بيروت ـ «القدس العربي»: «ذكرى النور» أو نكش في طِرس الزمن، هي دعوة مفتوحة للوقوف على استكشافات جوانا حاجي توما وخليل جريج في أعماق الأرض وما حولها. في باطن المكان الذي يعيشان فيه وينتميان إليه غاصا، مستخرجين صوراً وأفلاماً ومنحوتات. ويستقرآن للمستقبل مشاريع مُدهشة ومفاجئة، تماماً كما وجدنا في «ذكرى النور». وقد يكون للفن السابع فيها حصته الكبرى.
زيارة المعرض المستمر إلى 4 أيلول/سبتمبر 2025 تستدرج الزائر بكل سلاسة وهدوء، للولوج إلى تلك التجربة الفريدة التي دخلها الفنانان حاجي توما وجريج، في استقراء أعماق المكان الذي نستند إليه. فالأرض هي المكان الذي نستمد منه القوة في حياتنا، وفي كافة الأوضاع التي نكون فيها، وهي المكان الذي تنغرس فيه جذورنا، نبتعد عنها قسراً، ولا ننسى العودة إليها، إن كانت العودة متاحة.
في المرويات المكتوبة، والمندرجات المعتمدة والمسار الفني العلمي للمعرض ثمة استدراج يعمل بدون قصد، أو بقصد لتنمية الإحساس بالأرض لدى الزائر، ونقل مشاعر كل من جوّانا حاجي توما وخليل جريج حيال مشروعهما للزائر، وتالياً سعي لبلوغ جزء من ذاك الهدف الكبير الذي حرّك فيهما مشروع الحوار مع أعماق الزمان والمكان، حيث مندرجات المعرض وأقسامه جميعها مرفقة بمشهدية مُدهشة في تنسيقها، وتقديمها للزائر. فنون التصوير والرسم والنحت والفيديو تتكاتف جميعها للغوص في أعماق تجربة الفنانين الفريدة، وتترك أثراً في المتلقي.
في محتويات المعرض، فهو يتضمّن أعمالاً عديدة من مجموعتهما «حدّقت في الجمال مطولاً»، من وحي شعراء أمثال قسطنطين كفافي وإتيل عدنان وجورج سفيريس، حيث يصبح الشعر وسيلة لمواجهة الفوضى. كما يتضمن مشاريع أخرى تتوغل في طبقات الأرض والآثار المادية للأزمنة الأثرية والجيولوجية في مدن بيروت ونهر البارد وطرابلس وأثينا.
بين الغوص في الزمن العميق للجيولوجيا وركام المدن ومخيمات اللاجئين وورش البناء، فالثنائي الفني حاجي توما وجريج يتتبعان محوراً زمنيّاً غير مستقيم، فيما يتتبعان دوماً وقائع الحاضر. فالفنانان يتساءلان في «ذكرى النور» عن معنى رؤية الصور والسرديّات وتذكّرها وتركيبها في أكثر المشهديّات تصدّعاً، من دون التوقف عن تقديم بصيص من المقاومة والتجدّد. فهما جزء من منطقة طحنتها شعوباً وجيولوجيا وأمكنة وأزمنة حروب استعمارية مستمرة حتى اللحظة. حروب تترك ندوباً مؤلمة في كل لحظة، وبدون شك أن جوّانا حاجي توما وخليل جريج قد طالتهما بعض شظاياها.
عُرف الفنانان جوانا حاجي توما وخليل جريج بمقاربتهما الفريدة لصناعة الصورة والسرد والممارسة المبنيّة على الحيثيّات البحثية. ويشكّل هذا المعرض الذي يستعرض ممارسة فنية لها جذورها في لبنان وأصداؤها البعيدة خارجه، عودة ثانية إلى بيروت بعد المعرض الذي أقيم لهما سنة 2012. هنا حوار مع جوّانا حاجي توما وخليل جريج:
○ كيف ولدت ثيمة أو فكرة المعرض؟ وهل مرّ تطورها بمراحل؟
• المعرض هو مكان للتجريب في مكان محدد ووقت محدد، وموجه إلى جمهور محدد. بالنسبة لنا نحن الإثنين يجب أن نعيد التفكير دائماً في الدخول في حوار مع المدينة قدر الامكان. خططنا للمعرض منذ فترة طويلة، ولكن تم تأجيله عدة مرات نظراً للوضع في لبنان. كان أشبه بمجموعة من الأسئلة والاهتمامات المستمرة التي كانت تراودنا منذ سنوات. تطور المعرض ببطء، في طبقات، كنوع من الجيولوجيا الداخلية. معظم الأعمال حديثة وتعود إلى أبحاثنا على مدى السنوات العشر الماضية.
لم نسعَ إلى تقديم عرض استعادي زمني، بل أردنا نسج خريطة من الأعمال التي تتقاطع وتتحاور. «مخالفات، ما يكمن تحت أقدامنا»و»حدقت في الجمال مطولا»و»ملانكوليا المتحف»، إضافة إلى مشروع سابق «مقاومة الزمن»، جميعها وُلدت من تجربة العيش في منطقة مضطربة، حيث البشر والمؤسسات والأعمال الفنية عرضة للهشاشة والانقطاع والعنف، عن امكانية الحفاظ على شكل من أشكال الاستمرارية. كيف يمكننا مقاومة المحو والانقطاع والفقدان؟ يستكشف «ذكّرى النور» هذه الأسئلة من خلال أشكال حساسة، وأرشيفات مجزأة وجيولوجيا وجدانية، كاشفاً عن طرق مختلفة للتذكر والبناء رغم كل شيء، ومشككاً في التاريخ والشعر والزمن الطويل والقصير والرؤية أيضاً. ماذا نرى؟ كيف نستمر؟
○ علمت أنّ جوّانا وخليل في أوقات الأزمات الحادة ـ وما أكثرها- يوجِّهان نظريهما إلى الأرض. ماذا تعطيكما؟
• لطالما كنا مهتمين دائماً بالكمون وما هو مرئي وغير مرئي، ونحب دائمًا التعاون، واستعارة عيون الآخرين، سواء كانوا شعراء أو علماء آثار أو جيولوجيين أو ممثلين. في هذه الحالة، كان اللقاء هو الذي قادنا، في هذا الوقت العصيب، إلى النظر تحت أقدامنا. الأرض هي مادة وذاكرة في آن واحد، والنظر إليها هو مواجهة ما هو مدفون، ما لا يمكن قوله أو إظهاره مباشرة. إنه الأرشيف غير المكتوب، فهو يحتوي على آثار ويحكي قصصًا، لقد كنا مهتمين أولاً بما يقع تحت أقدامنا في مدن مثل بيروت وطرابلس وباريس وأثينا، وهي مدن نعرفها جيداً.
بدأت هذه الرحلة بالصدفة قليلاً عندما التقينا بصديق مهندس، فيليب فياض، في موقع بناء حيث كان يأخذ عينات من النوى، وهي نوع من الأسطوانات التي تستخرج الآثار الأثرية والجيولوجية من الأرض والحجارة، ليتم تحليلها للتحقق من قابلية التربة للتفتيت. تكشف هذه النوى المحفوظة في صناديق خشبية، عن طبقات خفية من التاريخ – من الآثار المعاصرة إلى الزمن الجيولوجي العميق – كاشفةً عن الانقطاعات والفجوات والتمزقات.
بالنسبة لنا، هذه العينات هي بمثابة بكرات من الأفلام الخام التي تنتظر من يرويها. سنجد المفسرين في علماء الآثار والجيولوجيين، بمن فيهم هادي شويري، بمساعدتهم، تظهر الروايات المدفونة تدريجيًا وتأخذنا إلى دوار الزمن وتخبرنا عن دورات الدمار والتجدد اللانهائية للعالم.
○ (طِرس الزمن) لماذا الزمن طِرس؟ بقصد أم بدون قصد؟
• نحن بحاجة إلى فهم تاريخنا، لكي نتعلم كيف نواجه حاضرنا، نحتاج إلى الماضي لنفهم كيف تتشكل طبقات الزمن. ما الذي يمكن أن يخبرنا به التاريخ ويمكن أن يساعدنا؟ إن الباليبسست ليس استعارة مختارة، بل هو واقع معاش.
الزمن بالنسبة لنا ليس خطًا مستقيمًا، بل طبقات متراكبة، حيث تتداخل الفترات الزمنية، وتُعيد كتابة التاريخ. الزمن الذي نعيشه مليء بالانقطاعات، والفجوات، والانهيارات، نحن نعيش في فضاء تُعاد فيه صياغة السرديات باستمرار، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب ذاكرة الأفراد.
في أعمالنا، نحاول استكشاف هذه الطبقات الزمنية من خلال مزج لقطات Drone مع الصور المجهرية، والمشاهد الواسعة مع اللقطات القريبة، والتقطيعات السريعة مع التسلسلات الطويلة. هذا التباين يخلق طريقة رؤية تتجاوز الرؤية البشرية، ما يُقدّم تمثيلًا للزمن يجمع بين الواقعية والخيال.
تؤدي أبحاثنا إلى تمزقات، ولكن أيضاً إلى تجددات – تتأرجح بين الماضي والحاضر المضطرب.
○ هل يمكن تحديد حصيلة الجمع بين العمل مع الجيولوجيين وعلماء الآثار والغطّاسين؟
• لقد غيرتنا هذه اللقاءات بشكل عميق، علمتنا أن ننظر إلى الأشياء بشكل مختلف، فالجيولوجيون، على سبيل المثال، علّمونا أن نقرأ الصدوع والطبقات، وأن نفهم الزمن العميق، والزمن الطويل، وأن نضع الزمن الذي نعيش فيه في منظوره الصحيح. كانت الكلمات التي يستخدمونها، مثل الكمون والاستمرار والديمومة، تُستخدم بالفعل في أعمالنا الفنية، وهذا ما أبهرنا. أما عالم الآثار، من ناحية أخرى، فهو يواجهنا بالتاريخ، وقد غيّر نظرتنا للأشياء تمامًا. من قبل كنا نعتقد دائمًا أننا محرومون من التاريخ، وحتى لو كان هذا أمرًا ضروريًا، إلا أننا ندرك أن الدمار في لبنان قد كشف عن طبقات من التاريخ العميق. إنهم يتحدثون بلغة الفعل والتغيير. لا يتجلى التاريخ كمتتالية متماسكة من الطبقات الزمنية المترابطة، بل كتشابك ديناميكي من العصور – يتسم بالتمزقات حيث تتداخل الآثار والحضارات. لقد مكنونا من فهم انتقال أطول بكثير عبر الزمن، فهم يفكرون بالمستقبل، فيما يجب الحفاظ عليه والاحتفاظ به. يستكشف الغواصون مناطق لا يمكن الوصول إليها، معلقة في كثافات أخرى من المرئي، في أعماق أخرى. وهذا التقاطع لا ينتج عنه تركيب، بل إزاحة، إنه يسمح لنا بإبراز الأشكال التي تفلت من التمثيل البسيط، للتفكير بشكل مختلف حول ما يمكن أن تفعله الصورة.
○ في إعادة الوصل – لو كان متاحاً- بين بيروت وغزّة ونهر البارد وإزمير والخيام والقدس وحيفا. فما هو المشترك في ذكرى النور؟
• في كل هذه الأماكن، كانت هناك محاولات للمحو، والتجزئة، والفصل، واليأس الكبير. كيف نُقاوم؟ كيف نستمر؟ في مواجهة الفوضى واليأس، نلجأ إلى الشعر، كوسيلة تحافظ على إنسانيتنا، وتُعيد لنا ما يُحاولون سلبه منا. عنوان المعرض مستوحى من عمل فيديو بعنوان «ذكّرى النور»، يستكشف كيف تتغير الألوان تحت الماء: مع زيادة العمق، يضيق الطيف الضوئي وتختفي الألوان واحدة تلو الأخرى. يختفي الأحمر أولًا، يليه البرتقالي، الأصفر، الأخضر، ثم الأزرق، حتى يغمر الظلام كل شيء.
ومع ذلك، إذا أُضيء قاع البحر المظلم، يتذكّر العوالق الضوء وتُعيد انكساره. في الظلام الذي نغرق فيه غالبًا في هذه المدن، يجب أن نحاول أن نتذكّر النور…
○ أثرتما حشرية ورهبة في ثلاثيات الصور الكامنة تحت أقدامنا. لماذا إنتابني هذا الإحساس؟ وكم هي الكبسولات الزمنية سلمية الحضور؟ وكم هي نداء للجذور؟
• إنها تجربة تُثير الدوار. الكبسولات الزمنية تُعيد ترتيب الزمن، تُربك النظام القائم، وتُعيد تنشيط ما كنا نظنه جامدًا أو منسيًا. الأرض، الأساسات، الأنقاض – هي أسطح نظن أننا نعرفها، لكنها مسكونة عند النظر إليها بطريقة مختلفة، ندرك أنها مكوّنة من تراكمات من السرديات، الخسائر، والذكريات المكبوتة.
لكنها أيضًا نداء – ربما ليس للجذور بالمعنى الثابت أو الهوياتي، بل لتجذّر أعمق: لذاكرة تحت الأرض، لإيماءات مُنتقلة، ولروابط غير مرئية. إنها تربطنا باستمراريات هشة، وتُعتبر وسيلة لنقل المعرفة. تُعيدنا إلى الزمن الطويل وتُجبرنا على إعادة التفكير في مكانتنا في الزمن، والتواصل مع ما بداخلنا الذي لا يزال يسعى للتذكّر، للسرد، والارتباط بشيء أوسع بكثير. إنها تتحدث قبل كل شيء عن حاضرنا المضطرب، وتُعيد ترميم شيء من المحور الزمني عبر إدماج ما هو آتٍ.
تصوير: طارق مقدم