة الشمالية، للإقامة هناك داخل خياما تؤويها في هذا الوقت، من حرارة شمس الصيف. وقد قلبت هذه الخيام والدمار الناجم عن القصف السابق للمكان، شكل المرفأ رأسا على عقب، فلم تعد هناك ترى مساحات خضراء، ولا ألوان سفن الصيد الزرقاء، ولا حتى معلم الشهداء الذي كان يتوسط المكان، ولا حتى غرف الصيادين، فجميع هذه الأماكن دمر أو استبدلت بخيام النازحين، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها سكان غزة، جراء استمرار العدوان الإسرائيلي.

في مرفأ الصيادين والذي كان حتى للفترة التي سبقت الحرب يعد المعلم السياحي الأول لسكان غزة، تبدل الحال كما باقي مناطق القطاع إلى أفظع حال

تقف إلهام عواد أمام مسكنها الجديد “خيمة النزوح” على طرف المرفأ، وتشاهد من هناك بقايا طريق الرشيد المؤدي للمرفأ، ومن خيمتها أيضا تشاهد البحر لكن بصعوبة، بسبب تكدس خيام النازحين. وتقول هذه السيدة الثلاثينية وقد نزحت من شمال قطاع غزة قبل عدة أيام، بعد تهديدات إسرائيلية استبقت الهجوم البري المستمر “كان الميناء زمان للنزهات واليوم صار مكانا للخيم”.

هذه السيدة كغالبية النازحين الجدد زارت المرفأ مرات عدة في فترات ما قبل الحرب، إما برفقة عائلتها أو برفقة زميلاتها وقت الدراسة الجامعية، وقد استذكرت تلك الأيام، وأماكن التقاط الصور التذكارية، حتى إنها لا تزال تحتفظ ببعضها على هاتفها النقال، تظهر صور المراكب والصيادين وأضواء المكان ليلا، وحتى المسجد الكبير الذي شيد مؤخرا على مدخل المرفأ، والذي دمره العدوان، والمراكب محروقة وما في لا إضاءة ولا كهرباء”. وتحدثت كذلك عن أزمة النزوح الجديدة، خاصة وأنها كانت حتى قبل التهدئة تنقلت برفقة أسرتها في سبع رحلات نزوح ما بين مدينتي رفح وخانيونس، ذاقت فيها ويلات كثيرة، وقاست الحرمان وفقدان الخصوصية.

ازدحام شديد

ومؤخرا أجبرت قوات الاحتلال سكان بلدات شمال قطاع غزة، ومن قبلهم سكان المناطق الشرقية لمدينة غزة على النزوح القسري، ما دفع بمئات الآلاف من المواطنين للتوجه إلى مناطق غرب مدينة غزة، وهي مناطق ضيقة المساحة ومزدحمة بالمباني، حيث تفتقر هذه الأماكن للمساحات الفارغة، ما أجبر النازحين على إقامة معسكرات الخيام في المنتزهات العامة، وأبرزها مرفأ الصيادين وساحة الجندي المجهول وساحة الكتيبة، فيما يتكدس النازحون بإعداد كبيرة في مراكز الإيواء.

ويقول علي حمودة، الذي فر بأسرته تحت وطأة القصف والنيران الكثيفة من شمال قطاع غزة، إنه لم يجد على مدار يومين كاملين مكانا يقيم فيه مأوى لعائلته سوى في المرفأ، ويشير إلى أنه تفقد ساحة الجندي المجهول ومناطق أخرى غرب المدينة، دون أن يستطيع إيجاد مكان مناسبا لوضع الخيمة، وقد أمضى يومين وعائلته في أحد الطرق القريبة، حتى استدل على هذا المكان، وهو ركن صغير في الجهة الغربية من المرفأ، تحيطه من كل الجهات خيام النازحين.

وكغيره من النازحين يعاني هذا الرجل من قلة امدادات المياه الصالحة للشرب، وتضطر زوجته لغسل الملابس بمياه البحر المالحة، كما تستخدم هذه المياه في الحمامات. واشتكى كثيرا من قلة الطعام، وهي أزمة خانقة يعيشها سكان غزة، حتى أنه والكثير من النازحين لم يعدوا قادرين على الحركة ويشعرون بهزل كبير، ويقول أيضا إن هذا المكان الجميل قبل الحرب كان مقصده والعائلة وقت التنزه. وقد استذكر بعض المواقف، ومنها مشاهدة رحلات الصيد وخروج مراكب الصيادين في ساعات العصر، وكذلك أوقات غروب الشمس، وتناول المشروبات الباردة في هذا المكان، قبل أن تبدل الحرب الأوضاع، ويصبح معسكرا للنازحين.

ولا تزال هناك أسر نازحة من مناطق جديدة شمال قطاع غزة، تصل إلى هذا المكان، وتقيم خياما جديدا في رحلة النزوح القسري الجديدة، وخلال اليومين الماضيين وبسبب الازدحام الشديد في ذلك المكان، نشر الكثير من سكان غزة على مواقع التواصل الاجتماعي صورتين واحد جميلة لمنطقة المرفأ قبل الحرب، وأخرى تصور مشهد الدمار الحالي وتكدس خيام النازحين.

خيام بدل المتنزهات

ومرفأ الصيادين أنشئ خلال فترة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وخصص لمبيت مراكب الصيادين، وقد جرى تطويره مرات عدة، حتى خصصت أجزاء منه إلى أماكن سياحية، غير أن إسرائيل قامت منذ اليوم الأول للحرب على غزة بقصفه. وتوالى ذلك مرات عدة، وكانت أعنف عمليات التدمير التي طالته، خلال فترة الاجتياحات البرية لمناطق غرب غزة، حيث تعمدت قوات الاحتلال هدم المسجد الذي شيد بطريقة بناء لم تشهد في القطاع، إضافة إلى تدمير غرف الصيادين ومراكبهم، وقد تبدل هناك لون المنتزهات الخضراء إلى لون الرماد، فيما تبدل لون المراكب إلى الأسود.

مرفأ الصيادين أنشئ خلال فترة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقد جرى تطويره عدة مرات، حتى خصصت أجزاء منه إلى أماكن سياحية، غير أن إسرائيل قامت منذ اليوم الأول للحرب على غزة بقصفه

ويشابه هذا الحال ما حل أيضا بساحة الجندي المجهول التي تبعد قليلا عن المرفأ، فهناك لم تعد الأشجار والمساحات الخضراء، حيث جرف المكان بالكامل من قبل الجيش الإسرائيلي والذي تعمد أيضا تدمير المنازل والمحال التجارية المجاورة، وفي تلك الساحة الضيقة، وانتزعت أرجوحات الأطفال، التي كانت في الجهة الغربية، وحل مكانا خياما النازحين، وبدلا من لهو الأطفال هناك خاصة خلال مواسم الأعياد، ينهمك هؤلاء الأطفال وأسرهم في الأشغال اليومية التي تحتاج إلى جهد كبير، وأبرزها تعبئة غالونات المياه من أماكن بعيدة، وإيقاد النار لتحضير الطعام والخبز، فيما يواجه الجميع صعوبة في التنقل بين الخيام المزدحمة، على أنقاض ذكريات الأحلام الجميلة.

ومن مسافة 300 متر وصل الطفل أحمد (13 عاما)، يحمل غالونين من المياه الصالحة للشرب سعة كل واحد منها 10 لترات، بعد أن اصطف في طابور طويل خلف عربة حضرت للمكان، كان وقتها يتصبب العرق من وجهه، وكانت تسمع أصوات أنفاسه من شدة التعب. وبعد فترة استراحة على المدخل، تحدث عن ذكرياته الأخيرة مع زملائه في رحلة مدرسية إلى المكان قبل الحرب بأشهر، وكيف استمتعوا باللهو على عربات كهربائية وأخرى صغيرة الحجم وتعمل بالوقود، وقد أشار إلى محل قريب طاله الدمار، اشترى منه المرطبات. واستذكر هذا الطفل اثنين من رفاقه في تلك الرحلة، استشهدوا خلال الحرب، وقال إنه يجهل مصير الكثير من زملاء الدراسة، لانقطاع أخبارهم وتشتت عائلاتهم في أماكن النزوح. وقال “كل شيء راح”.

ويقيم أفراد أسرة هذا الطفل في خيمة صغيرة، بعد أن كان لهم منزل يحتوي على ثلاث غرف نوم، ودورتي مياه، ومن الأثاث والأمتعة ما يوفر لهم حياة كريمة، قبل أن تجبرهم الحرب كباقي سكان قطاع غزة على العيش في هذه الظروف الصعبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية