يأخذنا الكاتب محمود الريماوي في كتابه «هكذا يمضي العمر» في رحلة الإنسان اليومية عبر لحظات الحياة العابرة والمواقف الصغيرة التي تصوغ تجاربه، ورحلة عميقة أخرى داخل النفس الإنسانية، مستكشفًا تقلباتها وعواطفها المتشابكة. يتضمن الكتاب مجموعة من النصوص الشعرية والنثرية التي تعكس ذكريات وتأملات وتجارب ومشاهد ومواقف وأحاسيس إنسانية متنوعة، تتراوح بين الفرح والحزن، الأمل واليأس، القوة والضعف، الإنسانية والتوحش. يعبر الكاتب عن مشاعر الشوق والحنين إلى الماضي، وفي الوقت نفسه يتأمل في الحاضر. مقدما مشاهد حياتية مشبعة بالتأمل والدفء الإنساني، بأسلوب يتميز بالصدق والشفافية والسلاسة، ما يجعله قريبا من القارئ محببا إليه؛ إذ يجد فيه بعض أفكاره ومشاعره وربما ذكرياته وهمومه. والكتاب بمجمله دعوة للتفكير في معنى الوجود وتقدير قيمة كل لحظة في الحياة، وإعادة النظر في كثير من الأمور.
يتناول الكتاب موضوعات عديدة من أبرزها: التأمل في مرور الزمن وكيف يتسلل الزمن خفية إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويصف مشاعر الحنين إلى الشباب والخوف من الشيخوخة. وذكريات الطفولة والمراهقة، عبر لحظات بريئة وصادقة من البدايات الأولى للحياة. والعلاقات الإنسانية خاصة، مثل علاقة الأبناء بالآباء، والصداقة، والانتماء للمكان والذكريات المرتبطة به، وأهمية الحب في حياة الإنسان، ومشاعر الفقد والرحيل والحنين، وأثر الغياب والخسارة والألم والاشتياق في تشكيل وعينا الذاتي، والتأملات الروحية في الوجود والمعنى، ومحاولة فهم طبيعة الحياة والموت. ولفلسطين عامة وقطاع غزة الذي يتعرض لأبشع حرب إبادة شهدها التاريخ نصيب وافر في الكتاب.
يتميز كتاب «هكذا يمضي العمر» بقدرته على ملامسة القارئ بشكل مباشر وشخصي، وتقديم رؤية صادقة وواقعية للحياة بتناقضاتها؛ إذ يعيد تذكيرنا بقيمة اللحظات البسيطة الثمينة في حياتنا، والتواصل مع مشاعرنا بصدق، ويحفزنا على التأمل في معاني الزمن والمشاعر الإنسانية. يمكن للقارئ أن يجد في الكتاب صدى لتجاربه الخاصة، ما يجعله يشعر بالتعاطف والتواصل الإنساني، والانتباه إلى ما يغمرنا يوميا من مشاعر غير مرئية لكنها مؤثرة وعميقة.
وتغلب على نصوص الكتاب عاطفة صادقة ممزوجة بالحزن العذب والتأمل والحنين والشوق. فالكاتب يمرر مشاعره بهدوء وشفافية، دون مبالغة، وكأنه يهمس إلى القارئ بأن يستمع إلى صوته الداخلي.
مشاهد مؤثرة
ثمة مشاهد إنسانية مؤثرة جدًا في الكتاب، تستدعي التوقف والمراجعة والتأمل العميق في كثير من الأشياء من حولنا وفي داخلنا، وهي مواقف قد تكون حجة علينا، ودليلا دامغا على عجزنا وجبننا، وعدم إدراكنا وتفاعلنا مع الإنسان وحقه في أن يعيش حرا كريما. ومن هذه المشاهد:
يصف الريماوي مشهدا إنسانيا طريفا لطيفا لأم تهدهد طفلها فتنام قبله: «كم هي فاتنة، كم هي بريئة كم هي طفلة، تلك الأم الشابة التي تهدهد طفلها في السرير، وتنام قبله».
ومن قطاع غزة مشهد هول مرعب؛ حيث تقصف الطائرات كل شيء على الأرض دون تمييز، وكل ذلك نابع من «ضغائن مقدسة»، وتتبعها بالصواريخ والقنابل الذكية التي: «تطيّح البيوت الساكنة/ تحرق الثياب على الشاطِئ/ وتشعل الخيام بقاطنيها/ أغريب إذن ضياع الصاحب عن كلماته/ وتیه الكلمات عن صاحبها/ فيما الشهود الصامتون يضيقون ذَرعا/ بهذا «الفيلم الطويل». إنّه مشهد يصور حجم المحرقة والإبادة والتدمير بلا حدود من عدو يحتكم إلى عقيدته ونازيته، وفي المقابل «نحن» شهود صامتون، نراقب ما يحدث بضجر وفراغ صبر كأننا نشاهد فيلما طويلا لا يعنينا!!
في زيارة رسمية لفلسطين، يصف الريماوي مشهد المعبر، وضرورة المرور أولا عبر الموظفين الإسرائيليين، وتقبلهم بصمت مرّ لئلا تتعكر الأجواء، يقول معبرا عن هذا الألم وأن تزور بلادك بموافقة جنود عدوك: «إذن هذا هو الثمن الذي عليك يا محمود أنْ تدفعه قبل أنْ تتذوق عسل اللقاء برائحة البلاد وبأنفاس أهلها – أهلك. لا بدّ في محطة العبور من تناول شراب كريه المذاق والرائحة، يشبه البول البشري، يتكفّل به الإسرائيليون الأكارم من مختلف السحنات والأصول. ليكن، فالوطن يستحق، ليكن».
وينقل الريماوي بألم حالة «آيات خضورة» من قطاع غزة، التي كانت تصف في مقطع فيديو هول ما يجري، وكان الريماوي يشاهد الفيديو بعد منتصف ليل 20/21 نوفمبر/تشرين الثاني، ويقول: «لم يفارقني صوت آيات، وهي تتحدث عن الرعب وقنابل الفوسفور التي تنفجر قريبا منها وتخبر: «لسّة ما استشهدت. لكن الوضع بيخوّف». وتقسم أنّه يثير الخوف. وقد صدّقتها دون أن تقسم. في صبيحة اليوم التالي قرأت على الصفحة الرئيسية لموقع «العربي الجديد» أنّ آيات استشهدت ومعها شقيقاها وشقيقتاها وجدّتها». إنّه مشهد يتحدث عن نفسه بنفسه، ويصفعنا بالخزي والعار.
ومن السودان، ينقل الريماوي مشهدا إنسانيا مفعما بالحنين والوفاء والإخلاص لمعلم رياضيات سوداني، اضطر للهجرة إلى مصر بسبب الحرب الأهلية، لكنه لم يطق البعد، فعاد إلى منطقة الكدرو شمالي الخرطوم، وتوجه إلى مدرسته التي كان يعمل بها «فإذا بها مسرحٌ للصمت والوحشة، لا تلاميذ فيها ولا معلمون، ومع ذلك فقد غلبه الحنين إلى مهنته، واتجه من فوره إلى أحد الفصول (الصفوف) التي لطالما واظب على تعليم طلبته فيها، وهناك لم يجد سوى المقاعد الدراسية الفارغة، والسبّورة (اللوح الأسود الكبير) خالية من أي كتابة عليها. لم يستسلم لمشاعر الصدمة القوية التي تعرض لها، بيد أنّه سرعان ما استجاب لنداء الحنين إلى إلقاء الدروس، ووجد نفسه يندفع إلى السبورة ويقف هناك حاملًا طبشورة بيضاء ويشرع في إلقاء درس جديد على طلابه، بصوت جهوري نقي فيما يخطّ مبادِئ درسه على السبورة».
آراء وأفكار لافتة
يدور الكتاب في مجمله حول أوراق من رزنامة العمر، وذكريات ما زالت عالقة في الذهن، ومشاعر إنسانية متدفقة تتفاعل مع ما يحدث من مآس ومذابح، ولذا؛ يحفل الكتاب بكم وافر من الآراء والأفكار التي تمثل ثمرة النضج والحكمة التي وصل إليها الكاتب بعد كفاحه الطويل مع الحياة ومعاركته ظروفها في غير مكان وزمان. ومن أمثلة ذلك: يقول الريماوي: «النوم هو الفسحة الوحيدة التي تجتمع فيها الحياة بالموت. يتّحدان بما يكفي لتنحني احتراما وتسليما بهذه المعجزة». وهذه حقيقة ملموسة؛ إذ النوم موت وحياة في الآن نفسه، يموت في الإنسان جزء منه، ويبقى على قيد الحياة جزء آخر. وفي ذلك عبرة ودعوة للتفكر والتأمل.
ويقول: «ينام الولد هانئا في الصف المدرسي، تلك فائدة كبرى وغير منظورة للمدرسة». ويحمل هذا الرأي نقدا لاذعًا للنظام التعليمي، وتراجع دور المدرسة التربوي والتعليمي، ولعل ضررها أكبر من نفعها.
وحول كلاب البيوت التي تنعم بالدلال والحقوق والرفاه، يلفت نظرنا إلى جانب جوهري آخر يستحق التأمل: «لقد جعلوا منه (الكلب) دمية حية، وكائنا يجهد في التشبه بأسياده وأولياء نعمته، ويشكو الحرمان من مخالطة أبناء جنسه إلا في أضيق الحدود وبتقييدات ظاهرة… وإذ تنال حسدا مفهوما من بعض البشر ممن يعانون ألوانا من العسر في حياتهم، فالصحيح أيضا أنّ هذه الكائنات تتعرض إلى ترويض قاس وبرمجة شرسة، تكاد تُخرجها من مملكتها الحيوانية، وتجعل منها مجرد أداة متعة وتسلية لأصحابها كبارا وصغارا».
وحول الكاتب وسعيه لأن ينجز أفضل ما يكون، وأن «يستشعر الرضى الأكيد عما أنجزه، حتى لو لم يكن الرضا مطابقا بصورة تامة لدرجة الطموح، على أنْ تبقى درجة الرضا عالية، (إذ يتوطن الاعتقاد أنّ الطموح قابل للتجسد في جملة الأعمال، وليس في عملٍ مفردٍ بذاته)». وهذا رأي جميل ومريح، وأنَّ على الكاتب أن لا يتوهم أنّه سيبلغ طموحه الإبداعي عبر كتاب واحد، بل يتحقق الطموح من خلال مشروعه الإبداعي المتكامل، ويكفي أن يستشعر الرضى عن كل كتاب ينجزه. وللريماوي رأي وموقف فيما يجري في قطاع غزة من محرقة وإبادة جماعية، وخاصة للنساء والأطفال، وعجزنا جميعا عن أن نقدم لهم شيئا، يقول: «النساء والأطفال زهرة الحياة في غزة هاشم، لهذا هن وهم في دائرة الاستهداف من طرف عنصريين متوحشين… كم من ديون لكم في ذمتنا يا أطفال غزة ونساءها.. عسى أن نسدّد بعضا منها في مقبل الأيام». ويقول أيضا: «ألعن المسافات، ومعها العجز عن نجدة أبرياء ملهوفين إلى الدفء والأمان وتواقين إلى حياة عادية، ومتروكين لخذلان الأشقاء ولصمم أرواح الإخوة.. إنّه العجز عن إغاثة أقرب الناس إلى نفسك وأشدّهم حاجة لعون سريع».
وبعد؛ فإنَّ كتاب «هكذا يمضي العمر» للأديب الأردني محمود الريماوي، الصادر حديثا في عمّان عن الدار الأهلية، هو عمل أدبي مؤثر يستحق القراءة والتأمل، وهو بمثابة رحلة وجدانية هادئة في قلب الإنسان وزمانه الشخصي. وبأسلوبه الشاعري وعمقه العاطفي، نجح الريماوي في تقديم عمل عن تعقيدات التجربة الإنسانية، يمس كل قارئ يشعر بمرور الوقت ويبحث عن معنى لما يفلت من بين يديه دون أن يدرك. إنّه تذكير جميل بأن نحيا لحظاتنا بكل وعي وحب وصدق، قبل أن تمضي كما مضى ما قبلها، وأن نتفاعل إنسانيا -على الأقل- مع ما يجري حولنا، ولا نكون شهود زور أو حجارة صماء بلا مشاعر.
كاتب أردني