مذهلة، لمن يتابع التفاصيل والحصيلة والتقديرات بشأنها، عملية «شبكة العنكبوت» (بافوتينا) التي نفذتها أوكرانيا في الأول من هذا الشهر واستهدفت خمس قواعد جوية عسكرية روسية، بما في ذلك منشآت في سيبيريا على بعد أكثر من 4000 كيلومتر منها.
تم تنفيذ الهجوم من قبل جهاز الأمن الأوكراني تحت إشراف مباشر من الرئيس فولوديمير زيلينسكي، باستخدام 117 طائرة من دون طيار مفخخة من نوع FPV، تم تهريبها إلى روسيا داخل صناديق خشبية.
تعويض الخسائر الباهظة على الجانب الروسي والتي تقدّر بسبعة مليار دولار «تبخرت» في ساعات معدودات، سيتطلب سنوات عديدة، هذا في وقت تُعاوَد فيه ظهور آثار الاستنزاف الذي يفرضه الإنفاق الحربي والحصار الغربي على روسيا الاتحادية بعد ثلاث سنوات ونيف على اجتياحها للأراضي الأوكرانية.
وفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز»، تشكل الطائرات المدمرة والمتضررة حوالي 20 في المئة من أسطول الطيران الروسي طويل المدى والعامل. ويرتفع الرقم ليتجاوز عتبة 30 في المئة من أسطول روسيا من حاملات صواريخ كروز، بما في ذلك قاذفات استراتيجية من طراز Tu-95 وTu-22M وطائرات إنذار مبكر من طراز A-50.
حملت ضربة مهولة بهذا القدر المفكر الفرنسي برنار هنري ليفي الذي يوزع حماسته في هذه الأيام مناصفة، بين تأييد المقاومة الأوكرانية للغزو الروسي وبين تسويغ الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين، حد مقارنة عملية 1 حزيران/يونيو 2025 الأوكرانية ضد دولة نووية في نهاية المطاف، بحجم روسيا، بعملية الموساد الإسرائيلي ضد فصيل مسلح موازي للدولة، «حزب الله» من خلال تفجير أجهزة النداء «البيجرز» في 17 ايلول/سبتمبر من العام المنصرم، تلك الضربة التي أضعفت إلى حد كبير قدرة الحزب على المواجهة، ومهدت لتصفية زعيمه وأبرز قياداته وتدمير نسبة عالية من صواريخه، وفرض الاملاءات الإسرائيلية القاسية على الحزب ولبنان. فهل ثمة أساس لتقدير إملاء أوكراني هذه المرة؟ وعلى من؟ على روسيا؟ أم على دونالد ترامب؟
المفارقة أن العملية، التي أتبعت بعد يومين بهجوم جديد على «جسر القرم» في الأراضي التي تحتلها روسيا من أوكرانيا، تزامن مع مفاوضات اسطنبول، التي كانت قد أسفرت عن توقيع اتفاق تبادل 2000 أسير في شهر ايار/مايو، وراج بصددها التفاؤل – الخفيف – حول إمكانية عقد قمة على مستوى القادة، بل أن المفاوضات لم تعلّق، بل جرت معاودتها ثاني يوم الهجوم الأوكراني الكاسح. وهي لا تزال تصطدم برفض أوكرانيا لضم أقاليم تتبع لها بموجب القانون الدولي إلى روسيا التي تطالب بأن يُقرّ لها بخيرسون وزاباروجيا والدونباس، والاعتراف بضم القرم عام 2014، ناهيك عن الحياد العسكري لأوكرانيا.
رغم التقدم الطفيف في القضايا الإنسانية (تبادل الجثث بين الدولتين السلافيتين)، ترفض روسيا المطلب الأوكراني بوقف إطلاق نار غير مشروط لشهر كامل.
الحماسة الأوكرانية للنزال
أثر هجوم الأول من حزيران/يونيو الاستراتيجي يتعلق قبل كل شيء باظهار تخلف القدرات العسكرية الروسية في عصر الذكاء الاصطناعي المسخّر أكثر فأكثر للعمليات الأمنية والحربية، وفي الوقت نفسه يُبرز نجاح الهجوم حجم التفاوت بين التصميم القتالي الأوكراني وبين حالة من التبلّد في قطاعات واسعة من الجيش الروسي، بما يصعب على نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مداراتها.
فالحماسة الأوكرانية للنزال لم تفتر على الرغم من الجفاء الذي يعتمده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه زيلينسكي موزعاً التهمة بين الجانبين الروسي والأوكراني من حيث مسؤولية التسبب بالحرب ومواصلتها، مع خص زيلينسكي بتهمة «أبوكاليبسية» كمثل تهمة توريط الكوكب بحرب عالمية ثالثة جديدة، في آخرة هذا «اللعب». أو هكذا يرى ترامب المسائل. هو الذي لا يبخل بالتصريحات إن يكن تجاه الشرق الأوسط أو حيال الحرب في أوكرانيا، حول اغراء تجاوز الحروب باستلهام روح الرأسمالية النافرة، «المال كحلّ لكل شيء»، كما لو كانت الرأسمالية تقيم على كوكب والحروب على كوكب آخر. والأنكى أن ترامب يجعل من التناقض بين الرأسمالية وبين الحروب تناقضاً يمرّ بالضرورة من خلال الضرب عرض الحائط بالقانون الدولي، ومن دون أن يسفر هذا اللغو كله عن أي مردود لجهة وقف الحرب، من الدونباس حتى غزة.
يبقى أن الهجوم الأوكراني الكاسح لا يمكن أن يطيح لوحده بالمسار المائل منذ مطلع هذا العام لصالح القوات البرية الروسية في عدة مناطق على طول خط الجبهة، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بتراجع الدعم الأمريكي لكييف، بتعليق المساعدات العسكرية، والتوقف عن مشاركة المعلومات الاستخباراتية، وتغير السلوك التصويتي الأمريكي في مجلس الأمن.
رجحان كفة روسيا
المعادلة التي ترتسم أكثر فأكثر هي تراجع القدرة الدفاعية لأوكرانيا في مقابل تطور قدراتها الهجومية النوعية المباغتة التي تعتمد على الهجمات الدقيقة، والمسيّرات، وشبكة واسعة من التغلغل الاستخباري والعمليات الخاصة داخل العمق الروسي، ما يعيد التذكير بأن الحرب التي هي، في إطارها العام، بين دولتين، هي أيضا، في بعد من أبعادها «حرب أهلية روسية». كذلك، فإن رجحان كفة روسيا على خط الجبهة يزيد من كلفة الاحتفاظ بالمواقع الجديدة ويزيد من النقص في الكتلة المدربة ومن الحاجة للاحتياط والسجناء المجندين. أظهرت أوكرانيا، في المقابل، قسطاً غير قليل من الاعتماد على الذات، رغم تراجع الدعم الأمريكي، كما أظهرت أن مواصلة دعمها من قبل ألمانيا وبريطانيا وبولندا يرسم واقعاً استراتيجياً جديداً شمال العالم. ثمة «تحليل جاهز سلفاً» لاحتساب الهجوم الأوكراني «العنكبوتي» بشكل أو بآخر، في خانة تنسيق سري بين واشنطن وكييف من وراء أشهر الجفاء المتراكمة. لا يستقيم مثل هذا الأمر. هذا الهجوم لا يريح واشنطن. هي تريد للأوروبيين أن يتحملوا كلفة الأمن والدفاع المالية الخاصة بهم لوحدهم، لكنها لا تريد أيضا أن يستغني حلف بريطانيا وألمانيا وبولندا وأوكرانيا عن الولايات المتحدة. منطق «الحرب المرنة» الأوكرانية في مواجهة «الحرب الكلاسيكية» الروسية هو أيضاً منطق الدول المتوسطة الحجم بشكل عام، بدلاً من قسمة العالم بين ثلاث إمبراطوريات، متراتبة هرميا، أمريكية وصينية وروسية. والسؤال الذي يطرح ذاته هنا: هل أن الدولة المتوسطة الحجم لها، بحد ذاتها، استعداد أكبر لاجادة الحرب المرنة من الدول ذات الأحجام والقدرات الإمبراطورية؟
لا يلغي ذلك أن ثمة أساسا جديا لاستمرار – بل ربما تصاعد – التوتر بين واشنطن وموسكو، وهذا ما عكسته ردة الفعل الروسية مؤخراً على مشروع «القبة الذهبية» الذي أطلقته إدارة ترامب، وهو نظام دفاعي يعتمد على شبكة من الأقمار الاصطناعية لاعتراض الصواريخ. فهذا المشروع قد يقفل الطريق أمام تجديد معاهدة «نيو ستارت» (الموقعة بين الرئيسين باراك أوباما وديميتري ميدفيديف عام 2010) للحد من الأسلحة النووية، المقرر أن تنتهي في شباط/فبراير 2026. لا تبدو إدارة ترامب مستعدة لتجديد المعاهدة بالشروط القديمة، وما لم يتم تجديدها سيكون الكوكب لأول مرة منذ نصف قرن من دون آلية قانونية متفق عليها تنظّم الترسانة النووية بين واشنطن وموسكو، ما يفتح الباب لعصر نووي من دون ضابط، في عالم تآكل فيه القانون الدولي بشكل وخيم في العشرين عاما الأخيرة، وارتفع فيه الإنفاق العسكري بشكل متصاعد منذ 2010 حتى اليوم.
بخلاف الربط الذي عقده الرئيس الأمريكي جو بايدن بين دعم أوكرانيا وبين الدفاع عن فكرة الديمقراطية ومعسكرها، تخفف ترامب تماما من ربط أي من سياساته الخارجية بالديمقراطية. لكنه، في الوضع الأوكراني، تخفف أيضاً من أن تكون له خطة سلام محددة، كما ينبهنا ايليا بودريتسكي، المؤرخ اليساري الروسي، هذا في حين أن للروس خطة: سلب مناطق واسعة من أوكرانيا، إن لم يكن التسبب بتقويضها كدولة – أمة. بودريتسكي ترك بلاده إلى أمريكا احتجاجا على غزو بوتين لأوكرانيا عام 2022، وهو يصف نظام بوتين بالفاشية ما بعد الحداثية، التي لا تعتمد على أيديولوجيا محددة، وانما توظف ما أمكن لها من رموز، لأجل تفريغ الفضاءات العمومية من أي حس نقدي أو نقاش. بالنسبة لبودريتسكي، لا يسهم موقف ترامب من زيلينسكي إلا بتعزيز هذا النوع من الفاشية، وإشاعة شعور بالهشاشة لدى كل الدول «غير العظمى» عبر العالم.
حتى الساعة، فضّ واشنطن يدها من الحلف مع أوكرانيا لم يوقف الحرب، وجعل التناقض بين موسكو وواشنطن يظهر في مجال آخر (مصير معاهدة ستارت 2). الذين يراهنون على أن الكوكب، ذاهب، إلى نزاعات أقل، لا يُعرف على ماذا يراهنون؟ هذا رهان لا رصيد له أكبر من رصيد عمق العلاقة بين دونالد ترامب وإيلون ماسك، الذي كان الهزء بترديها الصاخب مناسبة للتندر الروسي في الأيام الأخيرة.