دمشق ـ «القدس العربي»: نفّذ الاحتلال الإسرائيلي، ليل الثلاثاء ـ الأربعاء، غارات على مواقع تابعة للجيش السوري الجديد، جنوب البلاد، بعد زعمه إطلاق صاروخين من درعا سقطا في الجولان المحتلة.
وقال الجيش الإسرائيلي إن مقاتلاته استهدفت الليلة الماضية ما وصفها بـ«وسائل قتالية» تعود للحكومة السورية في منطقة جنوبية، لم يحددها، وذلك «ردا على إطلاق قذيفتين صاروخيتين نحو الأراضي الإسرائيلية مساء الثلاثاء».
مصدر عسكري مسؤول بيّن لـ «القدس العربي»، أن مناطق في الجنوب السوري شهدت فجر الأربعاء استهدافا إسرائيليا دقيقا طال أربعة مواقع استراتيجية تعد من أبرز نقاط السيطرة والاتصال للجيش السوري في تلك المنطقة.
وحسب المصدر، فإن المواقع المستهدفة شملت تل الشحم، وتل الشعار، وتل فاطمة، وتل المال.
وأوضح أن هذه المواقع ليست مواقع عسكرية اعتيادية، بل تعتبر نقاط سيطرة وقيادة واتصال حساسة، تقع في مواقع مرتفعة تمكّنها من الإشراف على مساحات واسعة من الريف الجنوبي، ما يجعلها ذات أهمية كبيرة في إدارة العمليات العسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية.
وبيّن ان المواقع المستهدفة «تعد نقاط سيطرة واتصال عسكري حيوية، تستخدم كمراكز قيادة ميدانية، ولها أهمية استخباراتية كبيرة في جمع المعلومات عن التحركات المعادية عبر أنظمة الاستطلاع المثبّتة فيها».
ووفق قوله «الغارات الإسرائيلية هدفت بشكل مباشر إلى ضرب قدرة الاستطلاع التابعة للجيش السوري الجديد، الذي بدأ إعادة تموضعه في الجنوب في إطار ترتيبات أمنية جديدة، بدعم حلفاء دمشق»، مشيرا إلى أن هذه التلال تحتوي على أنظمة اتصالات ومعدات استطلاع تابعة لوحدات الجيش، تُستخدم لرصد التحركات وتنسيق العمليات، ما يعني أن استهدافها يندرج ضمن محاولة إسرائيلية لتعطيل القدرات الاستطلاعية والاتصالية للجيش السوري الجديد.
وحسب المصدر، فإن الغاية من هذا الهجوم ليست فقط عسكرية بحتة، بل تحمل أبعادا سياسية وأمنية معقدة، وتأتي ضمن ما وصفها بـ «اللعبة الإسرائيلية لإحراج واشنطن»، من خلال الإيحاء بأن النظام السوري الجديد عاجز عن فرض الاستقرار في الجنوب، رغم ما يقال عن ترتيبات أمنية جديدة تجري برعاية دولية.
8 مواقع
الناشطة الميدانية سلام هاروني من أهالي وسكان ريف القنيطرة قالت لـ «القدس العربي» إن محافظتي القنيطرة ودرعا شهدتا تصعيدا أمنيا جديدا، إثر قصف جوي مكثف شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي على عدة مواقع استراتيجية في المنطقة.
وقالت: المواقع المستهدفة في ريف درعا الغربي، شملت سحم الجولان، طريق نافعة، جزيرة معربة، تل المال وتل المحص، وتل الشعار في ريف القنيطرة، إضافة إلى كناكر وسعسع في ريف دمشق، مشيرة إلى أنه «رغم الأضرار المادية التي لحقت بالمواقع المستهدفة، لم تسجل خسائر بشرية واضحة».
وعلى مستوى الردود الرسمية، قال المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية والمغتربين الأربعاء إن «الأنباء عن القصف من الأراضي السورية في اتجاه إسرائيل، لم تثبت صحتها حتى هذه اللحظة». وأضاف أن هناك أطرافا عديدة تسعى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة لتحقيق مصالحها الخاصة.
مصدر عسكري أكد لـ«القدس العربي» استهداف تل أبيب أربعة مواقع استراتيجية
وأكد أن سوريا لن تشكل تهديدا لأي طرف في المنطقة، وأن الأولوية القصوى في الجنوب السوري تكمن في بسط سلطة الدولة، وإنهاء وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، بما يضمن تحقيق الأمن والاستقرار لجميع المواطنين.
وأدانت الخارجية القصف الإسرائيلي الذي استهدف قرى وبلدات في محافظة درعا، مشيرة إلى أن هذا التصعيد يمثل انتهاكا للسيادة السورية ويزيد من حالة التوتر في المنطقة، في وقت تحتاج سوريا إلى التهدئة والحلول السلمية، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في وقف هذه الاعتداءات، وإلى دعم الجهود الرامية لإعادة الأمن والاستقرار إلى سوريا والمنطقة.
ولاحقا، أفاد مسؤول سوري لوكالة رويترز، بأن مجموعات مسلحة مرتبطة بإيران، تضم بقايا ميليشيات من عهد نظام الأسد المخلوع، لا تزال تنشط في منطقة القنيطرة جنوب سوريا.
وذكر المسؤول، الذي لم تكشف الوكالة عن هويته، أن هذه المجموعات لها مصلحة مباشرة في استفزاز إسرائيل بهدف تصعيد التوتر وتقويض جهود الاستقرار الحالية.
وبالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي، أفادت صحيفة «إسرائيل اليوم» العبرية، بأن رئيس الشاباك الجديد دافيد زيني أجرى جولة سرية في محيط العاصمة السورية دمشق.
ونقلت عن ضابط في الجيش لصحيفة «إسرائيل اليوم» قوله: «نتجول في محيط دمشق على بعد 20 كم منها فقط، لقد كان هذا حلما قبل عدة أشهر».
وقال الباحث في الشؤون العسكرية ضياء قدور لـ «القدس العربي»، إن «تحميل وزارة الدفاع السورية المسؤولية هو مجرد قناع واهٍ لتبرير الإجراءات الإسرائيلية، ففعليا الفراغ الأمني الذي خلقته إسرائيل جنوب سوريا هو ما يمنع الإدارة السورية من الانتشار بشكل فعلي هناك».
وحول الدور التركي قال المتحدث إن «الدورين التركي والأذربيجاني كانا واضحين في القيام بوساطة نزيهة بين الأطراف المتنازعة، والسعي نحو تفاهمات تهدف إلى خفض التصعيد، وربما الوصول إلى اتفاق يحول دون تطور الأوضاع نحو سيناريوهات لا يمكن السيطرة عليها». ويعتقد قدور أن التوترات الأخيرة في الجنوب السوري قد تؤدي إلى تعثر المفاوضات بشكل كبير، فيما قال السياسي السوري درويش خليفة لـ «القدس العربي»: في كل مرة تلوح فيها فرصة لتخفيف التوتر بين سوريا وإسرائيل، يقع حادث أمني يعيد خلط الأوراق، ما يثير تساؤلات حول الجهة المنفذة ودوافعها. هذه العمليات بات يُنظر إليها كأداة لتعطيل المسارات السياسية أكثر من كونها أفعالاعسكرية نوعية، حيث يشير توقيتها وسياقها إلى أنها تحمل رسائل سياسية وليست مواجهات تقليدية.
ضبط الفصائل
وأضاف: استهداف الجولان في هذا التوقيت يضع السلطات السورية تحت ضغط جمع السلاح وضبط بعض منتسبي الفصائل في جنوب سوريا، التي تستغل الفراغ لتحقيق أهداف محلية أو إقليمية، كما أن تحميل إسرائيل الإدارة السورية الجديدة المسؤولية يهدف إلى الضغط عليها، لتبرير التصعيد العسكري، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على البلدات السورية المقابلة للجولان المحتل والمناطق المحيطة.
وبلا شك فإن هذا الوضع يعقد جهود الإدارة السورية لتثبيت سلطتها وتطبيع علاقاتها دوليًا، مع مخاطر تصعيد إقليمي أوسع إذا استمرت هذه الحوادث.